كرة القدم في قبضة الإخوان: هل تحوّلت الرياضة في تونس إلى أداة نفوذ سياسي؟

كرة القدم في قبضة الإخوان: هل تحوّلت الرياضة في تونس إلى أداة نفوذ سياسي؟

كرة القدم في قبضة الإخوان: هل تحوّلت الرياضة في تونس إلى أداة نفوذ سياسي؟


25/06/2025

في تونس، لم تعد كرة القدم مجرّد رياضة جماهيرية، بل تحوّلت إلى فضاء صاخب تتقاطع فيه المصالح السياسية والحسابات الأيديولوجية. فمنذ عقد على الأقل، بدأت بعض الأطراف، وعلى رأسها جماعة الإخوان، تتعامل مع هذا القطاع ليس كأداة ترفيه أو تنشئة، بل كوسيلة تأثير واختراق اجتماعي. وقد وفّرت البيئة الرياضية الهشّة مناخًا مثاليًا لهذه الأطماع.

وقد وجدت الجماعة في البنية الفوضوية للرياضة التونسية، خصوصًا ما بعد الثورة، تربة خصبة للتمكين. من الجمعيات المحلية في الأحياء، إلى المكاتب الجامعية، مرورًا بمراكز القرار في الجامعات الرياضية، حيث سعت شبكات محسوبة على الإسلام السياسي إلى السيطرة الناعمة على هذه الفضاءات. وكان الهدف واضحًا: تعبئة الشارع، وإعادة إنتاج الخطاب الإخواني بواجهات غير دينية.

هذا التموقع لم يكن فقط عشوائيًا أو ظرفيًا، بل كان جزءًا من استراتيجية مدروسة لاستخدام كرة القدم كأداة للشرعية الرمزية والضغط الشعبي. وقد تزامن ذلك مع صعود شخصيات ذات ميول تنظيمية أو علاقات مباشرة بالجماعة إلى مراكز صنع القرار الرياضي، ما عزّز حضور الإسلام السياسي في الملاعب، وفي دهاليز الجامعات، بل حتى في كواليس النقل التلفزي والبرامج الرياضية.

اختراق الجمعيات الرياضية كمدخل للتمكين

منذ السنوات الأولى التي تلت ثورة 2011، تحوّلت الجمعيات الرياضية المحلية في الأحياء والجهات الداخلية إلى نقطة ارتكاز في إستراتيجية التمكين التي انتهجها الإسلاميون في تونس. وبفضل ضعف الرقابة وغياب الهيكلة الصارمة، تمكّنت كوادر شبابية محسوبة على حركة النهضة أو مقربة منها من التسلل إلى لجان التسيير المحلي، مستفيدة من صورة نظيفة ووعود دعم شبابي وتنموي.

تحوّلت الجمعيات الرياضية المحلية في الأحياء والجهات الداخلية إلى نقطة ارتكاز في إستراتيجية التمكين التي انتهجها الإسلاميون في تونس

وأُنشئت جمعيات رياضية ظاهرها التنشيط الرياضي، لكن باطنها لعب أدوارًا مزدوجة بين التثقيف التعبوي والعمل الجمعياتي المشبوه. في بعض الحالات، تحوّلت هذه الجمعيات إلى غطاء لعقد لقاءات حزبية، وتوزيع مساعدات ذات طابع دعائي، حتى بات الانخراط في بعضها مشروطًا بالولاء الأيديولوجي، أو بقبول الهيمنة التنظيمية المفروضة من "الإخوة".

وقد ساعد غياب استراتيجية وطنية واضحة لتأطير الجمعيات الرياضية، إلى جانب تواطؤ بعض المجالس البلدية التي كانت تحت سيطرة النهضة، على تغذية هذه الشبكة. فأصبحت هذه الكيانات واجهات لنشاط سياسي مقنّع، تمارس التأثير على الناشئة، وتعيد إنتاج الخطاب الإخواني في الملاعب والتمارين والمناسبات الرياضية، بشكل لا يخلو من التوجيه والاصطفاف الحزبي.

الأندية الكبرى رهينة الولاءات السياسية

رغم أن الأندية الكبرى مثل الترجي الرياضي والنجم الساحلي والنادي الإفريقي تُعتبر قلاعًا شعبية لها تاريخها العريق، فإنها لم تكن بمنأى عن محاولات التوظيف السياسي. فقد حرصت بعض الشخصيات المقربة من حركة النهضة على التقرب من مراكز القرار داخل هذه الفرق، إما عبر دعم إداري، أو من خلال الوساطة في نزاعات رياضية، في محاولة لتطويع هذه المؤسسات لصالح نفوذها.

وأثار تواجد شخصيات ذات ميول تنظيمية في مناصب قيادية رياضية جدلاً واسعًا، خاصة مع اتهامات متكررة بقربها من دوائر سياسية ذات خلفية إسلامية. فرغم النفي المتكرر لهذه الصلات، إلا أن عديد الأصوات من داخل الأوساط الرياضية والإعلامية ربطت استمرارية هؤلاء في مناصبهم بعلاقات سياسية مريحة، سمحت لهم بإعادة تشكيل المشهد الرياضي وفق موازين جديدة. من أبرز تلك الأصوات تصريح لاعب سابق في 2021 أكد أن “الجامعة أصبحت أقوى من الدولة”.

أُنشئت جمعيات رياضية ظاهرها التنشيط الرياضي لكن باطنها لعب أدوارًا مزدوجة بين التثقيف التعبوي والعمل الجمعياتي المشبوه

كما كشف تقرير لصحيفة محلية سنة 2020 عن تدخلات حزبية في تركيبة بعض الهيئات المديرة، وخاصة في الفترة التي سبقت الانتخابات التشريعية، حيث سُجّلت زيارات ميدانية لقيادات سياسية إلى مراكز تدريب بعض الأندية، في محاولة لاستثمار الحضور الجماهيري الكثيف دعائيًا. هذا التداخل بين الرياضة والسياسة حوّل الأندية إلى ساحة تنازع حزبي، أضعف استقلاليتها وزاد من هشاشتها المالية والإدارية.

تمويل مشبوه واستغلال الدعم العمومي

ويعد التمويل أحد أهم مفاتيح السيطرة على المنظومة الرياضية، إذ برزت في تونس، خلال السنوات الأخيرة، شبهات كثيرة حول مصادر تمويل الأندية والجمعيات الرياضية، لا سيما فيما يتعلق بالتمويل غير الشفاف أو الذي يأتي من رجال أعمال لهم ارتباطات سياسية. وفقًا لتقارير صادرة عن نقابات رياضية، كثيرًا ما تلجأ بعض الأندية إلى الاستفادة من دعم بلديات تسيطر عليها أحزاب ذات خلفية إسلامية، وهو دعم غالبًا ما يرافقه إملاءات أو توجيهات.

يُذكر أنه في عام 2019، نشر موقع إخباري تحقيقًا كشف فيه عن صفقات تمويل مشبوهة بين بعض رؤساء أندية في المدن الداخلية ورجال أعمال مقربين من دوائر سياسية، حيث يُستخدم المال كأداة ضغط لضمان الولاء في منافسات محلية وإقليمية. كما أشارت بعض البيانات الصادرة عن وزارة الشباب والرياضة إلى وجود "ثغرات" في آليات مراقبة التمويل، مما سهّل استغلال الأموال العمومية في اتجاهات حزبية بدلاً من دعم الرياضة النزيهة.

رغم أن الأندية الكبرى مثل الترجي الرياضي والنجم الساحلي والنادي الإفريقي تُعتبر قلاعًا شعبية لها تاريخها العريق، فإنها لم تكن بمنأى عن محاولات التوظيف السياسي.

ومن جانب آخر، يتكرر ظهور أسماء رجال أعمال معروفين بدعمهم لجماعات إسلامية في قوائم الرعاة أو ممولي بعض الأنشطة الرياضية، مما يثير علامات استفهام حول طبيعة التمويل وأهدافه الحقيقية. وقد صرح رئيس سابق لنادي رياضي تونسي في لقاء خاص: "المال السياسي لا يأتي من فراغ، بل هو استثمار في النفوذ والولاء"، مؤكدًا أن استمرار هذه الممارسات يهدد استقلالية الرياضة التونسية ويحوّلها إلى ملعب للصراعات السياسية.

استقطاب الجماهير والروابط لتحقيق أهداف دعائية

هذا وتُعتبر الجماهير والروابط التشجيعية من أقوى أدوات التأثير في كرة القدم التونسية، وهو ما لم يفوته البعض الذين سعوا إلى توظيفها في خدمة أهداف سياسية، عبر استغلال الشغف الكبير بالرياضة، حيث تم إنشاء شبكات من الروابط المهيكلة التي لم تقتصر على التشجيع فقط، بل أصبحت منابر لنشر الخطاب الأيديولوجي وتحفيز الولاءات الحزبية داخل الملاعب وخارجها.

وفي العديد من المدن، شهدت روابط التشجيع تعاونًا غير معلن مع جهات سياسية، حيث تمّ توجيههم للمشاركة في فعاليات دعم لحملات انتخابية أو تحركات اجتماعية ذات طابع سياسي. وقد وثقت تقارير إعلامية عدة هذا التداخل، مثل تحقيق صحفي في 2022، والذي أشار إلى أن بعض الروابط أصبحت تُدار بطريقة مركزية تخضع لتوجيهات قيادات حزبية تستثمر الحضور الجماهيري لتكريس نفوذها.

كثيرًا ما تم التركيز في هذه البرامج على ربط الرياضة بالقيم الدينية والهوية السياسية مما ساعد في ترسيخ أيديولوجيات معينة لدى جمهور واسع

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية لم تقتصر على التعبئة السياسية المباشرة، بل امتدت أيضًا إلى عمليات التجييش الإعلامي عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تلعب روابط التشجيع دورًا فعالًا في تضخيم الرسائل السياسية وتشكيل الرأي العام الرياضي، ما يخلق بيئة حيوية للنفوذ المتبادل بين الرياضة والسياسة في تونس.

الإعلام الرياضي كأداة ترويج للأجندة الإسلامية

كذلك، لعب الإعلام الرياضي دورًا مركزيًا في تعزيز نفوذ التيارات الإسلامية داخل المشهد الرياضي التونسي. فقد تحولت بعض البرامج الرياضية، خصوصًا على القنوات المحلية، إلى منابر للترويج لأفكار مرتبطة بالجماعات الإسلامية، سواء عبر استضافة محللين ذوي توجهات حزبية أو من خلال تناول القضايا الرياضية بنظرة سياسية. 

ووفق دراسة أجرتها مؤسسة بحثية عام 2021، تم رصد تغيّر واضح في خطابات بعض الإعلاميين الرياضيين الذين تبنوا خطابًا يميل إلى الترويج لخطاب الإسلام السياسي تحت غطاء رياضي.

وزارة الشباب والرياضة التونسية

وكثيرًا ما تم التركيز في هذه البرامج على ربط الرياضة بالقيم الدينية والهوية السياسية، مما ساعد في ترسيخ أيديولوجيات معينة لدى جمهور واسع، خصوصًا من الشباب. وبرزت هذه الاستراتيجية في تغطية الأحداث الرياضية الكبرى، حيث باتت المنصات الإعلامية تُستخدم لنشر رسائل سياسية ضمنية صاغها أصحاب المصالح.

كما استغل بعض المحطات الخاصة دعمًا من جهات مالية ذات توجهات إيديولوجية محددة، مما ساهم في تكريس هذا الخطاب ضمن البرامج الرياضية. وقد أثارت هذه الظاهرة جدلًا واسعًا في الأوساط الرياضية والمجتمع المدني، لما لها من أثر على استقلالية الإعلام الرياضي وتوجهاته الموضوعية.

ردود الفعل الرسمية ومحاولات التفكيك

ومع تنامي ظاهرة توظيف الرياضة كمنصة سياسية، بدأت الجهات الرسمية تتدارك المخاطر التي تهدد استقلالية القطاع الرياضي في تونس، حيث أطلقت وزارة الشباب والرياضة عدة مبادرات لتقوية الحوكمة والشفافية في إدارة الأندية والجمعيات الرياضية، وذلك عبر سنّ قوانين جديدة وتنظيم انتخابات داخل الهيئات الرياضية وفق معايير أكثر صرامة، بهدف الحد من تدخلات القوى السياسية.

على المستوى القضائي، شهدت السنوات الماضية تحركًا بطيئًا في مكافحة ظواهر التمويل المشبوه والضغوط السياسية على المنظومة الرياضية، من خلال فتح تحقيقات في ملفات فساد مالي وإداري مرتبطة ببعض الكيانات الرياضية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا التوجه يحتاج إلى مزيد من الإرادة السياسية والتنفيذ العملي ليتمكن من إحداث تغيير حقيقي في المشهد.

في الوقت ذاته، برز دور المجتمع المدني والإعلام المستقل في فضح محاولات الاستغلال السياسي للرياضة، من خلال حملات توعية وندوات تثقيفية تركز على أهمية استقلالية الرياضة وحياديتها. تبقى التساؤلات قائمة حول مدى قدرة هذه الجهود على إعادة الرياضة التونسية إلى مسارها الطبيعي، بعيدًا عن التجاذبات السياسية التي أثرت سلبًا على مردوديتها وتماسكها الاجتماعي.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية