من "حفنة من تراب عفن" إلى "طز في مصر": لماذا يحتقر الإخوان مفهوم الوطن؟

من "حفنة من تراب عفن" إلى "طز في مصر": لماذا يحتقر الإخوان مفهوم الوطن؟

من "حفنة من تراب عفن" إلى "طز في مصر": لماذا يحتقر الإخوان مفهوم الوطن؟


13/04/2026

عندما قال سيد قطب: "ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن"، لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل مثلت المانيفستو الفكري الذي أعلن انفصال الفرد عن الجغرافيا والوطن في أدبيات الجماعة، لتحل محلها فكرة الوطن المتخيل؛ ذلك الكيان العابر للحدود الذي لا يستمد شرعيته من الأرض أو القانون، بل من الولاء المطلق للتنظيم.
في التصور الإخواني ينقسم العالم إلى فسطاطين؛ مجتمع "مسلم" تمثله الجماعة، ومجتمع "جاهلي" تمثله الدولة الوطنية ومؤسساتها. وبناءً على هذا التصور، تصبح الهوية الوطنية، مصرية كانت أو سورية أو سعودية، مجرد رابطة ثانوية؛ فالوطن في هذه الرؤية يكتسب قيمته من مدى خضوعه لمنهج الجماعة وإيديولوجيتها. ومن هنا يمكن فهم تصريح المرشد السابق للجماعة "محمد مهدي عاكف" حين قال عبارته الشهيرة "طظ في مصر"، كأوضح تعبير عن احتقار الوطن.
البيعة بديل للمواطنة
الإخوان استبدلوا مفهوم المواطنة الذي يقوم على المساواة أمام القانون بفكرة البيعة، التي تقوم على التسلسل الهرمي والطاعة المطلقة للمرشد. ويتجلى هذا بوضوح في مقولة سيد قطب: "جنسية المسلم دينه"، التي تعكس إعادة ترتيب الأولويات لدى الفرد التنظيمي، بحيث يصبح الولاء للجماعة فوق الانتماء الجغرافي والقومي، باعتبارها من تمثل الدين.
ولذلك نجد بعض المنتمين إلى هذا التنظيم يرددون عبارات من قبيل: "المسلم الماليزي أقرب إليّ من المسيحي المصري"؛ هذا الطرح يتجاهل حقائق الواقع، فالمسلم المصري والماليزي لا تجمعهما لغة واحدة، ولا ثقافة مشتركة، ولا تاريخ متداخل، بل تفصل بينهما مسافات شاسعة من العادات والتقاليد وأنماط الحياة. بينما الواقع يقول إنّ المسلم المصري والمسيحي المصري أقرب إلى بعضهما بعضاً؛ فهما يتحدثان اللغة ذاتها، ويتقاسمان تفاصيل الحياة اليومية نفسها من مأكل ومشرب وطباع، ويعيشان داخل مجتمع واحد وتاريخ مشترك يمتد لآلاف السنين، وهو ما يجعل وحدة التجربة والمصير بينهما حقيقة ملموسة لا مجرد شعار.
ولهذا تحديدًا يسعى التنظيم إلى ضرب هذه الحقيقة عبر إعادة تشكيل وعي أتباعه بطريقة تزرع النفور بينهم وبين أبناء وطنهم المختلفين دينيًا، وتستبدل رابطة الوطن بروابط إيديولوجية عابرة للحدود. وعندما يتحول الوطن في هذا التصور إلى مجرد حفنة من التراب، يصبح من السهل التضحية بمصالحه القومية وحدوده وموارده في سبيل تمكين التنظيم. بل إنّ الأخطر من ذلك أنّ فصل الإنسان نفسيًا وشعوريًا عن وطنه يمهد الطريق لتبرير خيانته؛ فمن لا يشعر بالانتماء لا يرى في الإضرار بالوطن خيانة، بل قد يراه واجبًا تنظيميًا أو تضحية مشروعة في سبيل الفكرة.
الولاء والبراء
من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها التيارات الإسلاموية مبدأ الولاء والبراء، الذي يعني أن يكون ولاء الفرد الكامل للتنظيم، وأن يتبرأ من كل من لا ينتمي إليه. وحتى يتحقق هذا الفهم، لا بدّ من هدم الهوية الوطنية واستبدالها برابطة الانتماء إلى الجماعة. ولتحقيق هذا المبدأ عمليًا، يُعاد تشكيل وعي الأتباع بحيث يضعف ارتباطهم ببلادهم، بل قد يُدفعون إلى كراهية مجتمعهم والنظر إليه باعتباره جاهليًا أو منحرفًا، حتى يسهل استبدال الانتماء للوطن بالانتماء للتنظيم.
ويتم ترسيخ ذلك عبر خطاب المظلومية الذي يصور الدولة كخصم دائم، ويغذي شعور الفرد بالاضطهاد، بما يسهل فصله نفسيًا عن مجتمعه، ويدفعه للانتماء الكامل للتنظيم كبديل يوفر له الحماية والأمان.
حلم الخلافة
تزرع الجماعة في وعي أتباعها إعادة إحياء حلم الخلافة، حيث يُعاد تشكيل وعي الفرد ليقتنع بأنّ انتماءه الحقيقي ليس للدولة بحدودها وقوانينها، بل لكيان عابر للحدود. هنا ينشأ التناقض الجوهري؛ ففكرة الخلافة لا تنسجم مع الدولة الوطنية الحديثة القائمة على السيادة والحدود والقانون المتساوي للجميع. وبهذا يعيش الفرد التنظيمي داخل وطنه جسديًا، لكنّه يرتبط نفسيًا بمشروع يتجاوزه، فتتحول الدولة في نظره إلى عائق، ويغدو إضعافها والصدام معها أمرًا مبررًا.
وتتجلى خطورة هذا الفكر عند وصوله إلى الحكم؛ فالتجربة في السودان تحت حكم الجبهة الإسلامية القومية أظهرت كيف يتحول الوطن إلى حقل تجارب إيديولوجية انتهت بالتفتيت، وكان انفصال جنوب السودان نتيجة منطق تقديم الإيديولوجيا على المواطنة ووحدة التراب. وقد أدت سياسات التمكين وصناعة كيانات موازية داخل المؤسسة العسكرية، مثل قوات الدعم السريع، إلى تقويض الدولة، وصولًا إلى الحرب الأهلية الجارية الآن.
وتعتمد الجماعات الإسلاموية استراتيجية التجريف الحضاري لتحويل الوطن إلى مجرد مساحة جغرافية بلا روح؛ وذلك عبر تحقير الحضارات القديمة، كالمصرية القديمة أو الفينيقية، ووصمها بالوثنية والجاهلية، ممّا يقطع صلة المواطن بجذوره التاريخية العميقة. هذا التشويه المتعمد للهوية يهدف إلى صناعة إنسان بلا انتماء ممتد، يسهل انتزاعه من واقعه الحضاري وإعادة توجيهه نحو الوطن المتخيل الذي لا يعترف إلا بالسردية التنظيمية، فتتحول الذاكرة الجمعية من فخر بالوطن إلى تبعية للجماعة.
إنّ وصف الوطن بـ "العفن" هو محاولة لقتل الغريزة الفطرية لحب الأرض؛ ففكرة كراهية الأوطان ليس لها أيّ سند في الإسلام، بل هي اجتهاد إيديولوجي نشأ داخل هذه الجماعات الإرهابية. ويكفي في ذلك ما قاله النبي محمد عن مكة عند خروجه منها: "والله إنكِ لأحبُّ أرضِ الله إليَّ، ولولا أنّ قومك أخرجوني منكِ ما خرجت". فهذا نص صريح في حب الوطن والانتماء إليه.
الجماعة تدرك أنّ الدولة الوطنية هي المنافس الأقوى لإيديولوجيتها، وفي هذا الإطار تسعى لتفريغ مفهوم الوطن من محتواه، وملئه بولاء مطلق للتنظيم، بغرض تحقيق مشروعهم المتخيل بأستاذية العالم.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية