إيران و«لعبة المضائق» في هرمز وباب المندب: حسابات الأثر والعواقب

إيران و«لعبة المضائق» في هرمز وباب المندب: حسابات الأثر والعواقب

إيران و«لعبة المضائق» في هرمز وباب المندب: حسابات الأثر والعواقب


29/09/2026

تتباين الأطروحات السائدة حول دوافع الخطوات التصعيدية الأخيرة لجماعة الحوثي في اليمن تجاه المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتها حملتها البرية الواسعة لاستعادة السيطرة على مناطق الساحل اليمني الغربي، المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ثم إعلانها فرض حصار على موانئ المملكة انطلاقاً من تموضعها عند المضيق.

 

ولمن يُراقب الوضع الراهن في باب المندب، فإن المناوشات الجارية حول هذا الممر البحري الاستراتيجي، تبدو للوهلة الأولى، امتداداً للصراع اليمني المتواصل منذ أعوام. وتؤيد ذلك مؤشرات عدة؛ فعلى مستوى المواقف، أكدت القيادات الحوثية أن ما سمّته عملية «فرض الحصار على موانئ غرب المملكة العربية السعودية» جاء رداً على ما عدّته نقضاً سعودياً للهدنة المستمرة بين الجانبين منذ سنوات. وعلى مستوى الاعتبارات الاستراتيجية والعسكرية المحلية، تبدو الجهود التي بذلها الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة للسيطرة على باب المندب والشريط الساحلي المطل على البحر الأحمر، بما في ذلك الجزر، مفهومة في سياق سعيهم إلى امتلاك ورقة ضغط فاعلة في مواجهة الرياض، وفي أي مسار دبلوماسي قد ينتج عن هذه المواجهة. وتزداد أهمية هذه الورقة مع القيود المفروضة على شحن النفط عبر مضيق هرمز بفعل المواجهة الأمريكية–الإيرانية، بما يعزز اعتماد الاقتصاد السعودي على باب المندب في اللحظة الراهنة.

 

ومن دون نفي تلك المنطلقات والاعتبارات الميدانية والمحلية، يمكن، في سياق أعمق، قراءة الخطوات التصعيدية الحوثية بدلالات مختلفة، إذا ما أُخِذت المعطيات الإقليمية الراهنة في الحسبان. فهذه المعطيات لا تُختزل في المواجهة بين السعودية والحوثيين وحدها، بل ينبغي النظر إليها بوصفها حلقة من حلقات الصراع الدائر منذ أكثر من نصف عام بين المحور الإيراني والمحور الأمريكي. وعندئذٍ، تبدو الحملات التي يشنها الحوثيون على المملكة العربية السعودية جزءاً من ديناميات أوسع تُسهِم في تشكيل طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، كما يكتسب تركيزها على باب المندب دلالات جيو-استراتيجية تتجاوز الثنائي السعودي/الحوثي، لتشمل خريطة واسعة من الفاعلين الإقليميين والدوليين.

 

المحور الإيراني يستكشف «أثر المضيق»

لعلّ أهم ما أفرزته المواجهة العسكرية الجارية منذ فبراير الماضي بين إيران والولايات المتحدة هو إعادة اكتشاف «أثر المضيق». فبعد أن ظل سيناريو إغلاق مضيق هرمز كامناً في المخيلة السياسية الإيرانية لعقود، دفعته الحرب الجارية إلى السطح، بل قدّمته في صيغة هجومية، في مقابل الصيغة الدفاعية التي كان يتحدث عنها، أو يلمح إليها، صُنّاع القرار الإيراني قبل هذه الحرب.

 

وفي سياق إبراز أهمية «أثر المضيق»، أعلن أكثر من مسؤول إيراني، خلال الحرب، أن التداعيات الميدانية والسياسية للتحكم بورقة المضيق على مسار المعركة ومواقف الأطراف تفوق، في أثرها، ما كان يمكن أن يتركه امتلاك إيران للقنبلة النووية.

 

ولا ينجم «أثر المضيق» عن تداعيات إغلاقه على الاقتصادات المحلية لدول المنطقة فحسب، ومعظمها اقتصادات ريعية تعتمد على إيرادات النفط والغاز، بل يتصل أيضاً بما يخلّفه تعطيل الملاحة البحرية من آثار على الاقتصاد العالمي، سواء في قطاع الطاقة أو في القطاعات الاقتصادية الأخرى. فمضيق هرمز ممر تعبر منه 29% من صادرات الغاز المسال، و29% من التجارة البحرية للنفط الخام، و19% من التجارة الدولية للمواد البتروكيماوية. وقد راهنت إيران على أن هذا الأثر سيدفع الأطراف الإقليمية والدولية المتضررة إلى الضغط على الموقف الأمريكي بحثاً عن مخرج دبلوماسي سريع من المأزق الراهن.

 

وأدى إغلاق هذا الممر البحري الاستراتيجي إلى انخفاض حاد في صادرات دول الخليج من النفط الخام، قُدّر بنحو 36% لكل من الكويت والعراق، و48% للمملكة العربية السعودية في أغسطس الماضي، مقارنة بمعدلات ما قبل الحرب. وعلى الصعيد العالمي، حمّل إغلاق المضيق الاقتصاد الأوروبي خسائر قُدّرت بنصف مليار يورو يومياً، ورفع أسعار الوقود في الولايات المتحدة بنسبة 37% مقارنة بالعام الماضي، فضلاً عن آثاره السلبية في اقتصادات محلية أخرى حول العالم.

 

وبينما أسهم «أثر المضيق» في توجيه مواقف الأطراف المؤثرة في الصراع ودفعها نحو المسار الدبلوماسي، فقد عزّز في الوقت نفسه القناعة الإيرانية بأن الإمساك بعصب المضيق يمكن أن يردع نزوع الإدارة الأمريكية إلى خيار الحسم الشامل، ويدفعها إلى القبول بحلول مرحلية تمنح إيران قدراً من القوة على طاولة التفاوض، بما يجنّبها خيار «الاستسلام الكامل» الذي طالب به الرئيس دونالد ترمب. ويتعزز هذا التقدير بتصور إيراني يميل إلى أن عامل الزمن قد يعمل لمصلحة طهران في مواجهة إدارة أمريكية مقبلة على انتخابات نيابية مهمة، ولا تمتلك هامشاً مريحاً يضمن لها الحصول على الأغلبية فيها.

غير أن المخطط الذي سعت إيران إلى تطبيقه عبر توظيف «أثر المضيق» لإدارة الصراع العسكري والاقتصادي والمواقف التفاوضية والسياسية واجه عقبات كبيرة حالت دون نجاحه، إذ كان يقوم على دفع أسعار النفط إلى مستويات قادرة على تحريك الأسواق. فالاعتقاد نفسه بـ«أثر المضيق»، الذي دفع إيران إلى محاولة إغلاقه، دفع الولايات المتحدة ومختلف الأطراف المنخرطة في الصراع إلى ابتكار حلول تحدّ من تداعيات الإغلاق، خصوصاً بعد أن اتضح أن الدولة العميقة في إيران حوّلت هرمز من ملف قابل للتفاوض إلى موضوع سيادي لا يستطيع المفاوض الإيراني التحاور بشأنه أو المساس به.

 

وتمثّل أبرز تلك الحلول، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، في فرض حصار مضاد على الملاحة البحرية الإيرانية استهدف تصفير مبيعات النفط الإيرانية. ثم بادرت واشنطن إلى فتح ممر بحري في الجهة الجنوبية من المضيق، ودعمته عسكرياً، وهو ما أتاح، وفق المواقف الأمريكية المعلنة، مرور نحو مليار برميل من النفط الخام إلى الأسواق العالمية.

 

وعلى المستوى الإقليمي، فعّلت الأطراف قنوات بديلة لنقل النفط الخام بعيداً عن المضيق المتوتر. وكان أبرزها خط أنابيب حبشان - الفجيرة الإماراتي، القادر على نقل 1.5 مليون برميل، وخط أنابيب شرق - غرب السعودي، المعروف بـ«بترولاين»، الذي يتيح للرياض نقل نحو 7 ملايين برميل من النفط الخام. واتجهت أطراف أخرى إلى مسارات بديلة لصادراتها، من بينها الاعتماد على أسراب من آلاف صهاريج نقل النفط لإيصال شحنات الخام إلى تركيا أو إلى الموانئ السورية.

 

وكان «أثر المضيق» قد رفع أسعار النفط إلى نحو 111 دولاراً في مايو 2026، قبل أن تؤدي البدائل الإقليمية والأمريكية إلى انخفاض الأسعار إلى أقل من 71 دولاراً للبرميل في بداية يونيو، و79 دولاراً للبرميل في بداية أغسطس. وفي الوقت نفسه، توقفت صادرات النفط الإيرانية كلياً، لتنقلب «لعبة المضيق» في نسختها الأولى إلى أداة تضرب الاقتصاد الإيراني أكثر مما تضرب الاقتصادات الأخرى.

 

«أثر المضيق» في نسخته المزدوجة: هرمز وباب المندب

انطلاقاً من إدراك محدودية «لعبة المضيق» في نسختها الأولى، التي اقتصرت على الإخلال بالمرور عبر مضيق هرمز، ركزت إيران منذ منتصف الصيف الماضي على تفعيل نسخة ثانية منها عبر تحريك «ورقة باب المندب». وكانت صحيفة «كيهان» قد دعت، في 11 يوليو الماضي، إلى إغلاق باب المندب ردّاً على الإجراءات الأمريكية لمواجهة إيران في مضيق هرمز. وأشارت مصادر دولية إلى أن الجانب الإيراني طلب، قبل ذلك بعدة أيام، من حلفائه الحوثيين الاستعداد لإغلاق المضيق، وأن الجماعة اليمنية أنهت استعداداتها لتنفيذ المهمة. وبعد ذلك، في 13 يوليو، أعلن الحوثيون بدء تطبيق الحصار على موانئ غرب السعودية، ثم استهدفوا في اليوم التالي ناقلتي نفط سعوديتين تأكيداً لجديتهم في تنفيذ هذا المخطط.

 

غير أن التركيز على إغلاق باب المندب لم يكن وليد اللحظة التي سبقت التصعيد الأمريكي ضد إيران منتصف يونيو الماضي، ولا مجرد نتيجة لإدراك قصور النسخة الأولى من «لعبة المضيق» التي مارستها إيران؛ فقد كان خيار إغلاق مضيق باب المندب حاضراً في عدد من أوراق مراكز التفكير الإيرانية والدوائر القريبة من الدولة العميقة. وأشارت تلك المصادر إلى ضرورة تطبيق هذا السيناريو، أو الاستعداد له، منذ بدء المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة. ففي الأسبوع الثالث من المواجهة، تحدثت مراكز تفكير مقربة من الحرس الثوري عن ضرورة التخطيط لإغلاق باب المندب باعتباره إجراءً يُعجّل بتراجع إدارة الرئيس ترمب ويُعيد رسم توازنات القوة في غرب آسيا. وأكّد نواب متشددون في البرلمان الإيراني ضرورة التوجه إلى خيار إغلاق باب المندب، بوصفه ممراً استراتيجياً يترك إغلاقه أثراً كبيراً في الاقتصاد العالمي، ويتيح، من منطلق هذه المكانة، ممارسة الضغط على الولايات المتحدة لتعديل موقفها حيال إيران. وفي أبريل، عدّت صحيفة «جوان» المقربة من الحرس الثوري باب المندب الحلقة الثانية من أحزمة إيران الدفاعية، مُبينةً أن تداعياته قد تُعيد صياغة معالم المواجهة بين طهران وواشنطن. وأشار قائد فيلق القدس، الجنرال إسماعيل قاآني، إلى ضرورة ربط مضيق هرمز بباب المندب باعتبارهما حزاماً أمنياً يمكن لـ «محور المقاومة» توظيفه لإعادة رسم المعادلات في غرب آسيا.

 

ومن دون إغفال الدوافع المحلية التي حرّكت الحوثيين باتجاه السيطرة على باب المندب وتفعيل ورقته، فإن الحصيلة تشير إلى أن هذه الخطوة خدمت المصالح الإيرانية أكثر مما خدمت المصالح الحوثية المحلية. فقد بدت، في جوهرها، جزءاً من إعادة صياغة «لعبة المضائق» بعد أن تبيّن لطهران أن ورقة مضيق هرمز وحدها لا تكفي لتحقيق الغايات المرجوة من اللعبة.

 

وسواء عُدَّ تفعيل ورقة باب المندب جزءاً من خطة صيغت مسبقاً في مراكز التفكير الإيرانية، أو استجابة لضرورة فرضها فشل النسخة الأولى من «لعبة المضائق» على صانع القرار الاستراتيجي في إيران، فإن الخطوة بقيت في جوهرها أجندة إيرانية يُنفذها الحليف الحوثي، سواء بدافع القناعات العقائدية التي تربط الجماعة اليمنية بحاضنتها الروحية في إيران، أو بدافع تقاطع المصالح بين الطرفين. 

 

وإذا كانت الإجراءات الإقليمية والدولية المضادة قد أجهضت النسخة الأولى من «لعبة المضائق» الإيرانية، عبر خفض أسعار النفط التي راهنت طهران على بقائها مرتفعة، فإن النسخة الثانية، التي ضمّت باب المندب إلى هرمز، أعادت تحقيق هذا الارتفاع؛ إذ استقرت أسعار النفط فوق 108 دولارات للبرميل في منتصف سبتمبر الجاري.

رهانٌ على الوقت: مآلات «لعبة المضائق» في سياق المواجهة الكبرى 

تهدف «لعبة المضائق» — سواء بوصفها مشروعاً متكاملاً أُعدّ مسبقاً، أم مشروعاً يتجاوب مع ضرورات اللحظة — إلى تعديل ميزان القوة وتغيير الموقف الأمريكي من الملف الإيراني، عبر تحريك الرأي العام في الولايات المتحدة على أعتاب الانتخابات النصفية، والعزف على وتر أسعار الوقود، أو عبر تحريك المجتمع السياسي الإقليمي للضغط على قرار الإدارة الأمريكية. ومن هذا المنظور، تبدو اللعبة رهان استنزاف يعتمد على عامل الوقت، ويعوّل على تراجع الطرف الآخر قبل أن يفضي الحصار إلى إضعاف النظام الإيراني وربما تفككه.

 

وعلى الرغم من ادعاء الجانب الإيراني قدرته على إعاقة مرور ناقلات النفط في ممرات أخرى، فإن الواضح أن النسخة التي تجمع باب المندب ومضيق هرمز تمثل النسخة المكتملة، وربما الأخيرة، من «لعبة المضائق». وبذلك يصبح الرهان الإيراني قائماً على عنصري الصمود والزمن، في مقابل رهان الأطراف الإقليمية والدولية على إيجاد آليات لمعالجة التعطيل/الإرباك الإيراني لحركة الملاحة في المضيقين.

 

وتعوّل طهران على فاعلية هذه النسخة من اللعبة عبر حشد الرأي الخليجي باتجاه تعديل الموقف الأمريكي وتذويب الجليد بين الجانبين، أو دفع دول المنطقة إلى مسارات تفاهم مع إيران تتضمن تنازلات عربية لطهران. كما تراهن على الموقف الداخلي الحرج للإدارة الأمريكية، وهي على أعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والتي من المتوقع أن تتأثر نتائجها بأسعار الطاقة والوقود في الأسواق الأمريكية. وفي المقابل، يستند رهان الولايات المتحدة والقوى الإقليمية على إفشال المخطط الإيراني إلى ثلاثة اعتبارات:

1- الصمود الخليجي في مواجهة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن توقف الإيرادات النفطية، والتعويل على أن «تصرخ إيران أولاً» تحت وطأة الضغوط الناتجة عن الحصار الأمريكي.

2- حصول البلدان الخليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، على طرق بديلة لتصدير النفط. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى الأحاديث الجارية حول تصدير النفط عبر سلطنة عمان أو قناة السويس كإجراء احتياطي، إلى جانب التعويل على الخط الجنوبي الذي فتحته الولايات المتحدة في مضيق هرمز.

3- العودة إلى الخيارات العسكرية، سواء لمعاقبة إيران وفتح مضيق هرمز، أو لتحييد الخطر الذي يشكله الحوثيون على الملاحة عبر باب المندب. وفي هذا الإطار يمكن فهم الجهود التي تبذلها الرياض لتشكيل تحالف دولي لمواجهة الجماعة الحوثية، إلى جانب الأحاديث عن إرسال بعض الدول قطعاً بحرية إلى البحر الأحمر للمشاركة في تأمين طريق ناقلات النفط.

 

وبوجه عام، يمكن القول إن الضغط الإيراني عبر «لعبة المضائق» في نسختها الثانية ترك أثراً مباشراً في أسعار الطاقة العالمية، وعمّق التباينات في المواقف الإقليمية والدولية حيال كيفية التعامل مع المسألة الإيرانية، وأثار جدلاً داخل الولايات المتحدة حول سُبُل الخروج من الحرب. وعلى المستوى الإقليمي، بدأت تظهر دعوات إلى مبادرات تتضمن تنازلاً أمريكياً عن «حملة النبذ الاقتصادي»، والتوصل إلى توافق تدريجي يقوم على فتح المضائق مقابل امتيازات تُمنح لإيران. وإذا أُضيفت إلى ذلك تلميحات قيادات في الحرس الثوري إلى إمكان تفعيل «نسخة ثالثة» أوسع نطاقاً من «لعبة المضائق»، تشمل ممرات بحرية أخرى غير هرمز وباب المندب، فإن التقديرات الأولية لـ«أثر المضيق/المضائق» تبدو بحاجة إلى مراجعة.

 

مركز الإمارات للسياسات



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية