بين التهديد الإخواني والسلفي... الخطر الذي يواجهه المجتمع

بين التهديد الإخواني والسلفي... الخطر الذي يواجهه المجتمع

بين التهديد الإخواني والسلفي... الخطر الذي يواجهه المجتمع


02/09/2026

تخوض الدولة المصرية صراعًا قويًا مع جماعة الإخوان، ليس فقط منذ سقوط الجماعة من الحكم في العام 2013م، لكن منذ أربعينيات القرن العشرين، حيث رأت، وما تزال، في مشروعها المتجاوز لحدود الدولة الوطنية وهدفها في إقامة دولة بديلة للدولة القائمة التي ترى أنّها غير متوافقة مع النموذج الإسلامي المتخيل لديها، رأت في ذلك تهديدًا مباشرًا يتطلب العديد من الإجراءات التي تساهم في الحد من هذا التهديد.

وفي ظل هذا الصراع والشد والجذب المتبادل الذي ينتج عنه تحجيم الجماعة والحد من انتشارها حينًا وتركها لتعمل وتنتشر في المجتمع حينًا آخر، ينطلق التيار السلفي، غير الجهادي، في المجتمع كالسيل الذي يتغلغل في فراغات وشقوق أرضه ويُنتج ثمار ذلك أفكارًا وأفرادًا وتنظيمات تشكل التهديد نفسه، والخطر ذاته فيما بعد، ورغم ذلك لا ينتبه المجتمع إلى هذا التهديد بالقدر ذاته الذي ينتبه إليه حيال جماعة الإخوان.

أوجه التشابه ومصادر التهديد

على الرغم من الاختلاف الظاهر بين جماعة الإخوان والتنظيمات والتيارات السلفية، مثل الدعوة السلفية بالإسكندرية، إلا أنّ هذا الاختلاف يتعلق بالمسارات والمواقف وليس بالمنطلقات الفكرية التي تنطلق منها، فهذه المنطلقات هي التي تجعل من التقارب بين هذه التنظيمات أمرًا ورادًا في ظروف معينة، وتجعل من انتقال الأفراد فيما بينها محتملًا وسلسًا في ظل سياق معين، يجعل من التهديد الذي يمثله كل منها متشابهًا، فإن كان الإخوان يمثلون الخطر الحالي، فإنّ السلفيين يمثلون الخطر المؤجل، إذ هم الذين يمهدون الأرض ويهيئون المناخ ويوفرون التربة المناسبة التي تظهر فيها كل التنظيمات الدينية بما فيها تلك التنظيمات الأكثر تطرفًا.

ومن الأمثلة على المنطلقات الفكرية التي يشترك فيها الإخوان مع السلفيين:

1. توصيف الواقع:

يُعدّ هذا التوصيف نقطة البداية التي يأتي بعدها العديد من الأفكار والقناعات، وتتشكل في ضوئها المسارات والممارسات والمواقف المختلفة، فمن خلال توصيف التنظيمات للواقع على نحو معين؛ فإنّها تستطيع بعد ذلك أن تستدعي النصوص الدينية وتفسرها بشكل يناسب هذا التوصيف ويخدمه ويؤكده، وتستطيع أن تقرأ التاريخ وأحداثه في ضوء هذا التوصيف كذلك، وهذا التوصيف مفاده أنّ المجتمع لا يعرف الإسلام ولا يفهمه بشكل صحيح، وفهمه له ملتبس وغير سليم، وأنّ الشريعة لم تعد قائمة، وأنّه تم تهميشها وإزاحتها لصالح قوانين وتشريعات غربية علمانية، وأنّ الأنظمة الحاكمة تحارب الإسلام وتسعى إلى القضاء عليه، وأنّ التيارات الفكرية والسياسية تعمل على تغريب المجتمع والقضاء على هويته الإسلامية؛ وينتج عن هذا التوصيف عدد من النتائج؛ منها ضرورة إعادة الإسلام ليحتل دوره المركزي في المجتمع، وذلك من خلال تكوين الفئة أو الجماعة أو العصبة المؤمنة التي يقع عليها هذا العبء، تعمل على إقامة دولة تحكمها تلك الفئة لتتولى مهمة استعادة المجتمع المسلم وفق نموذج متخيل لديها.

يقول البنا في ذلك على سبيل المثال: "كل النظم التي تسيرون عليها في شؤونكم الحيوية نظم تقليدية بحتة لا تتصل بالإسلام ولا تُستمدّ منه ولا تعتمد عليه"، وفي موضع آخر يقول: "إنّ العالم حائرٌ يضطرب، وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه ولا دواء إلا الإسلام، فتقدموا باسم الله لإنقاذه".

وقريبًا من ذلك يقول ياسر برهامي رئيس الدعوة السلفية: "إذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم، فإننا نجد الانحراف عن دين الله إلى مناهج الباطل والضلال منتشرًا في الأفراد والمجتمعات، ممّا يستوجب على كل مسلم غيور على دينه ألّا يقف موقف المتفرج السلبي الذي يتحسر على وجود الفساد دون أن يحرك ساكنًا لإزالته".

 .2الدولة الإسلامية:

تشترك التنظيمات في أنّ لديها هدفًا كبيرًا تسعى إلى الوصول إليه، وهو إقامة دولة وفق نموذج معين له سمات محددة في مخيلتها، وتختلف فيما بينها على آلية الوصول إليه، ويأتي هذا الهدف انطلاقًا من توصيف هذه التنظيمات للواقع كما وضحنا منذ قليل.

وهدف الدولة واضح كل الوضوح في فكر ومشروع جماعة الإخوان، حيث حدد البنا الهدف الرئيس للجماعة المتمثل في إقامة الدولة الإسلامية، ويسبق ذلك، وفق تصوره، المرور بعدة مراحل؛ هي إيجاد الفرد المسلم ثم الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم ثم الدولة الإسلامية ثم الخلافة.

أيضًا تضع الدعوة السلفية هدف الدولة أمامها كهدف رئيس، يقول برهامي في ذلك: "الطائفة الظاهرة على الحق هم المؤهلون لتحقيق التغيير المنشود، ولن تكون الخلافة على منهاج النبوة إلا من خلال عمل أهل السنّة والجماعة ومنهجهم ودعوتهم"، ويقول كذلك: إنّهم يعملون بوسائل وطرق مختلفة منتظرين أن تقوم تلك الدولة المنشودة "وأمّا نهاية المطاف وكيف تُقام دولة الإسلام بعد ذلك، فنحن لا نوجب على الله أمرًا معينًا".

.3 الجهاد:

يمثل مفهوم الجهاد أحد المفاهيم الرئيسية المشكِّلة لعقل التنظيمات، والجهاد مفهوم قرآني تتم ممارسته وفق شروط معينة ضد من يناصبون الدولة العداء، وفي صورة أخرى منه كان أداة لعرض الإسلام على أمم ومجتمعات لم تسمع عنه وحال ملوكها دون وصوله إليها، وهاتان الصورتان معروفتان في الفقه تحت عنوان "جهاد الدفع" و"جهاد الطلب"، لكنّ الأزمة تبدأ عند هذه التنظيمات من نقطة توصيف الواقع؛ فإذا كانت هذه النظرة إلى الواقع مفادها أنّ الإسلام غير قائم، وكانت الصورة الذهنية عن الذات مفادها أنّ هذه التنظيمات تمثل الإسلام، وعن الآخر بأنّه يحارب الإسلام ويعاديه؛ حينئذٍ سوف يكون لمفهوم الجهاد عند هذه التنظيمات تصور آخر، ويكون الطرف المعني بممارسة الجهاد ضده مختلفًا عن مقصد الشريعة.

يرى البنا أنّ الجهاد لا يقتصر على الأعمال الدفاعية التي تستهدف صد العدوان حال وقوعه على الدولة، ولكنّه يرى أنّ الجهاد وسيلة لنشر الدعوة في العالم كله وأنّ دوره هو "نشر العدل بين الناس وتبليغ رسالة الله، حتى لا يبقى في الأرض كافر واحد، وحتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله"، ويرى ياسر برهامي أنّ الواجب جهاد غير المسلمين من كل الأجناس، أهل الكتاب وغيرهم، وأنّ السلف قالوا بنسخ آيات الموادعة والصفح والعفو، وأنّ العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم اتفقوا على أنّه يلزم المسلمين عند القدرة ابتداء الكفار بالقتال ولو لم يقاتلوا المسلمين.

4. منهج التغيير:

من أبرز الأمور التي تختلف فيها التنظيمات ما يتعلق بمنهجها في التغيير، والمقصود بهذا المنهج هو الوسائل والأدوات التي تستخدمها التنظيمات من أجل الوصول إلى هدفها الرئيس المتمثل في إقامة الدولة، وعلى الرغم من هذا الاختلاف إلا أنّ هناك مساحة مشتركة فيما يتعلق بهذا الأمر بين التنظيمات المختلفة، فمن حيث المبدأ ينتهج كل منها منهجًا مغايرًا للآخر، فهناك من يسلك طريق المشاركة السياسية، وهناك من يسلك طريق التربية والإعدادـ وهناك من يسلك طريق العمل المسلح، لكنّ جميع هذه التنظيمات ترى في أدبياتها أنّ استخدام القوة أمر ممكن في سياق معين وظروف محددة، ومن يفضل منهم عدم استخدام القوة فليس لرفض المبدأ في ذاته ولكن لأنّ شروط استخدامها ليست متوافرة، وهو ما سوف يعود عليها بأثر سلبي.

يقول البنا في ذلك: "متى تكون خطواتنا تنفيذية؟ في الوقت الذي يكون فيه منكم ـ معشر الإخوان المسلمين ـ ثلاثمئة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيًا بالإيمان والعقيدة، وفكريًا بالعلم والثقافة، وجسميًا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني أن أخوض بكم لُجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزوا بكم كل عنيد جبار...، إنّي أُقدّر لذلك وقتًا ليس طويلًا، فأشعروا أنفسكم العبء وألّفوا الكتائب وكوّنوا الفرق، وأقبلوا على الدروس، وسارعوا إلى التدريب، وانشروا دعوتكم إلى الجهات التي لم تصل إليها بعد".

وترى الدعوة السلفية كذلك أنّ شروط استخدام منهج القوة غير متوافرة، وأنّ حالة الضعف التي يمرّ بها التنظيم تفرض عليه منهجًا قائمًا على السلمية والكمون، يقول برهامي في ذلك: "هذا ما قرره أهل العلم، يقول ابن تيمية: فمن كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمّن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأمّا أهل القوة فإنّما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون".

يبدو من ذلك أنّ التهديد الذي تمثله جماعة الإخوان تجاه المجتمع هو التهديد نفسه الذي يمثله التيار السلفي، بل ربما يزيد الأخير عليه في أنّه تهديد ناعم غير ملموس في كثير من الأحيان والمراحل، حتى يظهر في صورة ظواهر اجتماعية وأفراد لهم ممارسات معينة وتنظيمات تهدد المجتمع بشكل مباشر.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية