الأوروبيون الجدد: مسلمو فرنسا وبريطانيا

3547
عدد القراءات

2018-06-10

ترجمة: محمد الدخاخني

أحد مآلات هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا يتمثّل في أنّ العديد من الأوروبيّين، الذين يقدّر عددهم بخمسة أو ستة آلاف شخص ممّن ذهبوا إلى بلاد ما بين النّهرين للقِتال من أجل العيش في ظلّ ما يسمّى بالخلافة، يعودون الآن إلى ديارهم. وتبعاً لسياسات بلدانهم، قد يتمّ سجنهم، أو إخضاعهم للمراقبة عن كثب، أو وضعهم في برامج إعادة التّأهيل (وفي ذلك، فرنسا هي الأصعب، والدنمارك بين الدّول الأكثر تفهماً). ما مِن أحد يعرف مقدار التّهديد الّذي يشكله هؤلاء العائدون. فهم قد يكونوا نادمين على ما اقترفوه ومستعدّين لأن يصبحوا مواطنين شرعيّين، أو ربّما يخطّطون لأعمال انتقاميّة. وبغض النّظر عن النّكسات التي عانى منها تنظيم داعش في ساحة المعركة، فإنّ قائمة الأعمال الوحشيّة التي يرتكبها جهاديون مسلمون على الأراضي الأوروبيّة ما تزال تتزايد. فمن سلسلة اعتداءات بالمتفجّرات والسّيارات والسّكاكين في بريطانيا في مطلع عام 2017 - والتي كان أسوأها الهجوم الذي أودى بحياة 22 شخصاً خلال حفل موسيقيّ في مانشستر أرينا - إلى اعتداءات أخرى أكثر حداثة في إسبانيا وفرنسا، يبدو واضحاً أنّ شهيّة عدد بالغ الصّغر من المسلمين لقتل الكفّار ما تزال منتعِشة.
بالرّغم من أنّ الهجمات الإرهابيّة في أوروبا ما تزال تجذب الكثير من الاهتمام، إلّا أنّها لا تُهيمن على الأخبار بالقدر نفسه الّذي كانت عليه الحال عندما كانت بِدْعة مروّعة في عامي 2014 و2015. ومسألة أنّ الإرهابيّين يمكن أن يخلقوا ذعراً متمركزاً ولكن ليس ذا انتشار واسع ثَبُت على نحو متكرّر. وكان السير جيرمي غرينستوك، الرّئيس السّابق للجنة الأمم المتّحدة لمكافحة الإرهاب، قد وصف بشكل ملائم الإرهاب الإسلامويّ بأنّه "مصدر إزعاج فتّاك".

زوار في مدينة ملاهي في لندن خلال احتفال العيد ، يوليو 2014

اشتهاء الصّدْع
لكن هذا الإزعاج قد أحرز بعض التّقدّم في تحقيق ما أكّد عالِم الاجتماع الفرنسيّ جيل كيبيل، وهو في طليعة المنظّرين الأوروبيّين المرجعيّين في التّشدّد الإسلامويّ، أنّ الهدف من وراء جلب الجهاد إلى الوطن: خلق "صَدْع" غير قابل للجسر بين مسلمي أوروبا وغير مسلميها. وفقاً لكيبيل، بعد انخراط الجهاديّين في حرب مقدّسة ضدّ السوفييت في أفغانستان، انتقلوا إلى "الخارج القريب" (البوسنة والجزائر ومصر)، قبل أن يتوجّهوا إلى الغرب نفسه، وجاءت أوّلاً -وبطريقة هي الأكثر دراماتيكيّة- الولايات المتحدة، ومنذ عام 2012، أوروبا الغربيّة، وذلك في حملة من الهجمات شنّها أفراد وخلايا غالباً ما "ترعرعوا محليّاً" . ذاك الصّدْع المُشتهى بقوّة قدّم لكيبيل عنوان آخِر إضافة له ضِمن الأدبيّات الضّخمة الّتي تدور حول هذا الموضوع، La Fracture، وهو الكتاب الّذي نُشِر بعد بضعة أشهر من إدراج مؤلّفه على قائمة تضمّ سبع شخصيّات عامّة فرنسيّة انتُقِيَت لإيقاع حكم الإعدام بها على يد القاتل الجهاديّ العروسي عبد الله. (وقد قتلت الشّرطة عبد الله في حزيران (يونيو) 2016 بعد قتله ضابط شرطة وزوجته). "إذا كنتم تريدون قتلي، فافعلوا"، هكذا استهزأ كيبيل بالجهاديّين خلال مقابلة مع النيويورك تايمز في نيسان (إبريل) 2017.

إنّ الهجمات الجهاديّة لها تداعيات على المجتمعات والتّقاليد الّتي يُعتقد أنّها شجّعت عليها

وعلى النّقيض من الهجمات الّتي ارتكبها غير مسلمين مثل ستيفن بادوك، الّذي قتل 58 شخصاً في حفل موسيقيّ في لاس فيغاس في الأوّل من تشرين الأول (أكتوبر) 2017، فإنّ الهجمات الجهاديّة لها تداعيات على المجتمعات والتّقاليد الّتي يُعتقد أنّها شجّعت عليها. فكلّ فظاعة تتعاظم بخوف يُضاعِف من عدم الثّقة، والمراقبة، والتّدخل الّذي يتعرّض له المسلمون في الغرب. ففي الشّهر الّذي أعقب تفجير أرينا، سجّلت شرطة مانشستر 224 حادثة معادية للمسلمين، مقارنة بـ 37 حادثة في الفترة نفسها من العام الماضي. وفي 19 حزيران (يونيو) 2017، عندما قام بريطانيّ أبيض، هو دارين أوزبورن، بدهس مجموعة من المسلمين في شمال لندن بشاحنته، ممّا أسفر عن مقتل واحد، شعر العديد من البريطانيّين، بما في ذلك بعض من تحدّثت إليهم، بأنّ المسلمين يحصدون ما زرعوا . وهذا ما يعنيه كيبيل بالصّدْع: تولِّد الجهاديّة ردّ فعل "ضدّ كلّ المسلمين"، في الوقت الّذي يقوم فيه السّياسيّون الشّعبويّون "بإلقاء الّلائمة على المهاجرين أو 'الإسلام'".

تولِّد الجهاديّة ردّ فعل معادياً "ضدّ كلّ المسلمين"

حجّة دائمة: هؤلاء لا يمثّلون الإسلام

يُسهِم العديد من الأوروبيّين ذوي الإرث الإسلاميّ، بطبيعة الحال، في حياة الأُمم الّتي احتضنتهم، وذلك في كثير من الأحيان مع الاحتفاظ بعناصر من إيمانهم وثقافتهم . لكن مع كلّ هجوم جهاديّ، فإنّ الصّيغة الّتي كثيراً ما تُذكر هي أنّ الإسلام هو دين سلام جرى تحريفه على يد ثلّة معزولة تفتقر إلى الرّواج.

اقرأ أيضاً: المسلمون والسياسة في أوروبا: معضلة لا تجد حلاً
كان ذلك واضحاً بالنّسبة إليّ بعد بضعة أيام من هجوم شمال لندن أثناء استماعي إلى مناقشة في برنامج إذاعي شهير بين كلّ من المقدّم نيك فيراري وخولة حسن، وهي عضوة بارزة في إحدى مجالس الشّريعة في بريطانيا. (وتقضي هذه الهيئات معظم وقتها في حلّ زيجات غير سعيدة جرى عقدها بموجب الشّريعة الإسلاميّة وقد جرى انتقادها بسبب قيامها بواجبات الدّولة). بدأت المناقشة بنبذ خولة حسن لتنظيم داعش لأنّه يقوم على "عِبادة الموت الّتي تتظاهر بأنّها نمت من داخل العقيدة الإسلاميّة". وهكذا كان ارتباط الجهاديّين بالإسلام انتهازيّاً للغاية، فهؤلاء القتلة الجماعيّين الّذين هتفوا صارخين "الله"، يمكنهم بسهولة، وفقاً لها، أن يصرخوا "بوذا" أو "يسوع". لكنّ فيراري قاطعها بنبرة باردة قائلاً: "ذكّريني بالمرّة الأخيرة الّتي قامت فيها مجموعة من المسيحيّين.. بتفجير أطفال بينما هم يخرجون من حفل موسيقيّ، لأنّه لا شكّ أنّني كنت غائباً عن العمل ذلك اليوم". وتابع قائلاً: "إنّ شيئاً ما له صِلة بالإيمان" قد تسبّب في المشكلات الحاليّة. وفي انزعاج واضح، أجابت خولة: "هذا هو بيت القصيد!". وأضافت: "لا يتعلّق الأمر بالإيمان"، قبل أن ينقطع الاتّصال بشكل غامض - ورمزيّ إلى حدّ ما.

بيّن استطلاع للرّأي أجري في بريطانيا عام 2016 أنّ 43% من البريطانيّين يعتقدون أنّ الإسلام قوّة سلبيّة في بريطانيا

ووفقاً لاستطلاع للرّأي أجرته "لوفيغارو" في نيسان (إبريل) 2016، فإنّ 63 بالمئة من الفرنسيّين يعتقدون أنّ الإسلام يتمتّع "بنفوذ وظهور" أكثر من الّلازم في فرنسا، وهي نسبة أعلى من الـ 55 بالمئة الّتي سُجّلت في عام 2010، بينما يعتبر 47 بالمئة وجود مجتمع مسلم كـ "تهديد"، وهي أيضاً نسبة من الـ 43 بالمئة الّتي سُجّلت سابقاً. وقد أظهر استطلاع للرّأي أجري في بريطانيا في الوقت نفسه أنّ 43 بالمئة من البريطانيّين يعتقدون أنّ الإسلام "قوّة سلبيّة في المملكة المتّحدة". وقد أخبرني أحد النّاشطين المسلمين في ليدز أنّ الكثير من المسلمين البريطانيّين أنفقوا السّاعات التّالية لمذبحة لاس فيغاس "في صلاة بأن يكون الجاني غير مسلم"، لأنّه لو كان كذلك، لأدّى ذلك إلى ردود فعل غاضبة على الإنترنت، بالإضافة إلى الدورة المعتادة من خلع الحجاب وتلقّي الشّتائم في الشّوارع، إن لم يحصل أن كانت هناك تهديدات جسديّة فعليّة.

جيل كيبيل: الهدف من وراء جلب الجهاد إلى الوطن خلق صَدْع بين مسلمي أوروبا وغير مسلميها

نماذج اندماج المسلمين في أوروبا

لقد أصبح اندماج المسلمين قضيّة سياسيّة في أوروبا في الثّمانينيّات. في بريطانيا، أخذ النّشطاء المسلمون في الانفصال عن مجتمع البريطانيّين من أصل إفريقيّ، وتطوّرت التّوتّرات بين الاثنين. وفي فرنسا، أدّت سنوات من الإهمال الحكوميّ، إلى جانب تعميم الأفكار السّلفيّة عبر الجهاد الأفغانيّ، إلى تقويض الافتراض القديم القائل بأنّ مهاجري شمال أفريقيا في البلاد من الاشتراكيّين والعلمانيّين حتماً. وتأتي كلّ من سيطرة، أو تدخُّل الثّقافة الفرنسيّة، والتّعدديّة الثّقافيّة البريطانيّة -مقاربة كلّ من فرنسا وبريطانيا لدمج المهاجرين- كامتدادين منطقيّين لنسختين متناقضين للإمبراطوريّة (مهمّة التّحضّر في فرنسا مقابل سياسة عدم التّدخّل البريطانيّة)، وفي حالة بريطانيا يرفد ذلك مبدأ التّنوّع المتأصّل في مملكة متّحدة جامِعة لتكتّلات مختلفة. (وقد اعتمدت ألمانيا مزيجاً غير مستقرّ من الاثنين).
وعندما اندلعت أعمال الشّغب في الضّواحي الفرنسيّة عام 2005، ومجدّداً، عندما ضرب الإرهاب الجهاديّ فرنسا في كانون الثّاني (يناير) 2015، عزا الكثير من البريطانيّين متاعب فرنسا إلى سياستها غير الحكيمة المتمثّلة في إجبار المهاجرين من شمال أفريقيا على تبنّي جميع جوانب الثّقافة الفرنسيّة، بما في ذلك تبجيل اللغة الفرنسيّة وأيديولوجيا العلّمانيّة والجمهوريّة. فعلى النّقيض من ذلك، سمح البريطانيّون للمجتمعات/الجاليات المختلفة بالحفاظ على خصائصها المتنوّعة مع إغوائها برموز مثل البرلمان والتّاج. وحتّى تفجيرات لندن عام 2005، الّتي قُتِل فيها 52 شخصاً، لم تُلحِق ضرراً مستديماً بهذا النّهج المتفائل، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ الفجوة الّتي دامت ثمانية أعوام قبل الهجوم الجهاديّ التّالي شجعت البريطانيّين على التّفكير في الأمر على أنّه انحراف.

اقرأ أيضاً: أوروبا إذ تكتشف خطر الإخوان المسلمين
وبالعودة إلى عام 1975، جادل مؤلّفو وثيقة حكوميّة بريطانيّة حول التّعليم بأنّه "لا ينبغي أن يُتوقّع من أي طفل أن ينبذ لغة وثقافة وطنه الأصليّ أثناء عبوره عتبة المدرسة". هنا كان جوهر التّعدديّة الثّقافيّة، والّذي بموجبه رأت الدّولة أنّه لا فائدة من إضعاف روابط الجاليات والتّقاليد الّتي تربط بين المواطنين من أصل أجنبيّ. على العكس، ينبغي تشجيعهم -كما قال مجلس لندن الكبير- على "التّعبير عن هويّاتهم الخاصّة، واستكشاف تواريخهم الخاصّة، وصِياغة قيمهم الخاصّة، ومتابعة أنماط حياتهم الخاصّة".
كان التّعليم والإسكان العام مجالين حيث حقّقت التّعدديّة الثّقافيّة تقدّماً كبيراً. في العديد من الحالات، لم تُبذل أيّة جهود لتمييع أي مجتمع مُهاجر مُتجانس، وهو ما أدّى إلى مناطق أُحاديّة الثّقافات من قبيل - كما تقول عبارة جيمس فيرغسون في كتابه Al-Britannia, My Country، وهو عبارة عن دراسة استقصائيّة جديدة ومتعاطِفة بقوّة حول المسلمين البريطانيّين - "الأحياء المسلمة في شرق برمنغهام"، حيث يتمّ تشجيع المدارس على الإقرار بتواريخ وثقافات "الوطن الأُمّ". ونتيجة لبرنامج بريطانيا متعدّد الثّقافات، الّذي تمّ تشجيع المجتمعات بموجبه على تمثيل نفسها، بطريقة ما على نمط "الراج البريطانيّ"، حصلت المناطق ذات الأغلبيّة المسلمة على أعضاء مجالس وعُمَد وأعضاء برلمان مسلمين بأعداد أكبر بكثير من المناطق المُماثلة في فرنسا .

غلاف كتاب "Al-Britannia, My Country" لجيمس فيرغسون

وتُعدّ برادفورد، في غرب يوركشاير، واحدة من العديد من المدن الصّناعيّة السّابقة في إنكلترا الّتي أعطت شكلاً للتّعدديّة الثّقافيّة في أكثر أشكالها إثارة للجدل. لا يعيش كلّ مسلمي بريطانيا في مجتمعات مُغلقة، بأيّة حال؛ إذ يمتزج مسلمو شرق لندن وليستر مع عدد آخر من أصحاب الدّيانات المختلفة. لكنّ أجزاء من برادفورد - في الشّوارع الصغيرة الضّيقة حول أتوك بارك، على سبيل المثال، حيث ترتدي النّساء الجلباب الباكستانيّ - تعدّ مناطق أحاديّة الثّقافة بجُرأة. ويهيمن على المجتمع المسلم في برادفورد، والبالغ 130 ألف نسمة على الأقل، أسر من منطقة واحدة من كشمير الخاضعة لإدارة باكستان، والّذين هاجر العديد منهم في السّتينيّات. ويتخلّل أفق المدينة مآذن 125 مسجداً، وأنظمة المدينة التّعليميّة، والخيريّة، والتّجاريّة (ناهيك عن الزّواج والطّلاق) قد تشكّلت على أساسٍ من مواقف مجتمع متماسك وشديد المحافظة. كما أصيبت المدينة بالفقر والجرائم المرتبطة بالمخدّرات، لكنّي أُخبِرت مراراً أثناء زياراتي الأخيرة أنّه لولا تماسكهم، واعتمادهم على أنفسهم، وإيمانهم بإله صارم وإنّما رحيم، لكان وضع مسلمي برادفورد أسوأ من ذلك بكثير.

نهاية التّعدديّة الثّقافيّة
في الأعوام الأخيرة، ضَعُف تشجيع إنكلترا للتّعدديّة الثّقافيّة كردّ على الهجمات الإرهابيّة والزّيادة السّريعة في عدد السّكان المسلمين، وهو العدد الّذي تضاعف منذ عام 2000 إلى أكثر من ثلاثة ملايين شخص. وبحلول عام 2020، سيكون نصف سكان برادفورد - الّتي إلى جانب كونها إحدى أكثر المدن إسلاميّة في البلاد، فإنّها تمتلك واحداً من أعلى معدلات المواليد الموجودة بها - أقلّ من عشرين عاماً. وردّاً على هذا التّحول الدّيموغرافيّ والخوف من الإرهاب، قامت بريطانيا في ظلّ قيادة ديفيد كاميرون، ومؤخّراً تيريزا ماي، بقبر سياسة التّعدديّة الثّقافيّة بشكل علنيّ، وهو تحوّل يبدو متناغماً كليّاً مع البواعث الدّفاعيّة الّتي قادت غالبيّة ضئيلة من النّاخبين لاختيار البريكست (خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ). (قيل لي في برادفورد إنّ العديد من سكّان المدينة المسلمين صوّتوا أيضاً لصالح البريكست، للإشارة إلى استيائهم من وصول مهاجري بولندا وروما مؤخّراً). ويأتي في إطار هذا التّخلّي المذعور عن بَنْدٍ موقّرٍ للإيمان ردّ فعل ماي على الهجوم الإرهابيّ على جسر لندن في أوائل حزيران (يونيو) 2017، حيث طالبت بعد الحادث بأن يعيش النّاس "ليس في سلسلة من المجتمعات المنفصلة والمغلقة، ولكن كمملكة متّحدة حقّاً". وكان أحد العناصر الأساسيّة في سياسة الحكومة لمكافحة التّطرّف هو التّرويج للقيم "البريطانيّة" مثل الدّيمقراطيّة وسيادة القانون والحريّة الفرديّة والتّسامح.

ترك العديد من الإسلامويّين مجتمعاتهم المحليّة الخانِقة للعثور على عائلة بين أُناسٍ من دول مختلفة!

ومن بين الملاحظات الّتي وردت في تقرير الحكومة لعام 1975 حول التّعليم هو أنّ أمّهات بعض التّلاميذ في المدارس البريطانيّة ربما كن يعشن "وفق عادات محافظة للغاية فيما يخصّ علاقتهن بالجنس الآخر، أو لا يتحدّثن الإنكليزيّة". كانت نبرة التّقرير محايدة - ولم يُشِر في أيّ موضع إلى أنّ هذا يمثّل تهديداً للدّولة المدنيّة. ولكن في بيئة اليوم، قد يبدو أنّ هذا البيان يقدّم دليلاً على قيام المجتمعات المحليّة برفض أسلوب الحياة البريطانيّ - ومعه قِيَم التّحرّر والالتزام الفرديّ الّتي تحظى بها الثّقافة البريطانيّة الرّسميّة. فالغيتو [الحي المغلق على أقليّة معيّنة]، إذْ يفعّل هذا النّمط من التّفكير، هو أوّل محطّة في رحلة نحو التّطرّف والإرهاب.
إنّ وجود مثل هذه العلاقة المباشرة بين المجتمعات المسلمة والمنظّمات المتطرّفة هو بطبيعة الحال موضع خلاف كبير. ففي الواقع، ترك العديد من الإرهابيّين الإسلامويّين المجتمعات المحليّة الخانِقة من أجل العثور على "عائلة" جديدة بين أُناسٍ من دول مختلفة يحملون تصوراً عالميّاً، أو على حدّ تعبير باحث فرنسي آخر مختصّ في الجهاديّين، هو أوليفييه روي، "نوع جديد من المسلمين، منفصل تمامًا عن الرّوابط العرقيّة والوطنيّة والقبليّة والعائليّة" .

اقرأ أيضاً: مسلمو بريطانيا الشباب أكثر ليبرالية لكنهم ليسوا أقل تديناً

وفي كثير من الأحيان ما تقوم هذه" العائلة "الجديدة، وليس مسقط الرّأس الّذي يُهيمن عليه المسلمون، بغرس الأيديولوجيا الجهاديّة. قد تكون المجتمعات والمدارس الإسلاميّة الّتي ينتقدها البريطانيّون بسبب مواقفها غير الّليبراليّة، لأنّها تشجّع التّماسك الأسريّ والمجتمعيّ، عقبة أكثر فعّاليّة أمام الجهاديّة الثّوريّة من أي قدر من البروباغندا الحكوميّة. لكنّ البريطانيّين من اليسار الّليبراليّ واليمين الوطنيّ ينظرون إلى المجتمعات الإسلاميّة المحافظة على أنّها أبويّة وشوفينيّة ومعادية للمثليّة - وفي كثير من الحالات لأسباب وجيهة. كما أنّ السّياسة القديمة المتمثّلة في الإذعان إلى الجماعات الإسلاميّة الأكثر "اعتدالاً" قد قوّضتها النّظرة القائلة بأنّهم عملاء للحكومات، أو ليسوا معتدلين حقّاً.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف في أوروبا يزيد وتيرة جرائم الكراهية ضد المسلمين
يتعاطى كتاب فيرغسون، Al-Britannia، بشكل مفصّل مع نهاية التّعدديّة الثّقافيّة واستبدالها بتشديد المراقبة والتّأكيد على القيم الثّقافيّة الوطنيّة. في إطار برنامج تفكيك الرّدكلة الّذي أطلقته الحكومة، والمسمّى Prevent، يجب على المعلّمين وموظّفي المستشفيات وغيرهم من العاملين في القطاع العام الإبلاغ عن أي شخص يعتبرونه متطرّفاً فعليّاً أو مُحتملاً. يتّفق الجميع على ضرورة تحديد الرّاديكاليّين المحتملين، سواء كانوا إسلامويّين أو فاشيّين جدد، ولكن وفق هذا البرنامج تمّ تصنيف الكثير من المسلمين بشكل ظالم، ممّا يجلب عاراً يستمرّ إلى ما بعد الاستشارات "الطّوعيّة" الّتي تلي الإحالة. كما أنّ الحماقات التي ارتُكبت باسم البرنامج كثيرة. حيث تمّ تفتيش غرفة طالبة في جامعة أكسفورد (وهي من السيخ، كما ظهر) بعد أن استُمِع إليها تتلو بضع صلوات، وتمّ استجواب تلميذ في الرّابعة عشرة من عمره بعد أن استخدم كلمة "الإرهاب البيئيّ".

كان هناك جهد متضافر لجلب المزيد من الموظّفين المسلمين للمدارس في الأجزاء ذات الأغلبيّة المسلمة من برمنغهام

كما تجلّى العداء البريطانيّ الجديد تجاه الجيوب المسلمة غير الّليبراليّة في فضيحة وطنيّة في عام 2014، عندما كشفت تفاصيل عن مؤامرة مزعومة لأسلمة المدارس في برمنغهام، وهي ثاني أكبر مدينة في البلاد. خلال العقد الماضي، كان هناك جهد متضافر لجلب المزيد من الموظّفين المسلمين إلى المدارس في الأجزاء ذات الأغلبيّة المسلمة من برمنغهام. وكانت الصلوات الاعتياديّة والصّيام الرمضانيّ من الأمور المدعومة من جانب السّلطات المدرسيّة، وتمّ إدخال شيء من الفصل بين الجنسين. وفي بعض الأحيان، أعرب المعلّمون عن وجهات نظر غير مرغوب فيها حول المثليّة الجنسيّة وحقوق المرأة. لكن من خلال تعزيز هذه القيم الإسلامويّة - والتّقليل من القيم "البريطانيّة" الّتي يفترض أن يدعموها - خلق المعلّمون في هذه المدارس أيضاً الشّروط الّلازمة لزيادة المعايير الأكاديميّة والضّبطيّة، مع ما يصاحب ذلك من تأثير على نتائج الامتحانات وفرص العمل.
وبعد الفضيحة، تمّ إيقاف المعلّمين في ثلاث مدارس في بيرمنغهام، وهو ما كان له تأثير سلبيّ على معنويات ونتائج الامتحانات. وأيّدت لجنة التّحقيق الّلاحقة تهمّة تأديبيّة واحدة فقط، كما أنّ الادّعاءات بوجود مؤامرة فقدت مصداقيتها. لكن الأضرار التي لحقت بسمعة المدارس وتلاميذها كانت كبيرة.

حول علاقة الجاليات المسلمة بالتّطرّف

بالنّسبة إلى فريغسون، فإنّ الصّدْع في بريطانيا اليوم ليس كبيراً بين المسلمين وغير المسلمين كما هو الحال بين المسلمين أنفسهم: الشّباب يضغطون على آبائهم، ويخلق مزيج الإغراء الجنسي والدّخُول المتوقّفة عن الزّيادة (والزّواج ترف لا يستطيع الكثيرون تحمله) الإحباط الّذي يمكن أن ينزلق إلى العدميّة. وقد تعرّض فريغسون لانتقادات بسبب تعاطفه الشّديد مع بعض الإسلامويّين الّذين صُوِّروا كمصدر تهديد من جانب وسائل الإعلام، مثل عاصم القريشي، العضو البارز في جماعة الدّعوة الإسلاميّة "كيج"، الّذي وصفَ في عام 2015 محمد إموازي، المتشدّد الدّاعشيّ البريطانيّ المعروف باسم "الجهاديّ جون"، بأنّه "شاب لطيف". لكن اعتقاد فريغسون بأنّه ينبغي تقدير المسلمين البريطانيّين بسبب إيمانهم، وليس بالرّغم منه، يُعتبر تحسّناً كبيراً على التّسامح القائم على المصلحة الذّاتيّة الّذي غالبًا ما كان يُعتبر موقفاً مستنيراً حول مسألة المسلمين.
وكان عالم السّياسة الأمريكيّ الرّاحل روبرت س. لايكين، على سبيل المثال، الّذي أُعيد إصدار كتابه Europe’s Angry Muslims مؤخّراً مع مقدّمة حول صعود داعش، قد جادل بأنّ أحد أسباب وجوب محاربة الغربيّين للتّميّيز ضدّ المسلمين يتمثّل في أنّ "مثل هذا التّعصّب يسرق منّا الحلفاء، بما في ذلك المسلمون في الغرب، عندما تكون لدينا حاجة ملحّة إلى إخباريّين من داخل هذه المجتمعات". ومن الصّعب التّفكير في تصريح ضدّ التّعصّب أكثر عداءً لفكرة أنّ المسلم قد يكون فعلاً "واحداً منّا".

غلاف كتاب "Europe’s Angry Muslims" لعالم السّياسة الأمريكيّ الرّاحل روبرت س. لايكين

نقاش لأطروحات جيل كيبيل

وفي حين يعتقد فيرغسون أنّ الاعتراف بعقيدة المجتمعات المسلمة وقيمها أمر ضروريّ لتماسك المجتمع ككلّ، فإنّ كيبيل يعتبرها سلاحاً وُضع في أيدي الإسلامويّين بسبب القلوب الّليبراليّة النّازفة. إنّ رحلة كيبيل مثيرة للاهتمام. في عام 2004، كان كيبيل عضواً في لجنة أوصت بـ - وحصلت على - حظر الرّموز الدّينيّة التّفاخريّة في المدارس الفرنسيّة (ما يُطلق عليه "حظر الحجاب"). لكنّه قضى الكثير من حياته المهنيّة أيضاً كأكاديميّ رفيع المستوى يحقّق في مزيج الفقر والشِراك الثّقافيّة والأفكار السّلفيّة الّذي خلق شعوراً بالاغتراب لدى الجيل الحاليّ من المسلمين. وقد طرح في كتابه السّابق، Terror in France، تاريخاً عصريّاً متقناً لفرنسا المسلمة من خلال تناول قضايا مختلفة ومشهورة، بداية من نشر الرّسوم الكاريكاتوريّة المسيئة للنّبيّ محمّد في عام 2005، ومروراً بشكوى مارين لوبن في عام 2010 من أنّ أجزاء من المجتمع تقع تحت "الاحتلال" (ورغم هذا التّصريح إلّا أنّها برّئت فيما بعدها من تهمة ارتكاب جرائم تحضّ على الكراهية)، ووصولاً إلى الهجمات الجهاديّة الأولى على الأراضي الفرنسيّة في عام 2012.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الإسلاموية في أوروبا: ما هي وماذا تريد؟
من المثير للاهتمام بشكل خاصّ، في ضوء الانقسام بين الأجيال المسلمة، الّذي يركّز عليه فريغسون، وَصْف كيبيل لمحاولة فاشلة قام بها "اتّحاد المنظّمات الإسلاميّة في فرنسا" لفرض النّظام على الأحياء الّتي عمّها الشّغب في عام 2005. فهذه الهيئة الّتي تضمّ زعماء دينيّين وعلمانيّين، والّتي اعتبرها الكثيرون الأقوى في فرنسا، فقدَت هيبتها بسبب عدم قدرتها على منع تمرير حظر الحجاب، وكان يُهيمن عليها مجموعة مسنّة من الإخوان المسلمين ليس ثّمة صلة بينهم وبين الشّباب الّذين كانوا بدورهم في الخارج يحطّمون السّيارات. أعلنت الفتوى الّتي أصدرها لاهوتيّو هذا الاتّحاد أنّ التّخريب محرّم، أو غير مشروع، لكن كان لها الأثر المعاكس للهدف المقصود. ففي اليوم التّالي، تمّ تدمير أكثر من 1400 سيارة وأصيب 35 من رجال الشّرطة.

وكتاب كيبيل، La Fracture، هو عبارة عن مجموعة من المقالات والتّعليقات الّتي تدور حول أحداث في فرنسا والعالم الإسلاميّ. والجزء الأكثر إثارة للاهتمام هو الخاتمة المطوّلة، الّتي يُظهِر فيها انعدام الثّقة، المشترك بين المثقّفين المكرّسين، في السّياسات المجتمعيّة، والّتي تُعتبر متعارضة مع تأكيد الجمهوريّة الفرنسيّة على تكافؤ الفرص. إنّ المشكلة، كما يراها كيبيل، لا تكمن ببساطة في أعمال العنف الّتي يرتكبها الجهاديون، بل في الّلعبة الطويلة الّتي يقوم بها أقرانهم الّذين يهدفون إلى إثارة الصّدْع أثناء عملهم في إطار القانون. وفي جمهوريّة علمانيّة مثل فرنسا، كما يكتب، "لا يمكن تمثيل مجتمع دينيّ على هذا النّحو في المجال السّياسيّ" - لكن هذا هو بالضّبط المبدأ الّذي يحاول جيل جديد من النّشطاء المسلمين أن يفسدوه.

اقرأ أيضاً: مسلمو بريطانيا يحاربون التطرف بمأسسة العمل الديني
ويرى كيبيل أنّ مروان محمّد، القائد الشّاب النّشِط والمتعلّم جيّداً لجماعة ضغط تُدعى "التّجمّع ضدّ الإسلاموفوبيا في فرنسا"، ربّما يكون أخطر هؤلاء الّذين يضرب بهم المثل. ففي صيف عام 2016، بعد هجوم جهاديّ في نيس قُتِل فيه 86 شخصاً، أصدرت عدة بلدات ساحليّة حظراً على البوركيني. وكان محمّد بارزاً في تنظيم الاحتجاجات الّلاحقة ضدّ ما أسماه "إسلاموفوبيا هستيريّة وسياسيّة"، وهو الأمر الّذي منح فرنسا الكثير من الدّعاية غير المحبّبة وانتهى بقرار قضائيّ يقضي بعدم قانونيّة الحظر. ينظر كيبيل إلى العاصفة الّتي تحيط بالبروكيني - إلى جانب موجة الغضب الأخرى في الوقت نفسه بسبب إساءة معاملة امرأتين مسلمتين في مطعم - على أنّها اهتياجات شعبويّة تتنكّر في شكل حملات لحقوق الإنسان. وهو يتّهم مثل هذه الحركات باستدعاء حالات "الإسلاموفوبيا" (وعلامات الاقتباس من عند كيبيل) بهدف صريح وهو جعل المسلمين يشعرون بأنّهم ضحايا.

رغم عدد المسلمين الكبير بفرنسا لكنها ليست آيلة للسّقوط بأيدي الإسلامويّين الجدد بقيادة أردوغان

وهنا لا مجال للسّذاجة في هذه المناقشة. لقد أخبر آية الله الخمينيّ الكثير من الغربيّين بينما كان في منفاه الفرنسيّ أنّه لا يرغب في تطبيق حكم إسلاميّ في إيران. وفي غضون عام من عودته إلى إيران في شباط (فبراير) 1979، صارت البلاد جمهوريّة إسلاميّة. من الوارد أن يكون لدى مروان محمّد، وغيره، حلم فرنسا المسلمة. ولا أعرف ما إذا كان هذا هو الحال ولا يعرف كيبيل أيضاً - بالرّغم من أنّ لديه شكوكه. بالتّأكيد، يذكّرني الكثير في التّطبيق الفرنسيّ العقائديّ للّائكيّة بالتّدابير اليائسة للجمهوريّة العلمانيّة في تركيا قبل أن يطغى عليها في النّهاية الإسلامويّون الجدد بقيادة رجب طيب أردوغان. ولكن فرنسا، بالرّغم من عدد سكانها من المسلمين الكبير والسّريع النّمو -والّذي يصل إلى حوالي 8.4 مليون نسمة، أو ما يعادل ثُمن مجموع السّكان- ليست على وشك السّقوط في أيدي الإسلامويّين الجدد. وبغض النّظر عن الهدف النّهائيّ لنشطاء مثل محمّد، فإنّ دخولهم في التّيار السّياسيّ ودفاعهم الماهر عن حقوق متزايدة يبشّر بالخير فيما يتعلّق بتحقيق هدف دمج المسلمين في المؤسّسات الأوروبيّة.

أخبر الخمينيّ الغربيّين وهو بمنفاه الفرنسيّ أنّه لا يرغب بتطبيق حكم إسلاميّ في إيران!

زيادة أعداد المسلمين

لقد تقدّم الرّئيس إيمانويل ماكرون بمبادرات وديّة لمسلمي فرنسا، وخلال حملته في العام الماضي، أقرّ بأنّ هناك جرائم مروّعة ارتكبها الفرنسيّون في الجزائر. وفي 1 تشرين الثّاني (نوفمبر) بدأ سريان مفعول قانون مكافحة الإرهاب الّذي نقل بعض أكثر الأحكام القمعيّة في حالة الطّوارئ الفرنسيّة -التي انتهت في اليوم نفسه- إلى القانون العادي. وبناء على ذلك، سيستمرّ السّماح للقادة الشُرطيّين بتقييد حركة المشتبهين بالإرهاب وإغلاق أماكن العبادة دون أمر من المحكمة، حتّى وإن كان تفتيش منازل النّاس، وهي سمة مثيرة للجدل خاصّة بحالة الطّوارئ، ممكن الآن فقط بإذن من القاضي. أن يكون المرء مسلماً يعني أن يكون موضع اشتباه، وأن يتمّ التّقليل من شأنه، وتجمع عنه معلومات، وما هو أسوأ من ذلك. وكما هو الحال في بريطانيا، فإنّ ضرورة الحفاظ على سلامة النّاس على المدى القصير تُثبت صعوبة التّوفيق بينها وبين بناء مجتمع متناغم.

نادراً ما يُفسِح الخطاب الغربيّ المجال لما يقوم به الإسلام من أفعال جيّدة كاستقرار المجتمعات وتقديم العون للملايين

أصبحت أوروبا أكثر معاداة للمسلمين؛ لأنّها أصبحت أكثر إسلاميّة. وبالرّغم من صعوبة العثور على العديد من الصّلات الثّقافيّة بين الباكستانيّين في برادفورد، والجزائريّين في مرسيليا، والأتراك في برلين، إلّا أنّ الإسلام لا يزال هو المحدّد الرئيس لهويّة ملايين البشر. ويشير هذا الوضع إلى أنّ بريطانيا متعددة الثّقافات وفرنسا الّلائكيّة حتّى الآن، مع الإقرار بجميع الاختلافات بين أنظمة البلدين والتّسامح النّسبيّ البريطانيّ، لم يتمكنا من حلّ مشكلة دمج المسلمين. وما دام هذا هو الحال، وطالما أنّ السكّان المسلمين يستمرّون في الزّيادة بسرعة كبيرة، فإنّ الإسلام سيستمر في التّسبّب في مخاوف بين أعداد كبيرة من الأوروبيّين. وقد أوضح هؤلاء مشاعرهم من خلال دعم المرشّحين المناهضين للهجرة في انتخابات تلو أخرى في جميع أنحاء القارّة، وهو الأمر الّذي حفّه جزئيّاً قرار أنجيلا ميركل غير الحكيم في عام 2015 بقبول أكثر من مليون لاجئ إلى ألمانيا.

اقرأ أيضاً: إخوان بريطانيا: إمبراطورية الظل
إنّ سبب الذعر هو ارتفاع الأعداد، والمخاوف من الإرهاب تزيده حدّة. يمكن للحكومات أن تعمل على تهدئة كلّ من هذه الأشياء، وهي تعمل على ذلك فعلاً. لكن عليها أيضاً أن تعترف بالإسلام على حقيقته: ديانة أوروبيّة. فنادراً ما يُفسِح الخطاب الغربيّ السّائد المجال لما يقوم به الإسلام من أفعال جيّدة؛ كاستقرار المجتمعات وتقليل الجريمة والانحراف وتقديم العون للملايين. وعلى غرار الحركات المسيحيّة الّتي امتنعت عن المشروبات الكحوليّة في القرن التّاسع عشر، يحمي الإسلام من الفوضى الكحوليّة الّتي تعيشها العديد من المدن في ليالي الجمعة والسّبت؛ وإنك تحتاج فقط لزيارة غرفة الطوارئ في مستشفى حضري في بريطانيا "البيضاء" لرؤية الخراب النّاجم عن ذلك. هناك العديد من العوامل الّتي تقف وراء أزمة المسلمين في أوروبا، ولكن ربّما يكون الأمر الأكثر جوهريّة هو أنّ الإسلام لم يمثل أبداً جزءاً من أي اعتبار عام للقيم في مجتمع حديث ناجح. فموقعه على هامش المجتمع، ويجري الحديث عنه عوضاً عن التّعاطي معه.

كريستوفر دو بيليغ، النيويورك ريفيو أوف بوكس / المصدر: 

The New Europeans

 

هوامش:

______________

1- ودعماً لهذه الأطروحة، يستشهد كيبيل بخطبة مؤثّرة متاحة على الإنترنت لمحاربٍ محنّك، سوريّ المولد، في الجهاد الأفغانيّ يحمل اسم "أبو مصعب السّوريّ"، حيث تتنبّأ دعوته من أجل مقاومة إسلاميّة عالميّة (2005) بحرب أهليّة في أوروبا من شأنها أن تخلق الظّروف الّلازمة لانتصار الخلافة العالميّة.

2- انظر/ي مقالتي بعد ذلك الهجوم:

“Britain: When Vengeance Spreads,” NYR Daily, June 24, 20

3- على سبيل المثال، يتمتّع عمدة لندن، صادق خان، بشعبيّة كبيرة بين سكان لندن من ذوي التّفكير الّليبراليّ من كافّة الخلفيّات، في حين لا يُخفي حقيقة أنّ إيمانه مهمّ بالنّسبة إليه.

4- بالرّغم من أنّ المسلمين أصبحوا اليوم أكثر تمثيلاً في الحياة العامّة الفرنسيّة أكثر من أي وقت مضى، وقد دخل ما يقدّر بخمسة عشر منهم الجمعية الوطنيّة في انتخابات عام 2017، فإنّه، في بعض الكوميونات ذات الأغلبيّة المسلمة حول باريس، ما يزال يتكوّن لدى المرء انطباع بأنّه في مستعمرة فرنسيّة. فداخل وخارج الإدارات الإقليميّة يخطو رجال ونساء "من سلالة فرنسيّة"، كما تقول العبارة الزّراعيّة إلى حدّ ما، لديهم رواتب، ويرتدون البِدَل، وكلّهم ثقة في الحصول على معاش لائق. إنّهم مدراء لسكانٍ بنيّي البشرة كما كان أسلافهم في وهران أو الرباط.

5- انظر/ي:

Olivier Roy, Jihad and Death: The Global Appeal of Islamic State, translated by Cynthia Schoch (Hurst, 2017)

اقرأ المزيد...

الوسوم: