الحركات الجهادية في شرق أفريقيا.. شريعة مقديشيو الدمويّة

5097
عدد القراءات

2017-11-06

عندما جمعت الأم الصومالية أولادها السبعة، وحثّت خُطاها الواهنة باتجاه الجارة إثيوبيا هرباً من جحيم الحرب العبثية وبحثاً عن الطعام، لم تتخيل قط أنها ستنجو بنفسها وبهم بعد أن أنهكهم المرض، لكن لم يكن بمقدورها أن تراهم وهم يموتون أمام عينيها الواهنتين، فقررت المغامرة؛ وما أن وضعت خطوتها الأولى في معسكر اللاجئين المكتظ حتى جثت على ركبتيها وبكت بكاءً مُراً.

لم يكن كل ذلك ليحدث لعبلة شيخ أدن (51 عاماً)، التي كانت تروي قصتها لـ"حفريات"، من ذاكرة تعود للعام 2011، لولا المجاعة التي اجتاحت الصومال بسبب الحرب العبثية بين الحركات المسلحة المتصارعة في هذا البلد حول السلطة، قُتل زوجها على يد المليشيات القبلية المُتأسلمة ضمن مئات آخرين في العام 2009، ولبثت عامين كاملين تكافح من أجل إبقاء أبنائها الأيتام على قيد الحياة، إلا أن بربرية وهمجية ما تسمى بحركة "الشباب المجاهدين" سرّعت من استدعاء مجاعة القرن؛ حيث ضربت نحو 4 ملايين نسمة من سكان الصومال البالغ تعدادهم حينها 12 مليوناً، فقررت عبلة الهروب من أجل أبنائها.
الآن، تتوزع الأسرة ما بين مقديشو وأوروبا والخليج والسودان، لم يمت منهم أحد، ولم تمت الذكريات المؤلمة أيضاً.
بذور التطرف في الصومال
يقول الخبير الاستراتيجي الصومالي والجنرال المتقاعد علي طاهر فارح لـ"حفريات": "أعلنت حركة "الشباب المجاهدين" عن نفسها رسميّاً في العام 2004، كذراعٍ للقاعدة في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، وظل نشاطها محدوداً في ظل وجود تنظيم المحاكم الإسلامية الأكثر اعتدالاً بقيادة شيخ شريف شيخ أحمد، كما لم يكن لها قائد أو زعيم معروف إلى أن جاء العام 2007 فاختارت الشيخ مختار روبو المعروف بأبو منصور زعيماً لها.

 أعلنت حركة الشباب المجاهدين عن نفسها رسميّاً في العام 2004، كذراعٍ للقاعدة في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا

يضيف فارح: "يُعتبر أبو منصور، الذي درس القرآن الكريم والعلوم الدينية في الصومال وانتقل بداية التسعينيات إلى العاصمة السودانية الخرطوم لدراسة الشريعة الإسلامية في جامعة أفريقيا العالمية، أحد أبرز مؤسسي الحركة، وأول زعيم لها، لما يتوفر عليه من خبرات قتالية اكتسبها خلال التحاقه بالقاعدة في أفغانستان منتصف التسعينيات قبل أن يعود إلى بلاده في العام 2000 ليعمل نائباً لرئيس تنظيم اتحاد المحاكم الإسلامية المتشدد، ثم يتمرد عليه باعتباره أصبح متهاوناً مع "الصليبيين" الأمريكيين ووكلائهم في المنطقة (أثيوبيا وكينيا)". وكشف فارح أن مختار روبو كان اُستُضيفَ في العام 2009 في برنامج "لقاء اليوم" على قناة الجزيرة القطرية في محاولة لـ"غسل" ماضية الأثيم، وتقديمه كرئيس مُحتمل للصومال –بحسب تعبيره– واستطرد: "لكن كل ذلك ذهب أدراج الريح حين رصدت الخارجية الأميركية جائزة قدرها 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.
في ظل المحاكم الإسلامية
يقول فارح: في العام 2005 تم الإعلان رسمياً عن المجلس الأعلى لاتحاد المحاكم الإسلامية بمقديشو التي كانت قائمة كمجالس قضائية شرعيِّة قبل ذلك بسنوات، وانتُخِب الزعيم الشاب الشيخ شريف شيخ أحمد رئيساً له، واستطاعت قوات المحاكم دحر زعماء الحرب وطردهم من مقديشو في العام ذاته، ثم ما لبثت أن دانت لها جل الأراضي الصومالية وحظيت بقبول شعبي نسبي بحكم أنها وفرت الأمن للمواطنين الذين لم يذوقوا طعم الاستقرار والأمان منذ كانون الثاني (يناير) 1991، حين انحدر الصومال إلى مستنقع من الفوضى الضاربة عقب إطاحة نظام الرئيس محمد سياد بري في ثورة شعبية، وسيطرة أمراء الحرب على البلاد وتحويلها إلى إقطاعيات اقتسموها فيما بينهم، ومُذ ذاك لم يعُد الصومال دولة، إلى أن استبشر الناس خيراً بتأسيس أول محكمة شرعية على أسس عشائرية في القسم الشمالي من العاصمة مقديشو في العام 1994 برئاسة الشيخ علي محمود طيري الذي جند شباباً من قبيلته لتطبيق شرع الله على كل من يسعى في الأرض فساداً على حد تعبيره حينها، الأمر الذي مكّنه من استقطاب الكثير من المُحبطين جراء ما آلت إليه الأمور تحت هيمنة أمراء الحرب من جنرالات جيش سياد بري المدحور.

 يُعتبر مختار روبو الذي انتقل بداية التسعينيات إلى الخرطوم لدراسة الشريعة الإسلامية في جامعة أفريقيا العالمية أول زعيم لحركة الشباب المجاهدين

ويواصل فارح حديثه لـ"حفريات" مُفصّلاً: استطاعت محكمة علي محمود طيري بسط نفوذها على أجزاء واسعة من شمال العاصمة مُستعينة بالميليشيات القبليِّة التي كونتها، وأصدرت المحكمة بالفعل أحكاماً مختلفة على مدى نحو 3 سنوات متتالية على عدد كبير من السكان المتهمين، ونفذت في حقهم ما اعتبرته حدوداً شرعية مثل الرجم، وقطع اليد والصلب والقصاص. إلاّ أن زعيم الحرب القوي آنذاك علي مهدي محمد، وبدعم الحكومة الإثيوبية، تمكن، وفق فارح، من هزيمة المحكمة والقضاء عليها وتفكيك أجهزتها القضائية والتنفيذية (الميليشيات). لكن ما لبثت أن عادت المحاكم إلى الواجهة أوائل العام 1997 أقوى مما كانت عليه سابقتها نتيجة لحساسية الصوماليين التاريخية تجاه أثيوبيا التي يعتبرونها دولة محتلة لجزء عزيز من بلادهم (إقليم أوغادين). وفي بداية العام 2001 قويت شوكتها خاصة في مقديشو، ونجحت في السيطرة على معظم أرجاء العاصمة، لكن هذا لم يدم طويلاً؛ إذ دبت الخلافات القبلية بين مكوناتها، ما ساعد في بروز ما يُسمى بحركة الشباب المُجاهدين الأكثر تطرفاً.
 

من التسامح إلى العنف
من جهته كشف الباحث الصومالي المتخصص في الجماعات الإسلامية أحمد دُعاله لـ"حفريات" أنّ حركة "الشباب المجاهدين" تأسست فعلياً في العام 2004، وأعلنت بوضوح ارتباطها بتنظيم القاعدة، وسعيها لتطبيق الشريعة الإسلامية ليس في الصومال وحده بل في العالم كله، لكن عملياتها العسكرية ظلت محدودة جداً، وكذلك مؤيدوها، إلى أن تدخلت القوات الأثيوبية في العام 2006 لدعم الحكومة الانتقالية الموالية لها برئاسة عبدالله يوسف، وبسطت سيطرتها على مدينة "بيداوا" المقر المؤقت للحكومة حينها، كما احتلت أجزاء واسعة من الصومال فوجدت حركة الشباب رواجاً باعتبارها المُخلص الوحيد للشعب الصومالي من الاحتلال الأثيوبي بعد انقسام المحاكم الإسلامية إلى جناحين؛ أحدهما برئاسة شيخ شريف، والآخر الأكثر راديكالية تزعمه الأصولي المتشدد الشيخ حسن طاهر أويس المدعوم من أرتيريا وقتها.

 استضافت قناة الجزيرة مختار روبو في العام 2009 في برنامج "لقاء اليوم" في محاولة لـ"غسل" ماضية الأثيم، وتقديمه كرئيس مُحتمل للصومال

وأشار "دُعاله" إلى أن الصوماليين مسلمون منذ أكثر من ألف عام، وجلهم يتبعون المذهب الشافعي والطرق الصوفية، لكن بلدهم لم يشهد إسلاماً متزمتاً إلا بعيد سقوط نظام سياد بري وظهور الجماعات السلفية والجهادية الراديكالية التي خرجت معظمها من عباءة جماعة الإخوان المسلمين ممثلة في جماعتي: الشباب الإسلامي، وأهل الإسلام والمعرفة الشهيرة بالأهلي، اللتين تأسستا في العام 1969، لكنهما لم تدوما طويلاً حيث رفضهما المجتمع وتحولا إلى العمل السري إبان الحكم الاشتراكي في عهد بري.
يواصل "دعاله" حديثه لـ"حفريات" قائلاً: ظل الإسلام في الصومال متسامحاً حتى بروز الحركات الجهادية الأفغانية والعربية في تسعينيات القرن الماضي، وكان حينها الصومال بلداً مفككاً وغارقاً في الفوضى، فاعتنق بعض الشباب الصوماليين تلك الأفكار الغريبة وروجوا لها من خلال تنظيماتهم الخاصة، ابتداءً من حركة اتحاد المحاكم الإسلامية، والإخوان المسلمين، وإلى يمينهم حركة الشباب المُجاهدين التي انقسمت على نفسها في العام 2010، ثم انشطرت مُجدداً عقب اغتيال زعيمها الشيخ محمود غودني المعروف باسم الشيخ مختار عبد الرحمن أبو الزبير مطلع أيلول (سبتمبر) 2014 بغارة أمريكية على مقر قيادة الحركة، الذي كان سمى قبيل اغتياله بأيام الشيخ علي طيري نائباً له على حساب الرجل الثاني والأقوى في الحركة مختار روبو الذي اكتسبت الحركة عبره عدداً كبيراً من الأتباع، فقويت شوكتها وتوسع نشاطها، وازدادت رقعة سيطرتها، ووصل نشاطها إلى الكثير من دول شرق أفريقيا خاصة كينيا، لكن الحركة ترتبط أيضاً بحركات مماثلة في تنزانيا وجزر القمر ويوغندا وقوات التحالف الديمقراطية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
 

الجهاد الدموي
بطبيعة الحال، وعلى الصعيد الميداني، يشير "دعاله" إلى أن حركة الشباب المجاهدين حققت انتصارات مهمة، حيث بسطت سيطرتها على جنوب ووسط الصومال، وسيطرت على ثلثي العاصمة مقديشو من 2009 وحتى أواخر العام 2011. واستطاعت خلال 5 سنوات من 2006 - 2011 السيطرة على أكثر من 20% من وسط وجنوب الصومال.
نفذت حركة الشباب المجاهدين الصومالية، وإلى وقت قريب، الكثير من الأعمال الإرهابية في الصومال وكينيا ويوغندا، حيث أعلنت في العام 2010 مسؤوليتها عن الهجوم المزدوج الذي هز العاصمة الأوغندية، كمبالا، وأدى إلى مقتل 70 شخصاً كانوا يتابعون المباراة النهائية من كأس العالم، معتبرة أن العملية رد على الدور العسكري الأوغندي ضمن القوات الأفريقية لحفظ السلام في الصومال، كما تبنّت في العام 2013 الهجوم على مركز تجاري في نيروبي، والذي أوقع نحو 25 قتيلاً، وفي العام 2015 شنت الحركة هجوماً مسلحاً على جامعة غاريسا الكينية بعد أن حاصرتها 12 ساعة متواصلة فأوقعت 147 قتيلاً فيما فقدت 4 من عناصرها.

 خرجت معظم الحركات السلفية والجهادية الراديكالية الصومالية من عباءة الإخوان المسلمين ممثلة في جماعتي الشباب الإسلامي وأهل الإسلام

وفي السياق يرى مراقبون أنّ أحد أسباب اضمحلال وضمور هذه الحركة تشددها الذي بطبيعة الحال أدى إلى خسارتها للتأييد الشعبي والقبلي الذي حظيت به أثناء قتالها القوات الإثيوبية، وما لبثت الأحوال أن تغيرت في أواخر 2011؛ حينما تمكنت قوات الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام من إخراج الحركة من العاصمة مقديشو ومناطق أخرى مهمة أبرزها ميناء كيسمايو، وكانت هذه بداية النهاية للحركة، خاصة في ظل التطورات الإيجابية في الصومال والمؤشرات الراهنة التي تدعو للتفاؤل باستقرار الأوضاع.
تراجع نفوذ الإرهاب
ورغم تلك التطورات الإيجابية في الصومال، إلا أن ذلك لا ينفي إمكانية حدوث اضطرابات بين الفينة والأخرى، فقد نفذت الحركة بالفعل تفجيراً إرهابياً كبيراً في 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 استهدف منطقة تجارية وسط العاصمة مقديشو قتل على إثره 358 شخصاً وجرح 228 آخرون بحسب الحكومة الصومالية.

بداية نهاية حركة الشباب المجاهدين كانت في أواخر 2011 عندما تمكنت قوات الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام من إخراجها من مقديشو ومناطق أخرى مهمة

لكن ذلك لا ينفي تقهقهر وانحسار النشاطات الإرهابية لحركة الشباب المجاهدين ونظيراتها الأخريات في الصومال وشرق أفريقيا، وربما هذا ما جعل "دُعاله" يصف التفجيرات الأخيرة بـ"فرفرة المذبوح" حسب تعبيره، مضيفاً: "لا شك لدي أن الحركة الجهادية في شرق أفريقيا طارئة، وأنها إلى زوال وشيك، خاصة بعد تراجع ملهميها الكبار (القاعدة وداعش) وهزيمتهم في سورية والعراق وتقهقرهم في باكستان وأفغانستان، وتراجع دور الإخوان المسلمين في مصر والسودان وغيرها من الدول، وشدد دُعاله أن الأيديولوجيا الجهادية لا مكان لها شرق أفريقيا أمام معايير التسامح والتعاون بين الأديان في المنطقة، وأن بروز ورواج تلك الحركات الإسلاموية العنيفة كان نتاجاً لعوامل خارجية وداخلية انتهت الآن وقضى عليها تماماً.

* صحافي سوداني متخصص في شؤون القرن الأفريقي

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: