بعد 13 عاماً من السقوط... كيف نقرأ مستقبل جماعة الإخوان المسلمين؟

بعد 13 عاماً من السقوط... كيف نقرأ مستقبل جماعة الإخوان المسلمين؟

بعد 13 عاماً من السقوط... كيف نقرأ مستقبل جماعة الإخوان المسلمين؟


07/07/2026

لم يكن الثالث من تموز/ يوليو 2013 حدثاً سياسياً عابراً، أو فصلاً من فصول الصراع على السلطة في مصر، بل كان زلزالاً بنيوياً ضرب الأسس المعرفية والتنظيمية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها عام1928 . لقد مثل ذلك التاريخ نهاية سريعة وصادمة لمرحلة "التمكين" التي اعتقدت الجماعة أنّها تتويج لعقود من الصبر والعمل السري. 

ومع مرور ثلاثة عشر عاماً على هذا السقوط المدوي، يبدو أنّ الجماعة لم تواجه فقط خسارة السلطة السياسية، بل دخلت في طور من التيه الوجودي الذي يمس جوهر فكرتها وبنيتها التنظيمية وعلاقتها بالمجتمعات التي نبتت فيها.

إنّ قراءة مستقبل جماعة الإخوان اليوم، بعد أكثر من عقد من الزمان في الشتات والسجون والمنافي، تتطلب تجاوز التحليلات الآنية والسطحية، والذهاب عميقاً في تفكيك البنى التنظيمية، والتحولات الجيوسياسية، والأزمات الإيديولوجية الكبرى التي تعصف بالجماعة. 

التصدع الهيكلي وغياب المركزية التنظيمية

لطالما تفاخرت أدبيات الإخوان المسلمين بصلابة تنظيمها الحديدي وقدرته على البقاء والتماسك بفضل مبدأ "السمع والطاعة" والتراتبية الهرمية الصارمة. غير أنّ الصدمة التي تلقتها الجماعة بعد عام 2013  متمثلة في غياب قيادات الصف الأول بالاعتقال أو الوفاة، أحدثت فراغاً قيادياً لم تنجح الأجيال التالية في ملئه، ممّا أدى إلى تفتت الهيكل التنظيمي وتحوله إلى شظايا متنافسة.

تجلت هذه الأزمة الهيكلية في الصراع المحتدم على الشرعية والتمثيل المالي والإداري بين مراكز القوى في الخارج، وتحديداً بين جبهتي لندن وإسطنبول.   وهذا الانقسام لم يكن مجرد اختلاف عابر في الرؤى السياسية، بل عكس أزمة شرعية عميقة وصراعاً مريراً على النفوذ والتمويل وإرث التنظيم الدولي، فالقيادة لم تعد مركزية، بل تشتتت بين ولاءات جغرافية ومصالح شخصية، ممّا أفقد الجماعة القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة وجعلها عاجزة عن ضبط قواعدها، لا سيّما القواعد الشبابية التي باتت تعيش حالة من الاغتراب الفكري والتنظيمي بعدما عاينت عجز القيادات التقليدية وتكلس أساليبها الإدارية.

علاوة على ذلك، أدى هذا التشظي الرأسي والأفقي إلى انهيار" التنظيم الدولي"  الذي كان يمثل في المخيال الجماعي للإخوان شبكة أخطبوطية قادرة على تحريك السياسة الدولية.  اليوم، يتبدى هذا التنظيم ككيان رمزي مفكك، تفتقر مكاتبه الفرعية في العواصم الغربية والآسيوية إلى التنسيق الفعال، وتغلب عليه النزعات المحلية والبراغماتية للبقاء الفردي على حساب المشروع الشامل للجامعة الإسلامية.

التحولات الجيوسياسة وضيق الفضاءات الجغرافية

تاريخياً، كانت جماعة الإخوان المسلمين تجيد المناورة بين الفجوات السياسية وتستغل صراعات المحاور الإقليمية لإيجاد ملاذات آمنة تتيح لها إعادة بناء نفسها. لكنّ البيئة الإقليمية والدولية الحالية فرضت شروطاً صارمة وغير مسبوقة ضيقت الخناق على تحركات الجماعة وجعلت من جغرافية المنافي عبئاً ثقيلاً عليها.

في السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تحولات دراماتيكية تمثلت في اتجاه القوى الإقليمية الكبرى نحو تصفير المشاكل وإعادة صياغة تحالفاتها على أسس اقتصادية وتنموية بحتة. وهذا التحول دفع العواصم التي كانت تمثل عمقاً استراتيجياً وملاذاً إعلامياً وسياسياً للإخوان، مثل أنقرة، إلى مراجعة حساباتها وتبنّي سياسة تقارب حثيثة مع القاهرة والعواصم الخليجية. ونتيجة لذلك، فرضت قيود مشددة على الأنشطة الإعلامية والسياسية للجماعة، وتلاشت الحماية الدبلوماسية التي كانت تتمتع بها قياداتها، ممّا دفع بالكثيرين منهم إلى البحث عن ملاذات بديلة في دول نائية أو الانكفاء التام عن العمل العام.

على الجانب الغربي، يواجه الإخوان ضغوطاً متصاعدة ناتجة عن تغير النظرة الأوروبية لتيارات الإسلام السياسي. فالدول الأوروبية لم تعد تنظر إلى واجهات الجماعة ومؤسساتها المدنية والخيرية كشريك في دمج الجاليات المسلمة، بل باتت تصنفها كأدوات لإنتاج الانعزالية الثقافية والتطرف الناعم. وهذا التغير في المقاربة الأمنية والثقافية في دول مثل فرنسا والنمسا وبريطانيا أدى إلى تجفيف منابع التمويل، وتشديد الرقابة على الجمعيات والمراكز الإسلامية المرتبطة بالتنظيم، ممّا أفقد الجماعة قدرتها على المناورة وحصر وجودها في نطاق دفاعي ضيق يركز على تفادي الملاحقة القانونية.

أفول سردية "المظلومية" وأزمة الفلسفة التأسيسية

على مدى عقود، كانت "المظلومية" هي الوقود الروحي والدعائي الذي يضمن لجماعة الإخوان المسلمين البقاء والتعاطف الشعبي. فكلما تعرضت الجماعة لضربات أمنية، نجحت في تقديم نفسها كضحية تدافع عن الهوية والدين، ممّا كان يجذب إليها أجيالاً جديدة من المتعاطفين. غير أنّ تجربة الحكم والصدام اللاحق بعد عام 2013 نزعا عن الجماعة هذا الدرع الأخلاقي.

لقد كشفت فترة الحكم القصيرة وفشلها السياسي والاقتصادي، ثم الخطاب التحريضي الذي تلا سقوطها، عن قصور حاد في الرؤية السياسية والاجتماعية للجماعة. فالجماهير التي عانت من الفوضى والاضطراب لم تعد ترى في الجماعة ضحية بريئة، بل طرفاً شريكاً في المسؤولية عن الأزمات التي لحقت بالبلاد. وهذا التحول السلوكي والنفسي لدى المجتمعات العربية أحدث قطيعة حقيقية بين الإخوان وحاضنتهم الشعبية التقليدية، حيث تراجع الإيمان بشعارات مثل "الإسلام هو الحل" التي ثبت عجزها عن صياغة برامج تنموية وخدمية قابلة للتطبيق.

في العمق الفكري، تعيش الجماعة أزمة صمت معرفي تامة؛ إذ عجزت طوال ثلاثة عشر عاماً عن إنتاج أيّ مراجعات فكرية حقيقية تتناول أسباب الفشل الجوهري، أو تعيد النظر في المفاهيم التأسيسية التي وضعها حسن البنا وسيد قطب، مثل   "الحاكمية "و"العزلة الشعورية "و"أستاذية العالم". 

هذا الجمود الإيديولوجي والتشبث بأدبيات القرن الماضي جعل الجماعة غريبة عن تطلعات الأجيال الشابة الحالية، التي تبحث عن إجابات لأسئلة الحداثة، والتنمية، والحريات الفردية، بعيداً عن صراعات الشرعية والهوية التراثية المعقدة.

آفاق المستقبل وسيناريوهات التفكك والذوبان

إنّ قراءة مآلات جماعة الإخوان المسلمين في ضوء المعطيات الراهنة تفتح الباب أمام سيناريوهات تتجاوز ثنائية العودة أو الفناء المطلق، لتتجه نحو مسارات تفكك تدريجي وإعادة تشكل معقدة.

يرجح المسار الأوّل حدوث عملية "ضمور هيكلي طويل الأمد"، حيث تستمر البنية التنظيمية للجماعة في التآكل بفعل الشيخوخة القيادية وغياب الأجيال الوسيطة والفاعلة. في هذا السيناريو، تتحول الجماعة بمرور الوقت إلى ظاهرة سوسيولوجية معزولة أو تيار روحي مشتت يفتقر إلى القيادة والتوجيه، حيث ينصرف الأفراد إلى شؤونهم الخاصة أو ينخرطون في مجتمعاتهم بصفات فردية، ممّا يعني النهاية الفعلية للتنظيم كلاعب سياسي مؤثر في الساحة العربية والدولية.

أمّا المسار الآخر، فيتمثل في" التشرذم والتحول نحو المحلية الضيقة"، حيث تفقد الجماعة صبغتها العالمية وتتحول الفروع المحلية في الأقطار المختلفة إلى كيانات مستقلة تماماً، تعيد صياغة أهدافها بناءً على خصوصية كل دولة وشروط البقاء المتاحة فيها. وهذا السيناريو قد يدفع بعض الفروع إلى الاندماج الكامل في الأنظمة السياسية المحلية كأحزاب تقليدية متخلية عن عباءة" التنظيم الدولي "وأمميته، في حين قد تنزلق فروع أو مجموعات أخرى محبطة نحو راديكالية جديدة وعنيفة تعبيراً عن يأسها من العمل السلمي، وهو ما سيواجه بحسم أمني يقضي على ما تبقى من رمادها.

نهاية حقبة الإسلام الحركي

تظهر قراءة المشهد الراهن، بعد ثلاثة عشر عاماً من السقوط، أنّ جماعة الإخوان المسلمين لم تعد تواجه أزمة سياسية مؤقتة يمكن تجاوزها بالمرونة البراغماتية، بل تواجه أزمة نهاية الصلاحية التاريخية لمشروع الإسلام الحركي في صيغته التقليدية. لقد أثبتت السنوات الطويلة من التيه والتشظي أنّ المشكلة ليست في أدوات الجماعة فحسب، بل في فلسفتها التأسيسية وبنيتها التنظيمية التي صُممت لزمن مضى ولن يعود.

إنّ المستقبل لا يحمل مؤشرات على إمكانية بعث الجماعة من جديد كقوة قادرة على صياغة الأحداث الإقليمية. مع تزايد وعي المجتمعات بضرورة الدولة الوطنية الحديثة وبطلان سرديات الاحتكار الديني للسياسة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية