مصر بين الأيوبيين والمماليك.. التحولات الاجتماعية والدينية ورسوخ التدين الشعبي

مصر بين الأيوبيين والمماليك.. التحولات الاجتماعية والدينية ورسوخ التدين الشعبي

مصر بين الأيوبيين والمماليك.. التحولات الاجتماعية والدينية ورسوخ التدين الشعبي


29/09/2026

مَثَّلَ قيام الدولة الأيوبية في مصر تحولاً اجتماعياً وثقافياً واسعاً تجاوز حدود التغيير السياسي؛ إذ انخرطت البلاد في إعادة تنظيم شاملة للمؤسسات الدينية وحضور الدين في الحياة اليومية، سعت السلطة الجديدة من خلالها إلى تجاوز تركة الحكم الفاطمي وتأسيس قواعد متينة للتدين السنّي في حياة المصريين الروحية .بدأت السلطة الأيوبية خطتها بالتراجع المتدرج عن مظاهر العهد الفاطمي وإيجاد بدائل مستقرة؛ فحُذفت الصيغ الخاصة من الأذان، وقُطعت الخطبة باسم الخليفة الفاطمي ليُخطَب للخليفة العباسي في أواخر عهد العاضد. وعقب زوال الدولة الفاطمية رسميّاً على يد صلاح الدين الأيوبي، عُطّلت صلاة الجمعة والدروس العلمية في الجامع الأزهر، باعتباره المعقل الأول للدعوة الإسماعيلية (ثم استؤنفت الصلاة فيه في العصر المملوكي)، واعتُمد جامع الحاكم بأمر الله مسجداً رئيسياً للقاهرة، تطبيقاً للفتوى الشافعية القاضية بمنع تعدد صلاة الجمعة في المصر الواحد ولإضعاف النفوذ الفاطمي. وتلا ذلك إسناد موقع قاضي القضاة إلى المذهب الشافعي متمثلاً في صدر الدين بن درباس، مع عزل القضاة الشيعة وتولية الشافعية.

وفي الوقت نفسه، جرى إخلاء القصور الفاطمية وتوجيهها لتكون مقرات لسكن الأمراء أو مراكز تعليمية وخدمية، واستُفيد من مقتنياتها وخزائنها في تدبير شؤون الدولة وإعداد الجيش وتجهيز الخطوط الدفاعية. واتجه التخطيط العمراني نحو بناء قلعة الجبل لتكون مقراً هادئاً ومستقلاً للحكم بعيداً عن أزقة القاهرة القديمة، وجرى إحاطة القاهرة والفسطاط بسور واحد لحماية البلاد من أخطار الحملات الصليبية. ولم تقف السياسة الأيوبية عند حدود إزاحة مظاهر العهد القديم، بل انطلقت نحو إقامة مؤسسات تعليمية واجتماعية تضمن استمرار هذا المنحى الجديد؛ فانتشرت المدارس المخصصة لتدريس المذاهب السنّية الأربعة مثل المدرستين الناصرية والقمحية، وصولاً إلى المدرسة الصالحية التي جمعت طلاب المذاهب الأربعة معاً تحت سقف واحد. ودُعمت هذه المدارس بنظام أوقاف سخي أتاح استقطاب كبار العلماء والفقهاء من الشام والعراق ومكة، إلى جانب استثمار الكفاءات المحلية مثل القاضي الفاضل والعماد الأصفهاني وابن شاس. 

واكتملت هذه المنظومة بإفساح المجال للتصوف ورعايته كأنشطة إيمانية تتكامل مع الأبعاد الفقهية وتخاطب العاطفة والوجدان. وقد أنتج ذلك مسارين متكاملين للتصوف: الأوّل تصوف رسمي وظفته السلطة لضبط المشهد الروحي وتأطيره، وكان من أبرز مظاهره تأسيس خانقاه سعيد السعداء لتكون أول تنظيم رسمي يُرتب الشؤون الصوفية وحياة الزهاد في مصر ويصرف عليهم من الأوقاف. والثاني تصوف شعبي طرقي نشأ عفويّاً في الحارات والأزقة والأرياف بعيداً عن الرعاية السلطانية، حيث التفّ العامة حول شيوخ الطرق والزهاد في حلقات الذكر البسيطة. وعلى مستوى الشارع والناس، أظهر المجتمع المصري قدرة عالية على التكيف والمرونة النفسية مع هذه المتغيرات؛ فقد ميز الناس بعفوية بين المذهب السياسي للدولة الفاطمية المنقضية وبين مشاعر الحب والتقدير لآل البيت التي استقرت في نفوسهم طوال عقود. وتقبل المجتمع التحول إلى الفقه السنّي دون مقاومة، مع تمسكه بزيارة المقامات والمشاهد الشريفة؛ كرحاب الإمام الحسين والسيدة نفيسة والسيدة زينب. وفطنت السلطة الأيوبية لعمق هذا التعلق الشعبي، فلم تتعرض لتلك المقامات بسوء، بل تولت إعمارها وتعيين أئمة وسدنة ينتمون إلى أهل السنّة لإدارتها والعناية بها. ومع توقف الاحتفالات الرسمية الفاطمية، انتقل الثقل الروحي إلى التصوف الشعبي؛ فاستوعبت الطرق والموالد والمناسبات نبض الشارع اليومي، ليتشكل لون من التدين الاجتماعي يمتزج فيه حب آل البيت بالزهد والصفاء الروحي، محولاً التصوف من مؤسسة ترعاها الدولة إلى ملاذ عاطفي ومساحة للتعبير والتنفس الروحي للجماهير.

أمّا في الشق الخاص بالعلاقات الاجتماعية ومكونات المجتمع، فقد اتسمت سياسة الأيوبيين تجاه الأقباط بالهدوء والواقعية؛ فأُلغيت القيود والمكوس التي فرضت في أواخر العصر الفاطمي، واستمرت الاستعانة بالخبرات الإدارية والمالية القبطية في إدارة الدواوين والحسابات. وسُمح للأقباط بترميم الكنائس وإعادة إعمار ما تضرر منها. وخلال المواجهات العسكرية مع الحملات الصليبية أظهر الأقباط موقفاً واضحاً في مساندة الجبهة الداخلية للبلاد ورفض التعاون مع الغزاة الكاثوليك، وعقب استعادة القدس، كافأ صلاح الدين الأيوبي الأقباط بفك القيود عن زيارتهم للأماكن المقدسة وأهداهم دير السلطان في القدس. وتواصل خلال هذا العصر التحول الهادئ والتدريجي لأعداد من الأقباط نحو الدخول في الإسلام، بفعل اكتمال التحدث بالعربية وسماحة المعاملات اليومية والجوار والتصاهر والتشارك في أعمال الفلاحة والتجارة، إضافة إلى الدافع الاقتصادي المتمثل في الإعفاء من الجزية، دون توجيه ضغوط أو إكراه جماعي.

الأنماط الأربعة لممارسة التدين في الاجتماع المصري

تطورت هذه السياسات والممارسات التاريخية لترسم ملامح الخريطة الدينية والحضارية لمصر، متداخلة مع تشكيلات وأنماط مختلفة من السلوك التديني الذي يمارسه الناس في فترات لاحقة وصولاً إلى عصرنا الراهن. ويمكن قراءة هذه الأنماط عبر أربعة مستويات رئيسية تختلف فيما بينها بحسب درجة الاعتماد على النص المكتوب، وأسلوب التفسير، ونوع العلاقة مع السلطة والمجتمع.

المستوى الأوّل هو التدين المؤسسي الرسمي، وهو نمط يعتمد التزاماً دائماً بالنصوص والمدونات الدينية، وتتولى إدارته أجهزة الدولة ومؤسساتها التوجيهية. يسعى هذا النمط إلى صياغة الخطاب الديني بما يحفظ الاستقرار الاجتماعي والالتزام بالنظام العام، وترسيخ قيمة طاعة أولي الأمر وحماية التماسك الداخلي، مع تقديم تفسيرات هادئة للفقر والتفاوت الطبقي باعتباره قضاءً يقتضي الصبر والرضا. وتجد هذه الرسالة صداها الأكثر ثباتاً لدى الفئات المتوسطة والموظفين المرتبطين بالجهاز الإداري للدولة، ممّن يميلون إلى الاستقرار ويتجنبون مواقف الصدام.

أمّا المستوى الثاني، فهو التدين النصي المؤسسي الناقد (أو المعارض)، وتجسده نخب دينية وطبقات من الفقهاء تلتزم بالمرجعية النصية والفقهية ذاتها التي تستند إليها الدولة، لكنّها توظف هذه الأدوات في نقد سياسات السلطة ومنافستها على الشرعية الأخلاقية والاجتماعية. ولا يسعى هذا النمط إلى الانقلاب على المذهب الرسمي أو تكفير المجتمع، بل يتحرك من داخل المؤسسة العلمية ذاتها، كالمساجد والمدارس والمنابر، متسلحاً بالنص الفقهي لإنكار المظالم وتقييد صلاحيات الحكام. وقد برز هذا المسار جلياً في مواقف كبار علماء العصرين الأيوبي والمملوكي؛ مثل الإمام العز بن عبد السلام الذي مارس معارضة صلبة؛ سواء في دمشق عندما وقف بوجه الملك الصالح إسماعيل لتهادنه مع الصليبيين وتسليمهم بعض الحصون الإسلامية، أو في مصر من فوق منبر جامع عمرو بن العاص بالقاهرة عندما أفتى ببطلان تصرفات الأمراء المملوكيين وأصر على بيعهم لصالح بيت المال لعدم ثبوت حريتهم شرعاً. وتكرر هذا النمط مع الإمام النووي في مواجهته للسلطان الظاهر بيبرس؛ إذ امتنع عن التوقيع على فتوى تبيح فرض ضرائب استثنائية على الرعية لمواجهة الخطر المغولي، مستنداً إلى الأحكام الشرعية التي تشترط نفاد خزائن الدولة وتجرد الأمراء من حليّهم ومتاعهم أوّلاً قبل المساس بأموال الناس.

ويتمثل المستوى الثالث في التدين الانفصالي المتشدد، وهو مسار ينشأ كردّ فعل حاد وناتج عن ضغوط اجتماعية وسياسية وأزمات عميقة في أصل المجتمع. يبدأ هذا النمط من تبنّي أفكار واعتقادات تبتعد عن المذاهب الرسمية، متدرجاً في رفض كل ما هو قائم؛ بدءاً من سلب صفة الالتزام الديني عن المجتمع وعدّه منحرفاً عن الحق، مروراً بنزع الشرعية عن الحكام ومؤسسات الدولة، ورفض التدرج والإصلاح الهادئ من الداخل، وصولاً إلى الاعتزال الفعلي أو الشعوري والمواجهة الصريحة. وقد تجسد هذا المسار في العصرين الأيوبي والمملوكي عبر صور متعددة؛ كالانفصال الحركي لدى الإسماعيلية النزارية التي أهدرت شرعية المجتمع واستباحت اغتيال الحكام والعلماء، بل حاولت اغتيال صلاح الدين الأيوبي، أو في الحركات المهدوية ودعاوى التكفير كحركتي الكوراني والمدعي المهدي، اللتين اتخذتا من ادعاء المهدية وسيلة لمفاصلة الناس وتكفير القضاة والسلاطين، إضافة إلى مظاهر الانحراف والتطرف الذاتي، الذي واجهته المؤسسة الفقهية بزعامة ابن تيمية وقضاة عصره، لدى فرقة البطائحية وغلاة المتصوفة لامتناعهم عن الخضوع لأحكام القضاء والشرع الجامع.

وبشأن المستوى الرابع والأوسع انتشاراً، أي التدين الشعبي، فقد سلك مساراً مختلفاً عن الأنماط السابقة؛ إذ يغيب عنه الانشغال بالنصوص المدونة والتفريعات الفقهية المعقدة، ليحل محلها المأثور الشفاهي والحكايات المتوارثة والخبرة الحياتية العفوية. يتأسس التدين الشعبي على التفاعل المباشر مع الروافد الروحية؛ حيث يرى عامة الناس في أولياء الله الصالحين وآل البيت ملاذاً شفيقاً ووسيطاً قريباً لقضاء حوائجهم ومواجهة مصاعب العيش من مرض وفقر وظلم. يظهر ذلك جلياً في ممارسات النذر، وتقديم القرابين، وزيارة الأضرحة، وإقامة الموالد التي تتحول إلى مساحات جامعة للتكافل والفرح والتخفف من أعباء الحياة. ويستوعب التدين الشعبي عادات وتقاليد قديمة جرى صهرها عبر الزمن في قالب إيماني بسيط، مثل التعاويذ وطلب البركة، ليشكل وسيلة فطرية ومرنة طوّرتها الجماعة الشعبية لحماية وجودها الروحي والتكيف مع تقلبات الأيام دون صدام مع السلطة أو انغلاق في تعقيدات الكتب. ولكي تتضح بنية هذا التدين الشعبي بعمق، ينبغي تأمله من داخل لحظته التاريخية المفصلية التي اكتملت فيها ملامحه؛ وهي الفترة الممتدة بين تأسيس الدولة الأيوبية وتبلور سلطنة المماليك البحرية الأولى. فقد شكل التحول الأيوبي حجر الأساس الذي نبتت فيه بذور هذا النموذج، ليمتد بعد ذلك ويبلغ نضجه واكتماله العضوي في العصر المملوكي استمراراً للبناء ذاته؛ حيث لم تكن تحولات العصر المملوكي سوى استجابة عميقة وتطوير متراكم للبنى الروحية والمؤسسية التي أرساها الأيوبيون.

آليات التدين الشعبي وتطوره من الأيوبيين إلى المماليك

في هذه الحقبة الممتدة بين القرنين السادس والثامن الهجريين، لم يكتفِ عامة المصريين بتلقي القرارات السلطانية والمراسيم الفقهية الصادرة من المدارس والخوانق، بل شيدوا عالمهم الروحي الخاص في الأزقة والأرياف والقرافة، مبتكرين آليات عفوية للتعايش مع المحن الدائمة من أوبئة وغلاء وحروب متصلة مع الصليبيين ثم المغول. تجسدت الأولى من هذه الآليات في هيمنة الشفاهية والتجاوز التلقائي لصرامة النص المكتوب؛ فلم يكن الفلاح أو الحرفي معنياً باختلافات المذاهب الأربعة أو الجدل الكلامي المحيط بالمذهب الأشعري، بل كان يستمد يقينه من السير المروية والأدعية المتوارثة وحكايات الأسلاف. ويشهد مؤرخو منتصف هذه الفترة (القرن السابع الهجري) على تجذر هذه الظاهرة شعبياً؛ حيث يرصد جمال الدين بن واصل، في كتابه "مفرج الكروب في أخبار بني أيوب"، كيف كانت الجماهير تندفع بعاطفة جياشة نحو مجالس الوعظ العامة وحلقات القصاص إبّان الأزمات والحروب الأيوبية، متلقية الدين مشفوعاً بقوة التأثير العاطفي الذي يتجاوز تعقيدات الفقهاء ومجادلاتهم الباردة. ويورد معاصره سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان" كيف كان العامة يلتفون حول الواعظين والزهاد في شوارع القاهرة والفسطاط، يستمعون للقصص والرقائق التي تخاطب قلوبهم وتمنحهم السكينة، معيدين إنتاج المعرفة الدينية عبر الحكاية والتواتر الشفاهي الذي يسهل تداوله في بيوت الفقراء وحقول الفلاحين.

وتجلت السمة الثانية في قيام مبدأ التبادل الروحي والشفاعة النفعية؛ حيث تعاطى الناس مع أولياء الله الصالحين وآل البيت بوصفهم جيراناً ونشطاء في عالم الروح، يقدرون على رفع مظالم الحكام وتخفيف قسوة الغلاء والمرض. وصار النذر للمشاهد والمقابر التزاماً أخلاقياً واجتماعياً يفي به الفقير قبل الغني؛ فتذبح الأضاحي أو تُسرج القناديل بالزيت والشموع عند أعتاب الضريح شكراناً على شفاء مريض أو نجاة غائب. ينقل القاضي ابن شداد في كتابه "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" مشاهد حية لإقبال الناس على المقابر والمشاهد المقدسة طلباً للبركة والنصرة أثناء الأزمات العسكرية، بينما يورد ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" كيف كانت القرافة تحوي مجتمعات كاملة من العامة والمجاورين الذين اتخذوا من جوار الصالحين سَكناً ووسيلة للرزق عبر ما يُوزع هناك من الصدقات والنذور. وحين داهم الطاعون البلاد في بداية العصر المملوكي، يذكر المقريزي في "السلوك لمعرفة دول الملوك" أنّ الناس لم يكتفوا بالدعاء في المساجد، بل خرجوا في مواكب شعبية حفاة الأقدام يحملون المصاحف على رؤوسهم ويتجهون نحو المقابر ومشاهد آل البيت والجامع الحاكمي والصالحي، يرجون الشفاعة والرحمة بأساليب جامعة امتزجت فيها الحسرة بالرجاء المباشر.

أمّا الموالد، فقد مثلت الميدان الأكثر حيوية للتعبير عن هذا التدين؛ حيث تحولت من مجرد رسميات فاطمية ملغاة إلى أعياد شعبية عارمة تحتفي بالفرح الجماعي والتكافل الاجتماعي. وفي العصر المملوكي الأوّل بلغت هذه الاحتفالات أوجها؛ إذ يصف المقريزي في كتاب "الخطط" كيف كان مولد الإمام الحسين ومولد السيدة نفيسة ومولد الشافعي أوقاتاً لتلاقي أهل مصر من كل فج، فتُقام الخيام وتُبسط الموائد الحافلة للفقراء والمساكين بغير حساب، وتتداخل أصوات المداحين والذاكرين بأهازيج الباعة وجلبة الأسواق. ولم تكن هذه المناسبات للعبادة المجردة فحسب، بل كانت متنفساً يكسر صرامة السلطة ورسمياتها، ويتيح للعامة مجالات للترويح والابتهاج وممارسة أنشطة اقتصادية واجتماعية تعيد توزيع الثروة المحدودة بين أبناء المجتمع عبر الموائد المفتوحة وأعمال البر.

وحمل التدين الشعبي في تلك الحقبة قدرة عالية على صهر الموروثات التاريخية والتحايل على ضغوط السلطة ورجال الدين الرسميين؛ فقد امتدت إلى الطقوس الإسلامية والقبطية على السواء عادات ضاربة في القدم تتصل بالفيضان والدورة الزراعية والتبرك بالماء والتربة؛ مثل الاحتفال بوفاء النيل، والتعاويذ المضادة للعين والحسد. ويورد ابن الحاج العبدري في كتابه "المدخل" تصويراً ينقل فيه كيف كانت المجتمعات الشعبية في العصر المملوكي تمارس طقوساً تقاطع فيها الديني بالعرفي، كخروج النساء والرجال إلى المدافن في أوقات محددة، واستخدام الخرز والطلاسم، وزيارة بعض الأشجار لتحصيل البركة. ورغم الهجوم الشديد الذي كان يشنه بعض فقهاء الحنابلة والشافعية على هذه الممارسات باعتبارها بدعاً وخروجاً عن قويم الدين، فإنّ الشارع المصري تعامل بذكاء وتجاهل هادئ مع تلك الفتاوى، محافظاً على طقوسه التي تمنحه الطمأنينة والأمان النفسي. وهكذا أثبت التدين الشعبي في العصرين الأيوبي والمملوكي أنّه لم يكن مهتمّاً بالقراءات النصية الصارمة، بل أقام استراتيجية حية ومرنة طورتها الجماهير الشعبية للدفاع عن بقائها الروحي والوجداني ومواجهة قسوة الواقع التاريخي بعاطفة متدفقة ويقين برحمة الخالق.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية