
لم يعد الصراع الفرنسي مع جماعة الإخوان المسلمين مجرد سجال فكري حول العلمانية أو صدام قيم في الفضاء العام، بل انتقل إلى مرحلة اقتلاع التنظيم عبر سلاح المحاسبة والسيادة المالية.
في هذا السياق، يمثل مؤتمر باريس الدولي المنعقد مؤخرًا، "لا لأموال الإرهاب" (No Money for Terror)، والقرارات السيادية التي صاحبته، لحظة المقصلة المالية التي أطاحت بآخر أحلام "التمكين الهادئ" للتنظيم الدولي في القارة الأوروبية.
المؤتمر وما تبعه من قرارات يمكن وصفه بأنّه تحول إلى ساحة لتصفية الأصول المالية للجماعة؛ إذ قررت الدولة الفرنسية، مدعومة بإجماع أطلسي غير مسبوق، أنّ الأمن القومي يبدأ من تفكيك مصادر التمويل الإخوانية، معتبرة أنّ المال الإيديولوجي هو الخطر الوجودي الأكبر الذي يهدد تماسك الجمهورية.
إعادة تعريف الخطر المالي
قدمت ورقة العمل الفرنسية في المؤتمر قراءة تحليلية جديدة لمفهوم تمويل الإرهاب، إذ تم توسيع المصطلح ليشمل التمويل الهيكلي للانفصالية، ورأت اللجنة العلمية للمؤتمر أنّ استدامة الفكر المتطرف لا تعتمد على شراء السلاح فحسب، بل على تمويل المنظومات الحاضنة: المدارس، والجمعيات، والمراكز البحثية.
ترتب على هذا التحليل قرار استراتيجي بإنشاء المركز الأوروبي لرصد التدفقات الإيديولوجية"، ومقره باريس. هذا المركز كُلف بمراقبة ما يُعرف بالمال الرمادي؛ وهي الأموال التي تدخل في حسابات جمعيات ومنظمات تابعة للإخوان تحت ستار العمل الثقافي أو مكافحة الإسلاموفوبيا.
التحليل العلمي هنا يربط بين اليورو الدعوي وبين التمكين السياسي؛ فالأموال التي تُصرف على صناعة الهوية المنفصلة في الضواحي الفرنسية تُعامل الآن، بموجب قرارات المؤتمر، كتمويل تمهيدي للإرهاب، ممّا يسمح لوحدة "تراكفين (TRACFIN) بتجميد الحسابات بناءً على "المآلات الإيديولوجية" للمال لا على صبغته القانونية الظاهرية.
ويُعتبر التحول الجوهري هنا هو إسقاط الحصانة عن الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية التي كانت تعمل كواجهات غسيل للإيديولوجيا والمال.
بالنسبة إلى الإخوان، يعني هذا القرار حصار التنظيم وتعريته مالياً، حيث وضعت باريس يدها على ما يُعرف بالتمويلات ذات الضجيج المنخفض، وهي مبالغ صغيرة ومجزأة كانت تُجمع عبر تطبيقات رقمية مشفرة وتبرعات الأوفشور لتفادي الرقابة.
إنّ تجفيف الشرايين الذي أقره المؤتمر لا يستهدف فقط التمويل العنيف، بل يستهدف التمويل الهيكلي الذي يبني المؤسسات الموازية، ممّا جعل التنظيم الدولي في حالة شلل مالي غير مسبوقة، عاجزاً عن دفع رواتب كوادره أو تمويل منصاته التحريضية.
سقوط الصندوق الأسود
لسنوات، مثّلت صناديق الوقف في فرنسا، مثل وقف فرنسا، الصندوق الأسود الذي يخبئ فيه الإخوان أصولهم العقارية واستثماراتهم الضخمة بعيداً عن رقابة وزارة الداخلية. لكن، وبالتزامن مع مؤتمر باريس، فعلت السلطات الفرنسية قانون مكافحة الانفصالية، بأقصى درجات الصرامة، ممّا أدى إلى تجميد ومصادرة أصول وقفيّة تُقدّر بعشرات الملايين من اليوروات.
هذا الإجراء يمثل رصاصة الرحمة في قلب استراتيجية التمكين العقاري. الإخوان في فرنسا لم يكونوا مجرد تيار ديني، بل كانوا "كارتل عقاري" يمتلك مساجد ومدارس ومباني تجارية تمنحه استقلالاً عن الدولة. اليوم باتت هذه الأصول عبئاً قانونياً؛ حيث تلاحق الدولة الفرنسية المستفيد الحقيقي خلف هذه الصناديق، كاشفةً عن ارتباطات مالية مشبوهة مع قيادات في إسطنبول ولندن. إنّ سقوط "حصن الوقف" يعني ببساطة أنّ الجماعة فقدت أرض المعركة في فرنسا.
ثانوية ابن رشد حصان طروادة الإخواني
يمثل الإغلاق النهائي وقطع التمويل عن مؤسسات تعليمية كبرى، وعلى رأسها ثانوية ابن رشد في ليل، الانتصار الأهم للمقاربة الفرنسية الجديدة. لقد ركز مؤتمر باريس على أنّ التعليم الموازي هو المشتل الحقيقي للتطرف، وأنّ الأموال التي كانت تُضخ في هذه المدارس هي استثمار في الفوضى المستقبلية.
بالنسبة إلى الإخوان، كان التعليم هو الرهان الأخير لصناعة جيل منفصل عن الهوية الفرنسية. إلغاء عقد التمويل الحكومي وملاحقة التبرعات الخارجية لهذه المدارس، هو في جوهره إعدام تربوي للمشروع الإخواني. لقد أدركت باريس أنّ التميز الأكاديمي الذي كانت تدعيه هذه المدارس لم يكن سوى قشرة خارجية لإخفاء مناهج تروج للانعزالية والارتباط بأجندات التنظيم الدولي، ممّا جعل من قرار إغلاقها عملاً سيادياً لحماية عقول الأجيال القادمة من الاختطاف الإيديولوجي.
التنسيق مع واشنطن
لا يمكن قراءة قوة مؤتمر باريس بمعزل عن الاستراتيجية الوطنية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026. ثمة تناغم بين باريس وواشنطن هذا العام؛ حيث تم توحيد قوائم الملاحقة المالية والسياسية. هذا التنسيق يعني أنّ الإخوان المسلمين باتوا يواجهون كماشة دولية؛ فالمال الذي يهرب من رقابة باريس يُصادر في نيويورك، والقيادي الذي يُطرد من فرنسا يُحظر دخوله إلى الولايات المتحدة.
هذا الكمين الأطلسي أسقط آخر أوراق التقية السياسية. الصحافة الغربية والتقارير الأمنية الصادرة بالتزامن مع المؤتمر باتت تتحدث لغة واحدة: الإخوان هم الرحم الذي ولدت منه داعش والقاعدة. هذا التوصيف القانوني والأمني المشترك هو الذي مكّن باريس من تشديد الخناق المالي، محولةً الجماعة من فصيل سياسي مثير للجدل إلى منظمة إرهابية واقعياً، وإن لم يصدر التصنيف الورقي الشامل بعد، فالممارسة الميدانية في 2026 هي ممارسة استئصال إرهاب.
تداعيات مؤتمر باريس والرقابة المالية الصارمة لم تتوقف عند جدران التنظيم الخارجية، بل فجرت صراعات عنيفة في داخله. وتشير التقارير الاستقصائية إلى وقوع حرب اتهامات بين جبهتي لندن وإسطنبول حول تبديد الأموال في فرنسا. ومع تجميد الأصول الفرنسية بدأت القواعد الإخوانية في الضواحي تشعر باليتم المالي والقيادي.
إنّ فشل نموذج التمكين في فرنسا أدى إلى انشقاقات واسعة؛ حيث تحاول الكوادر المحلية التنصل من صلتها بالتنظيم الدولي لتجنب الملاحقة القضائية. هذا التفتت هو النتيجة الأهم لمؤتمر باريس؛ فالدولة لم تحطم التنظيم فقط، بل حطمت الثقة بين أعضائه، محولةً الإخوة إلى خصوم يتنازعون على ما تبقى من فتات مالي في حسابات بنكية مجمدة.
يمثل مؤتمر باريس 2026 والقرارات الفرنسية التي استهدفت الجماعة نقطة تحول كبرى أنهت مرحلة الاستفادة من الثغرات القانونية في الدول الغربية. وقد عكست هذه التطورات تمسك الدولة الفرنسية بمبدأ السيادة الوطنية في مواجهة التنظيمات العابرة للحدود.
وبالنسبة إلى الجماعة، تعني هذه الإجراءات تضييق هامش الحركة داخل فرنسا، مع تشديد الرقابة القانونية والإدارية على أنشطتها ومؤسساتها، وإغلاق عدد من المسارات التي كانت تتيح لها العمل والمناورة.
ووفق هذا الطرح فإنّ عام 2026 قد يشكّل محطة مفصلية في التعامل الأوروبي مع الجماعة، بقيادة فرنسا وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، من خلال تبنّي سياسات أكثر صرامة تجاه شبكاتها وأنشطتها. ووفق هذا التصور أكدت هذه المرحلة أولوية سيادة الدولة الوطنية ورفض أيّ ولاءات تنظيمية عابرة للحدود تتعارض مع القوانين والمؤسسات الوطنية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/untitled-design-%288%29-xvB2M1.png.webp?itok=NCHUSu9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_6_3_1.jpg.webp?itok=Kw4Dd8xA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B17_0.jpg.webp?itok=_NEWjZUr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_3_3.jpg.webp?itok=ljJYbzw3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/690a210f4236040ae8401d45.jpg.webp?itok=Qi1vrHID)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_3.jpg.webp?itok=0NUf2iL8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_6_1_0.jpg.webp?itok=oi7U3SQ_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_16_2_1_0_1.jpg.webp?itok=EiOFbuah)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%AF%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=_4ox33H-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)