
الإلحاح على الموت الخلاصي والمعنى الاستشهادي، ليس عفوياً، إنّما هو إدارة للعنف المقدس الذي راكمته الجماعات من خلال مناهجها التربوية والعقائدية المؤدلجة، واختباره في تلك اللحظات المأزومة، والخروج بأقصى حالات العنف ودرجاته النهائية طالما "الاستعلاء (الإيماني) هو الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء، والاستعلاء مع ضعف القوة وقلة العدد وفقر المال كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء"، كما يوضح قطب في كتابه: "معالم في الطريق". ويردف: "الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان، وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان".
تناقضات الجماعة
يمكن القول إنّه بخلاف اللحظة السابقة وتوابعها التي تتكشف فيها المظلومية على نحو عنيف ومتوحش، ويبدو مثل انفجارات عشوائية متتالية، وهي فوضى تماثل التجارب الإسلاموية مع عدوى الصعود للحكم إبّان ما عرف بـ "الربيع العربي" كما في تونس والمغرب، كانت هناك لحظات أخرى صنع فيها الإخوان مثلاً سرديات موازية لنفي شبهة تورطهم في القتل أو التحريض على العنف. فمع أزمة خميس والبقري العاملين المتهمين بالانضمام إلى "التنظيمات الشيوعية" بعد وصول "الضباط الأحرار" إلى حكم مصر عام 1952، وقد طالبا "الثورة" وقتذاك بتعديل أوضاعهم العمالية، كان سيد قطب المحرض الرئيس على استعمال البطش بحق العاملين. وقال أو بالأحرى برر أيّ انتهاكات محتملة في مقال له بمجلة "روز اليوسف" بأنّ "نظلم عشرة أو عشرين من المتهمين خير من أن ندع الثورة كلها تذبل وتموت". وفي مقال آخر بجريدة "الأخبار" وصف الحركة العمالية على هذا النحو: "لقد أطلع الشيطان قرنيه فلنضرب..., لنضرب بقوة، ولنضرب بسرعة، أمّا الشعب، فعليه أن يحفر القبور وأن يهيل التراب".
غير أنّ الجماعة، لاحقاً، اعتبرت إعدام خميس والبقري "ذكرى مريرة". وذلك بعد نحو ستة عقود، لجهة توسيع قاعدتها وحفر أو تبيئة مظلوميتها مع قوى لم تتقاطع معها يوماً وهي "العمال" إلا بتحريض أو تعسف وتشريع لكل ما يهدر حقوقها. لكنّها حاولت في إطار خصومتها السياسية مع النظام التفتيش عن حواضن جديدة بعد تآكل قاعدتها والتباعد بينها وبين فئاتها المستهدفة مع تجربتها المريرة في السلطة.
يقول يوسف القرضاوي في مجموعة مقالاته الإلكترونية المعنونة بـ "سيرة ومسيرة"، في مقال بعنوان: "محنة عام 1965": "كان هذا هو اتجاه جمهور الإخوان بعد محنة 1954 - 1965، وهو الكمون والسكون، حتى تتغير الأحوال، وتواتي الفرصة. والتغيير حقيقة كونية، ودوام الحال من المحال، ومداولة الأيام سُنَّة قررها القرآن: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران:140). ويردف: "لكنّ الإخوان فوجئوا -برغم اعتزالهم لأيّ نشاط سياسي أو حركي- بهذه الهجمة العامة التي لم تدع أحداً له صلة بالإخوان إلا امتدت يدها إليه، حتى بعض من ضعف إيمانهم، وتراخت عزائمهم، ولم يكتفوا باعتزال النشاط الدعوي، بل أوسعوا الإخوان ذمّاً وتجريحًا، عسى أن يشفع ذلك لهم، فلم يغنِ عنهم ذلك شيئًا، وشمت بهم من شمت ممّن نالهم أذاهم وتطاولهم من إخوانهم".
المحنة في أدبيات الجماعة
ينظر الإخوان إلى هذه "المحنة" الهائلة المريرة على أنّها من جانب آخر كانت "منحة" ساقها الله تعالى للإخوان، والحديث ما زال للقرضاوي، الذين أرادوا أن ينشغلوا بهمومهم المعيشية عن همومهم الدعوية، وأن يقول كل منهم: نفسي نفسي فشاء الله تعالى أن يريهم أن اعتزالهم لواجب الدعوة لن ينفعهم، وأنّها قد أصبحت مكتوبة على جبينهم، مقروءة في وجوههم، موصولة بحياتهم، لا تنفصل عنهم، ولا ينفصلون عنها، فليحملوها بإرادتهم واختيارهم، بدل أن يُحمّلوها رغم أنوفهم، ففي الحالة الأولى يؤجرون على كل ما يصيبهم في سبيلها، وتجد أنفسهم السكينة والرَّوْح كلما مسهم قرح، أو نزل بهم بلاء، فهو في سبيل الله، أمّا في الحالة الأخرى، فلا أجر فيها ولا مثوبة في الآخرة، ولا سكينة ولا راحة في الدنيا.
واستكمالاً للمبدأ ذاته الذي يحرص القرضاوي أن يدشنه، باعتبار جماعة الإخوان "جماعة ربانية"، ويتخطى هنا فكرة "المحنة" و"المظلومية" إلى اعتبار تصحيح مسارتها من خلال مخاضات الصدام مع السلطة إنّما هو "هدف إلهي" لتكون بعدها المنحة والانفراجة.
فيقول: "لقد فكرت وتأملت في سبب هذه المحنة الهائلة التي فُتِحت فيها النار على جماعة الإخوان من كل جانب، وسلطت عليهم آلات التعذيب الجهنمية، تحطمهم ماديًّا، وتحطمهم نفسيًّا، آلات تأكل من لحومهم، وتشرب من دمائهم، وتهشم من عظامهم. لقد قلت: إنّ جمهور الإخوان لم يمارسوا أيّ نشاط، وهذه حقيقة لا ريب فيها، وقد كان بعضهم لم يزل في سجون عبد الناصر يقضون المدد المحكوم عليهم فيها بالأشغال الشاقة بعيدًا في "الواحات" بعد أن وقع ما وقع في "ليمان طرة" من مذبحة، ولكنّ أجهزة عبد الناصر، أعلنت أنّها اكتشفت "تنظيمًا سريًّا" خطيرًا جدًّا، يقوده "سيد قطب" ومعه مجموعة من الإخوان، منهم: الشيخ عبد الفتاح إسماعيل، ومحمد يوسف هواش، وعدد قليل آخر، منهم شخص اشتروه بالإغراء، والتأثير بالوعد والوعيد، والعفو عنه من حبل المشنقة -وهو علي عبده عشماوي- فخارت قوته، وانهزمت إرادته، فسقط في أيديهم فريسة سهلة، وأمسوا يلقنونه ما يجب أن يقول، فيذعن لهم، ويصبح رجع الصدى لما يقولونه. وهذا الطريق مَن وقع فيه؛ فقد وقع في حفرة لا ينجو منها إلا إلى حفرة أشد منها عمقًا، ومَن مضى فيه خطوة لم يستطع الرجوع عنها، ومَن سقط السقطة الأولى ظل يسقط ويسقط، إلى ما لا نهاية، فقد غدا لا يملك من أمره شيئًا، غدا مسيّرًا لا مخيّرًا، زمامه بيد غيره؛ لأنّ الذي يبيع نفسه للطاغوت؛ قد خسرها بالمرة، وهذا لون من الشرك بالله، الذي ينحط به الإنسان إلى أسفل الدركات، {وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (الحج:31)".
وفي ما يبدو أنّ الرأي ذاته، يعرضه زعيم حركة النهضة (فرع إخوان تونس) راشد الغنوشي، الذي يتحدث عن العلاقة بين الحركة الإسلامية وأنظمة الحكم المختلفة، فيقول: "العلاقة تتراوح بين الاعتراف المتبادل والصريح والضمني" موضحاً أنّ "المشكل لا يتمثل في رفض الحركة الإسلامية الاعتراف والتعايش مع الدولة أو القبول بالمشاركة الجزئية فيها، وإنّما المشكل يتمثل في من يقنع هذا الغول المدعوم بأحدث تقنيات القمع والإخضاع، والمؤيد من قبل قوى الهيمنة المعادية لأمتنا وحضارتنا وكل الحضارات الأخرى، من يقنع هذا التنين بالتواضع والاعتراف بالشعب والآخر، من يروض هذا الوحش دون كفاح ناصب".
وتبعاً لذلك، فإنّ ولادة المظلومية وجدل المحنة المرتبطين حتماً بمشقة "الامتحان الإلهي"، تجعل إرادة الأفراد لها جناحان أحدهما في العالم الدعوي والآخر دنيوي، يحتمي الأخير أو يتخفى في الأول المصنوع في ذهنية "الجماعة" للتعمية عمّا هو براغماتي ومؤقت لصالح ما هو مفارق وغير زماني، الأمر الذي يعفيها من المساءلة سواء في ما يخص إخفاقاتها أو مشكلاتها وتورطها في العنف والقتل وما تراكمه من أجساد متهالكة وضحايا. بل إنّ المظلومية حتماً تنشر الكراهية ضد الآخر.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/dhyb_1_0_0.jpg.webp?itok=KTZjIWHa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ipda6PSwJpc12Xr16TZX1mxWNP9umb-NIsXB4bueunBKRFDkPJHDsKhugIOy2Q16wHVxOeWJpHSIdsDF8wzb-CVMLPKlxhrx5-x6Czw0BgtQaXMxAFg0LyhYYyLYrvDkS90c1o1QzFsmE8rBXDvrvha00yBytJWJqnGRDURjfVKHi2tVviVRInK6DReQQlHn.jpg.webp?itok=LWrCdx_a)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-23%20103729.png.webp?itok=z_xzCccA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=LrYcCaSw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_9_0.jpg.webp?itok=7HDUYZM0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_8_2.jpg.webp?itok=3cGcUhzy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_4_0.jpg.webp?itok=casKmhzS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%89%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=3tTx6BSj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0.jpg.webp?itok=vlRuaJ7Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%B9%D8%AF%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D8%B1%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%8A%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%81%2C%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9%2C%20%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%2C%20%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%2C%20%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_0_1.jpg.webp?itok=w0ocuqWR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1_10_0_2.jpg.webp?itok=MhlpWJ59)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yF9sd5NmgG5_04-f-l3lKMJ8UPb56ttim4N7IhmZDdiumCSO6xd9vXthAJSP6sCMJBLL4XD0nJt72TS4WERcexiX5xgpJmvGiSPzb40nzjPImAXaEf1yIe9-2cRTEWQOqO7nEw3jHEhPMe6vv3T4zoe5cxO4zvBrv4ow5EEkNhmmWjsq8Xx85hiK54xtb6yb%20%281%29.jpg.webp?itok=K-qgx0N9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zyf_0.jpg.webp?itok=2Z-1BtDg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1.jpg.webp?itok=ZGddJ_6t)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=PcOhi24A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

