تناقضات "المجلس الأعلى للدولة" الليبي... حين تتحول المشاركة في الحوار إلى تهمة تُؤدي إلى إسقاط العضوية

تناقضات "المجلس الأعلى للدولة" الليبي... حين تتحول المشاركة في الحوار إلى تهمة تُؤدي إلى إسقاط العضوية

تناقضات "المجلس الأعلى للدولة" الليبي... حين تتحول المشاركة في الحوار إلى تهمة تُؤدي إلى إسقاط العضوية


09/09/2026

 

في مشهد ليبي لا تعوزه المفارقات، يكشف المجلس الأعلى للدولة عن زاوية لافتة في مسارات فهم الحركة الخاصة بالمجلس وتناقضات الحركة في الداخل وضرورات ذلك في الخارج، خاصة بعدما قرر المجلس الأعلى للدولة، خلال جلسة الثلاثاء الماضي، إسقاط عضوية كل من علي عبد العزيز وعبد الجليل الشاوش، على خلفية مشاركتهما في الحوار المصغر الذي تديره البعثة الأممية.

إسقاط العضوية... عقوبة على الحوار أم رسالة سياسية؟

فالمجلس الأعلى للدولة، الذي يُفترض أن يحمل على عاتقه مهام التوافق السياسي ومسارات تحقيقه، يبدو أمام اختبار جاد، حين يجمّد مرة ويسقط أخرى عضوية اسمين من أعضاء المجلس، بينما تظل قنوات التواصل مع الأطراف الأخرى مفتوحة، خاصة إذا كانت خارجية.

وربما يطرح ذلك سؤالًا مُركّبًا حول ما إذا كان الحوار أصبح مقبولًا عندما يأتي عبر البوابة التي يختارها المجلس، ومرفوضًا عندما يتحرك خارج حسابات المصلحة وإدارة النفوذ؟

هذه الازدواجية، بكل تمثلاتها، تجعل المجلس أمام معادلة شديدة الاضطراب؛ فهو، من جهة، يتمسك بدوره في صياغة المشهد الليبي، ومن جهة أخرى، يواجه اتهامات متزايدة بأنّ مواقفه تتحرك وفق توازنات اللحظة ومواقع النفوذ والمصلحة السياسية.

لذلك، فإنّ إسقاط عضوية عبد العزيز والشاوش لا ينبغي قراءته كإجراء تنظيمي معلّق منذ عدة أشهر فحسب، بل كإشارة سياسية إلى حدود الحركة المسموح بها داخل المجلس، وإلى الصراع حول من يمثل المجلس في أيّ مسار تفاوضي قادم.

القرار يتجاوز مسار الإسقاط وأسماء العضوين، ليستقر، ولو قليلاً، عند دلالات القرار وتوقيته وهدف المجلس الأعلى للدولة من ذلك بالفعل، وهل ثمة مسار سياسي خرجت به اللجنة المصغرة "4+4"؟

إلى ذلك، قالت عضوة المجلس الأعلى للدولة، أمنية المحجوب، في تصريح لوسائل إعلام: إنّ المجلس قرر خلال جلسة عقدها  الثلاثاء الماضي إسقاط عضوية كل من علي عبد العزيز وعبد الجليل الشاوش، على خلفية مشاركتهما في حوار "4+4" الذي أدارته البعثة الأممية في ليبيا. وأوضحت المحجوب أنّ حكومة الدبيبة هي التي اختارت العضوين للمشاركة في الحوار، من دون الرجوع إلى رئاسة المجلس.

وتبدو دلالات اللحظة التي كُشف فيها عن قرار إسقاط العضوية عن النائبين لمشاركتهما في اللجنة متقاطعةً مع أنباء عن لقاء في تركيا يجمع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بالعاصمة التركية خلال نهاية الأسبوع، في محاولة إقليمية تبرز فيها تركيا لبحث مخرجات لجنة "4+4" والمستجدات السياسية.

في هذا السياق، يشير الكاتب الليبي عمر بوسعيّدة إلى أنّ التدقيق في مسار المجلس الأعلى للدولة يكشف عن تناقض كبير، خاصة في جوانبه الظاهرة، التي تتجلى في الممارسة الداخلية للتضييق، من خلال فرض العقوبات أو إسقاط العضويات، بالتوازي مع التحرك نحو حوارات خارجية، كلقاءات أنقرة. ويمكن فهم ذلك وفق المحددات التالية:

يمارس المجلس الأعلى للدولة سياسة يمكن وصفها بـ "تكتيك البقاء"، عبر توظيف الأدوات اللائحية والعقابية لضبط الجبهة الداخلية ومنع انشقاق الكتل المؤثرة، بينما يسعى خارجياً إلى إعادة إنتاج دوره كطرف رئيسي لا يمكن تجاوزه في أيّ تسوية سياسية.

ويمثل الذهاب إلى أنقرة، بحسب بوسعيّدة، في تصريحاته إلى "حفريات"، محاولةً لاستدعاء "الثقل الضامن" بغية إعادة موازنة القوى أمام الطرف الآخر، وتحويل الشرعية القانونية الهشة إلى نفوذ تفاوضي مدعوم بإسناد خارجي.

ويُظهر هذا السلوك ازدواجية في الخطاب؛ ففي الوقت الذي يُرفع فيه شعار الالتزام بالسيادة الوطنية والانضباط المؤسسي داخلياً، تفرض الممارسات النفعية واقعاً آخر، يقوم على الارتهان للتوازنات الإقليمية، بما يضمن الاستمرارية في المشهد السياسي.

وتتحرك الأجنحة والتنظيمات الدائرة في فلك هذا التيار وفق عقيدة سياسية ترى في "الاستقرار الناجز" تهديداً لوجودها، وذلك لخشيتها من الانحسار في بيئة الاحتكام الديمقراطي؛ إذ يُدرك تيار الإسلام السياسي والتنظيمات والهيئات الفاعلة التابعة له والمتحالفة معه أنّ الوصول إلى بيئة سياسية مستقرة، تُتوَّج بانتخابات حرة ومباشرة، قد يؤدي إلى تحجيم وزنه الانتخابي والشعبي، لذا يُفضّل إدارة الأزمة وإدامتها على الذهاب إلى حل حاسم قد يُخرجه من معادلة السلطة.

وينمو الفكر المنظّم لتيار الإسلام السياسي وتنظيمات الإخوان في ظل حالة السيولة الأمنية والانقسام المؤسسي، إذ تتيح له هذه الظروف ممارسة "التمكين الهادئ" والتوغل في مفاصل الدولة المالية والإدارية تحت مظلة التحالفات المؤقتة.

ويختتم الباحث الليبي عمر بوسعيّدة تصريحاته إلى "حفريات" بقوله إنّ أيّ مشروع للاستقرار في ليبيا لا يضمن معايير المظلة الفكرية أو المكتسبات الفئوية لهذا التيار، يُجابه بالرفض أو العرقلة التكتيكية، بهدف إعادة فرض شروطه وشلّ قدرة الأطراف الوطنية على بناء دولة المؤسسات والقانون.

من التضييق الداخلي إلى المناورة الخارجية... تكتيك "البقاء"

من جانبه، يذهب الباحث الليبي عبد الله الديباني إلى أنّ مجلس الدولة سيعمل على عرقلة هذا الاتفاق، وأنّ الإجراءات التي يتخذها الآن بحق العضوين اللذين شاركا في اتفاق "4+4" تمثل، في تقديره، نوعاً من أنواع بداية العرقلة.

ويقول الديباني في تصريحات إلى "حفريات": إنّ هذه العرقلة قد تدفع نحو اعتماد المسار الرابع من مقترحات اللجنة الاستشارية التابعة للبعثة الأممية، الذي يتضمن، بحسب رؤيته، إقصاء مجلس الدولة ومجلس النواب من المشهد السياسي، وإنشاء مجلس تأسيسي بقرار من الأمم المتحدة، ومن ثم بقرار من مجلس الأمن.

ويضيف أنّ ما يقوم به مجلس الدولة يأتي، على حد وصفه، في سياق نهج اعتاد عليه المجلس، يقوم على عرقلة المسارات السياسية والتنصل من أيّ اتفاق أو توافق من شأنه الدفع نحو حلحلة الأزمة الليبية.

ويؤكد الديباني في ختام حديثه أنّ ما يجري حالياً يمثل بداية لعرقلة المسار، ومؤشراً على عدم اعتماد اتفاق "4+4"، محذراً من أنّ استمرار هذا النهج قد يفتح الباب أمام خيارات سياسية أكثر جذرية في المرحلة المقبلة.

بدوره، لفت الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية فيصل بوالرايقة إلى أنّ خطوة مجلس الدولة بإسقاط عضوية الأعضاء الذين شاركوا في حوار لجنة "4+4" خطوة دالة على أكثر من مستوى للفهم.

ويتابع بوالرايقة في تصريحات إلى "حفريات" أنّ القرار أكبر من مجرد مسألة تعليق عضوية وأبعد من خلاف داخلي، كونه يحمل رسالة سياسية واضحة تتعلق بمن يملك حق تمثيل المجلس، ومن يملك حق الدخول في التفاهمات التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة.

ويتساءل: لماذا حدث إسقاط العضوية؟ ويجيب: إنّ مجلس الدولة يريد تثبيت حضوره داخل أيّ مسار سياسي قادم، ويريد أيضًا التأكيد على أنّ المشاركة في ترتيبات بهذا الحجم يجب أن تمرّ عبر بنية رئاسة المؤسسة وقرارها.

ويضيف أنّ الرسالة هنا لا تصل إلى أعضاء المجلس وحدهم، بل تمتد إلى البعثة الأممية، وإلى مختلف الأطراف الليبية المعنية بالمسار السياسي.

الاستقرار بوصفه تهديداً... لماذا يخشى الإسلام السياسي الانتخابات؟

المسألة، وفق قراءة بوالرايقة، أصبحت جزءاً من صراع أوسع حول من يملك حق صناعة المرحلة المقبلة، ومن يختار الممثلين، ومن يقرر شكل التوافقات التي يمكن أن تقود إلى انتخابات أو إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة.

وهنا يأتي السؤال الذي يهم المواطن الليبي أكثر من كل هذه التفاصيل: هل تقرّب هذه الخطوة ليبيا من الحل، أم تزيد من عمر الأزمة؟

فالناس تعيش منذ سنوات تحت وطأة الانقسام، والضغوط الاقتصادية، وتراجع الخدمات، وتعطل المؤسسات. 

وحول المرجّح في الأفق المنظور، يلفت الباحث الليبي إلى أنّ القرار يضع البعثة الأممية أمام خيارات جديدة.

فقد تتجه البعثة إلى توسيع دائرة الحوار وإدخال شخصيات ومكونات إضافية، بما يجعل قاعدة التفاهم أوسع وأكثر قدرة على استيعاب الخلافات.

وقد تذهب إلى صيغة حوار أوسع تضم المجلسين، إلى جانب قوى سياسية وقانونية واجتماعية أخرى، بحيث تصبح مخرجات الحوار أوسع من قدرة أيّ جسم منفرد على التحكم فيها.

وهناك أيضاً إمكانية الاستمرار في مسار "4+4"، مع إدخال تعديلات وضمانات جديدة تمنح الاتفاق فرصة أكبر للقبول.

ويبقى الخيار الأكثر حساسية هو بناء مسار سياسي أوسع يقلل من قدرة الأجسام الحالية على التحكم الكامل في عملية التسوية، وهو خيار ستكون له، بطبيعة الحال، حساباته ومخاطره السياسية.

ويخلص بوالرايقة إلى أنّ البعثة قد تجد نفسها تدريجياً أمام ضرورة توسيع دائرة الشرعية السياسية للحوار؛ فكلما ضاقت دائرة التوافق، ازدادت قدرة المعطلين، وكلما اتسعت، أصبحت فرص الوصول إلى مخرج حقيقي أكبر.

إذاً، يخلص بوالرايقة في ختام تصريحاته إلى "حفريات" إلى أنّ ديمومة تبعية المجلس الأعلى للدولة لتوجيهات وأهداف الإسلام السياسي، وعدم الاعتناء باستقرار الدولة ومستقبلها السياسي ووحدة أراضيها، يضع كل هذه المؤسسات على هامش التاريخ.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية