الإخوان وإيران: ملامح التداخل التنظيمي وأطر التنسيق السياسي

الإخوان وإيران: ملامح التداخل التنظيمي وأطر التنسيق السياسي

الإخوان وإيران: ملامح التداخل التنظيمي وأطر التنسيق السياسي


07/07/2026

اعتمدت جماعة الإخوان على استراتيجية بناء المنظمات المدنية، والاتحادات الطلابية، والجمعيات الإسلامية، في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، بهدف تكوين بيئات اجتماعية وثقافية قادرة على استقطاب الأجيال الجديدة ونشر رؤيتها الفكرية بصورة تدريجية. وفي المقابل طورت الجمهورية الإسلامية نموذجًا مماثلًا يقوم على تدشين مراكز دينية ودعوية وثقافية، ومؤسسات بحثية وإعلامية مرتبطة بالمؤسسة الدينية الإيرانية، لعبت دورًا محوريًا في نشر الخطاب السياسي والثقافي للثورة خارج حدود إيران.

المؤسسات العابرة للحدود وبناء شبكات النفوذ

ويُعدّ المركز الإسلامي في هامبورغ نموذجًا بارزًا لهذا التوجه؛ إذ تحول، لعقود، إلى إحدى أهم منصات التأثير الإيراني في أوروبا، وأصبح مركزًا لتأهيل الكوادر الدينية والثقافية المرتبطة بالمشروع الإيراني. وقد تعاقب على إدارته شخصيات أصبحت لاحقًا من كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية، ممّا يعكس حجم الاهتمام الذي أولته طهران لهذه المؤسسات باعتبارها أدوات استراتيجية للنفوذ الخارجي. وإلى جانب النشاط الفكري والتنظيمي، تكشف بعض الشهادات التاريخية عن وجود تعاون امتد إلى مجالات التدريب العسكري والعمل الثوري. فخلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي استفاد عدد من المعارضين الإيرانيين من شبكات الدعم التي وفرتها حركات إسلامية عربية، سواء عبر برامج التدريب أو من خلال بناء علاقات مع كوادر تمتلك خبرات في العمل السري والتنظيمي.

ويبرز، في هذا السياق، اسم مصطفى شمران، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز قادة الثورة الإيرانية، وأول وزير للدفاع بعد قيام الجمهورية الإسلامية. فقد تنقل بين عدة ساحات سياسية وتنظيمية، وشارك في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري، وهو ما جعله نموذجًا للشخصية الثورية المؤدلجة ذات النزعة العسكرية التي جمعت بين النشاط العقائدي والعمل الميداني. وقد أسهمت شبكات الإسلام السياسي الإقليمية في توفير قنوات اتصال بين ناشطين من إيران ولبنان وفلسطين ودول عربية أخرى، وهو ما أوجد بيئة ملائمة لتبادل الخبرات التنظيمية والعسكرية في مرحلة كانت تشهد تصاعدًا ملحوظًا للحركات الراديكالية المتشددة والعسكرية في الشرق الأوسط.

وعند قراءة مجمل هذه التطورات يتضح أنّ العلاقة بين الإخوان المسلمين والثورة الإسلامية الإيرانية لم تكن علاقة تبعية من طرف لآخر، بل كانت أقرب إلى عملية تبادل مستمرة للأفكار والخبرات والنماذج التنظيمية. فالإسلاميون الإيرانيون استفادوا من التجربة الإخوانية في بناء التنظيم العقائدي، وصياغة خطاب الحاكمية، والتعبئة الجماهيرية، بينما وجد الإخوان في نجاح الثورة الإيرانية نموذجًا راهنًا يمكن الاستناد إليه لإثبات إمكانية انتقال الحركات الإسلامية من المعارضة إلى الحكم. ومن هذه المساحة المشتركة نشأ أحد أهم التحالفات الفكرية غير المعلنة، والخفية والمستترة، في تاريخ الإسلام السياسي؛ تحالف تجاوز الانقسام المذهبي التقليدي، واستند إلى رؤية مشتركة تعتبر السلطة السياسية الهدف المركزي للمشروع الإسلامي، وترى في التنظيم العقائدي طويل النفس الأداة الأكثر فاعلية للوصول إليها والمحافظة عليها.

وكما كشفت حرب غزة، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حدود التفاعل والتقارب بين جناحي الإسلام السياسي في نسختيهما السنّية والشيعية، فإنّ هناك سوابق عديدة لهذا الأمر؛ إذ جاءت الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي لتكشف عمق التقارب السياسي بين الجماعة ونظام الملالي. ففي وقت اصطفت فيه غالبية الحكومات العربية إلى جانب العراق، باعتباره يواجه تمددًا ثوريًا إيرانيًا يهدد استقرار المنطقة، تبنت قطاعات واسعة من الحركة الإسلامية خطابًا أكثر تعاطفًا مع طهران، أو أقلّ عدائية تجاهها.

ومن اللافت أنّ مواقف الإخوان جاءت، وفق الطرح الوارد، متوافقة مع مصالح إيران في عدد من الملفات، وأبدت تعاطفًا معها في قضايا مهمة في العالم العربي، كان آخرها دعم إيران لحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. كما أنّ موقف الإخوان من القضية الفلسطينية يتعارض، وفق مركز "تريندز"، مع المصالح العليا لفلسطين ويتحدى جهود العالم العربي لإحلال السلام في الشرق الأوسط. وكان آخر مواقفهم، بحسب المركز، تنسيق حركة حماس مع إيران، الذي تمثل في الهجوم على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والذي لم يكن، وفق هذا الطرح، أكثر من عمل عدائي ضد القضية الفلسطينية، أودى بحياة الآلاف، وحوّل غزة إلى أنقاض.

الامتداد الفكري والعقائدي

في المقابل، كشفت الوثائق الاستخباراتية الإيرانية المسرّبة، التي نشرتها الصحافة الدولية، عن وثائق إيرانية سرية للغاية تُظهر اجتماعًا بين فيلق القدس وجماعة الإخوان في تركيا في نيسان/أبريل 2014. وقد ناقش الجانبان سبل مواجهة الأعداء في المنطقة وخارجها، بما في ذلك بعض الدول العربية، وإسرائيل، وربما الولايات المتحدة، وكيفية دعم الحوثيين في اليمن. وأضاف التقرير أنّ كبار قادة الإخوان، بمن فيهم إبراهيم منير، ومحمود الإبياري، ويوسف ندا، حضروا الاجتماع. كما تحدثت تقارير عن أنشطة لفيلق القدس الإيراني في مصر خلال فترة حكم الإخوان (2012-2013)، تمهيدًا لتشكيل ميليشيات مسلحة على غرار "الحرس الثوري". إذ اقترح قاسم سليماني إقامة معسكرات في الصحراء لتدريب العناصر الإخوانية المزمع ضمها إلى "الحرس المصري"، على أن يتولى تدريبهم عناصر من "الحرس الإيراني" و"حزب الله" وحركة "حماس". وأشارت هذه التقارير إلى أنّ سليماني دخل مصر متخفيًا ضمن الأفواج السياحية الإيرانية.

أمّا على الصعيد الفكري والعقائدي، فلا ينفصل هذا التنسيق الميداني عن تأثر الخميني، المرشد الأول للثورة الإيرانية، بكتابات سيد قطب، ولا سيّما في أطروحته "الدولة الإسلامية". وقام آية الله علي خامنئي، المرشد الثاني للثورة الإيرانية، بترجمة عدد من كتب سيد قطب، وجعلها ضمن المنهج الفكري المعتمد في الحرس الثوري الإيراني.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية