
لم يكن المواطن الغزي توفيق الهندي، من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يتوقع أن يتحول خلاف بدأ بمشكلة محدودة إلى نزاع يهدد بالامتداد بين عائلتين، ومع تصاعد التوتر وتدخل المحيط الاجتماعي للطرفين، وجد نفسه أمام خيار اللجوء إلى الوجهاء والعرف العشائري لاحتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى مواجهة أوسع.
ويقول الهندي (52 عاماً) إنّ محاولاته الأولى لحل المشكلة بصورة مباشرة لم تفضِ إلى نتيجة، بعدما تمسك كل طرف بروايته وموقفه، ومع مرور الوقت، لم يعد الخلاف محصوراً بين شخصين، بل بدأ يأخذ طابعاً اجتماعياً، وهو ما دفعه إلى طلب تدخل أحد الوجهاء المعروفين في المنطقة.
ووفق وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة، فقد عالجت الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح في محافظات غزة 1295 قضية خلال حزيران/يونيو 2026، وشملت القضايا مشاجرات، وقضايا مالية، وخلافات على الأراضي، ومشكلات عائلية، وقضايا قتل، وسرقات وغيرها.
ووفق الوزارة فإنّ لجان الإصلاح كانت تؤدي دوراً واسعاً قبل الحرب، وإنّ إدارة الإصلاح كانت تعمل عبر أكثر من 90 لجنة إصلاح، تضم أكثر من 850 رجل إصلاح، وأشارت إلى أنّ نسبة حل القضايا التي استقبلتها المكاتب بلغت نحو 80% في الفترة التي تناولها التقرير.
وفي أيار/مايو 2026 عُقد في غزة المؤتمر الوطني الأول بعنوان "عشائرنا فخرنا" بمشاركة وجهاء ومخاتير ورجال إصلاح ومؤسسات مجتمع مدني، وركز المؤتمر على دور البنية العشائرية في تعزيز التماسك الداخلي والسلم الأهلي.
ضغوط الحرب تفاقم الخلافات
ويضيف الهندي: "في البداية كنت أعتقد أنني قادر على حل المشكلة بنفسي، ولم أكن أريد أن تتدخل العائلة أو العشيرة، لكن عندما شعرت بأنّ الأمور تتجه إلى التصعيد، أدركت أنّ استمرار الخلاف قد يجعل المشكلة أكبر من قدرتنا على السيطرة عليها".
وبدأت الوساطة بالاستماع إلى الطرفين، ثم التواصل مع أفراد من العائلتين ممّن يمتلكون القدرة على التأثير والتهدئة، ويرى الهندي أنّ "هذه الخطوة كانت ضرورية، لأنّ الوصول إلى حل يتطلب أوّلاً منح كل طرف فرصة لعرض روايته والشعور بأنّ موقفه مسموع".
ويصف دور الوجهاء بأنّه لا يقتصر على عقد جلسة صلح، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أسباب الخلاف والتمييز بين جوهر المشكلة وما نتج عنها من غضب وسوء فهم، ويقول إنّ "الوسيط الناجح لا يبحث عن طرف منتصر وآخر مهزوم، بل عن حل يحفظ كرامة الجميع ويمنع تجدد النزاع".
ويربط الهندي تنامي الحاجة إلى الوساطة العشائرية بالظروف التي فرضتها الحرب على المجتمع الغزي، من النزوح وفقدان الممتلكات وضيق أماكن الإقامة والضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات، ويشير إلى أنّ "الاكتظاظ والضغط النفسي يجعلان الاحتكاكات اليومية أكثر قابلية للتحول إلى نزاعات واسعة".
ويقول إنّ "الشخص الذي فقد منزله أو مصدر دخله ويعيش في ظروف قاسية يكون أكثر عرضة للتوتر، ممّا يجعل التدخل السريع للوجهاء مهمّاً في تهدئة النفوس ومنع الانتقام، موضحاً أنّ خلافاً بسيطاً في الظروف الطبيعية قد يتطور في بيئة الحرب إلى مشاجرة أو قطيعة بين عائلتين".
الوساطة لمنع تجدد النزاع
ورغم أهمية العرف العشائري، يُحذّر الهندي من أن يتحول الصلح إلى وسيلة للضغط على أصحاب الحقوق، مؤكداً أنّ "التسوية الحقيقية يجب أن تقوم على الرضا لا الخوف، ويشدد على أنّ القضايا الخطيرة، خصوصاً الجرائم والاعتداءات، لا يمكن أن يكون الحل العشائري وحده كافياً لمعالجتها".
ويرى أنّ "قوة العشيرة ينبغي ألّا تكون في تجاوز القانون، وإنّما في منع الانتقام واحتواء النزاعات وحماية العلاقات الاجتماعية، مؤكداً أنّ بعض القضايا تحتاج إلى الشرطة والقضاء وإجراءات رسمية لا يمكن استبدالها بجلسة صلح".
ويؤكد أنّ "نجاح الوساطة لا يقاس بمجرد المصافحة أو توقيع اتفاق، وإنّما بقدرتها على منع تجدد النزاع، معتبراً أنّ سرعة وصول الوجهاء إلى الأطراف ومعرفتهم بالعائلات والعلاقات الاجتماعية عامل يمنحهم القدرة على التدخل في مراحل مبكرة، لكنّه يُحذر من تحويل هذا الدور إلى سلطة فوق القانون".
ويختصر الهندي تجربته بالقول: "العشيرة تستطيع أن تطفئ النار قبل أن تكبر، لكن لا يمكنها أن تكون وحدها رجل الإطفاء، فالمجتمع يحتاج إلى قانون يحميه، ومؤسسات تطبقه، ووجهاء يساعدون على منع الخلافات من الوصول إلى مرحلة الانفجار".
لجان الإصلاح واحتواء النزاعات
بدوره، يرى المختار ورجل الإصلاح الحاج تحسين المصري أنّ "لجان الإصلاح أسهمت في احتواء عدد كبير من النزاعات ومنعها من التحول إلى مشاجرات وخصومات عائلية أوسع، والمؤشر الأبرز هو حجم القضايا التي تتعامل معها اللجان بصورة مستمرة، لكنّ النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الملفات فقط، وإنّما بقدرتنا على إنهاء النزاع ومنع تجدده والحفاظ على السلم الأهلي".
ويضيف المصري: "نستقبل قضايا متنوعة، أبرزها الخلافات العائلية والمالية والمشاجرات والنزاعات على الممتلكات والأراضي، إلى جانب بعض قضايا الاعتداء والسرقة، فالحرب زادت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وأصبحت بعض الخلافات أكثر حساسية بسبب النزوح وفقدان الممتلكات وضيق ظروف المعيشة، ممّا جعل التدخل السريع أكثر ضرورة".
ويوضح: "في كثير من الحالات يكون الصلح مستداماً، خصوصاً عندما يشارك الطرفان في صياغة الحل ويقتنعان به، ونحن لا نبحث عن تهدئة مؤقتة، بل عن إنهاء أسباب الخلاف وإعادة العلاقة بين الأطراف إلى طبيعتها، ومع ذلك، هناك قضايا قد تتجدد، ولذلك نتابع بعض الحالات بعد الصلح للتأكد من الالتزام بالاتفاق".
ويؤكد المصري أنّ "العرف العشائري وسيلة للإصلاح وليس بديلاً عن القانون، ونحن نعمل على تقريب وجهات النظر ومنع التصعيد، لكنّ القضايا الجنائية والحقوق الأساسية يجب أن تخضع للقانون والجهات المختصة، ونرفض أن يكون الصلح قائماً على الإكراه أو الضغط، لأنّ أيّ تسوية لا تراعي حقوق الأطراف ولا تقوم على الرضا لن تحقق سلاماً اجتماعياً حقيقياً".
العرف لا يحل محل القضاء
ويرى أستاذ القانون العام في جامعة القدس، الدكتور أحمد عليان، أنّ "العرف العشائري أسهم فعليّاً في الحدّ من النزاعات خلال الحرب، لا سيّما الخلافات الاجتماعية والعائلية والمالية والمشاجرات، من خلال وساطات سريعة اعتمدت على ثقة المجتمع بالوجهاء وقدرتهم على الوصول إلى أطراف النزاع واحتواء الخلافات قبل تفاقمها".
ويؤكد عليان أنّ "العرف العشائري يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في الصلح والوساطة، لكنّه لا يجوز أن يحل محل القضاء، خصوصاً في الجرائم والقضايا المرتبطة بالحق العام، فمسؤولية تحديد الجريمة والعقوبة تبقى من اختصاص القضاء، بينما يمكن للوساطة أن تسهم في تهدئة الأطراف ومعالجة الآثار الاجتماعية للنزاعات ضمن إطار القانون".
ويشدد عليان على أنّ "الصلح لا يحقق العدالة إذا تم تحت ضغط العائلة أو الخوف أو التهديد بالانتقام، بل يجب أن يقوم على الإرادة الحرة، وألّا يؤدي إلى إسقاط حقوق يكفلها القانون، خصوصاً حقوق ضحايا الجرائم والاعتداءات الخطيرة، ويظل حماية الطرف الأضعف معياراً أساسياً لأيّ تسوية عشائرية".
ويدعو عليان إلى تنظيم العلاقة بين الإصلاح العشائري والمؤسسات القانونية بوضوح، بحيث تكون العشيرة شريكاً في الوقاية من النزاعات واحتوائها، لا سلطة موازية للقضاء، ويشترط احترام حقوق الإنسان ورفض الإكراه والعقوبات الجماعية، مع إحالة الجرائم الخطيرة إلى القضاء، بما يضمن الاستفادة من دور العرف في حفظ السلم الأهلي دون المساس بسيادة القانون.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_14.png.webp?itok=0fOeM_PQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_16_0_0.jpg.webp?itok=Q5QaVAfF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85_1_0_2.jpg.webp?itok=c7l67XhT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D9%87%D8%B4.jpg.webp?itok=d3dYUzlz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_3_0_1.jpg.webp?itok=wRLU0Dqm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%B1_2_0_0_12_0.jpg.webp?itok=IN2tmNKk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_2_0.jpg.webp?itok=Qq1LVfZ7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b8c5f945-37bc-40dd-b65b-6fc5e94ae967_1_0_0.png.webp?itok=kFnc74sH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=wHfk8ZQ7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=2MhAvatp)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5994ff4a6af16_2_2_1.jpg.webp?itok=ZtNj1aIX)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_16_0.jpg.webp?itok=Q1fjvEsj)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_5.jpg.webp?itok=I2pS18mO)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%AA.png.webp?itok=VbHyzx0h)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9_0_0_0.jpg.webp?itok=ZdFIrzY9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_9_0_0.jpg.webp?itok=wQUJCmfX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%B7.jpg.webp?itok=Q8py6cl-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZAe5ym0zeJaXSVkLxPR3jhB84LDE2UKg_36JsUj1W8M5w3iFviyx6GfyWe4yTHE9jDkz6fPXcMC652NKjzg5depVMNU2vqIp4_bNZlDw3r60sMynm9zDqwWpRIBLttdDlX1NQk0gu9oUs4Cy9-otrb0B8Ppr9U1pTezbpl3aKpEefd3SG4JwdoqLb3n0OD1f%20%281%29.jpg.webp?itok=1ofDeuzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

