
لم يكن الكشف عن استخدام الكيماوي في السودان من قبل الجيش الذي تتغلغل فيه القوى الإسلاموية وتخادمها على المستويين السياسي والعسكري، أمراً مباغتاً، بل إنّ هناك سوابق عديدة لتقارير وتحقيقات محلية وأممية ألمحت لشبهات مماثلة. كما أنّ دورة الحرب الممتدة منذ قرابة ثلاثة أعوام تفصح عن طبقة خفية ومستترة هي رغبة قوى عديدة في الداخل والخارج إطالة أمد النزاع على حساب المدنيين والتوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب لصالح مصالح جيواستراتيجية واقتصادية. إذ لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى صراع تتداخل فيه حسابات السلطة والنفوذ مع المصالح الاقتصادية والارتباطات الإقليمية.
إعادة بناء شبكات الإسلاميين
وقد برزت مجدداً شبكات الإسلاميين المرتبطة بنظام الرئيس السابق عمر البشير، بعدما تمكنت من إعادة بناء حضورها داخل المعسكر الموالي للجيش، مستفيدة من حاجة القوات المسلحة إلى المقاتلين والشبكات التنظيمية والموارد التي تمتلكها تلك القوى. ولا يعني ذلك أنّ الإسلاميين يملكون وحدهم قرار الحرب أو أنّ استمرار القتال يخدمهم حصراً، لكنّ المعطيات كافة تشير إلى أنّ شبكات مرتبطة بالنظام السابق أصبحت جزءاً مؤثراً من البنية العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تتيح استمرار الحرب، ووجدت هذه الشبكات في القتال فرصة لاستعادة نفوذ خسرته بعد سقوط البشير عام 2019.
لم ينتهِ نفوذ الحركة الإسلامية السودانية بسقوط نظام البشير. فخلال ثلاثة عقود من الحكم تمكن النظام من بناء شبكة واسعة ومتينة داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة والاقتصاد، ضمن سياسة "التمكين" التي هدفت إلى إحلال الموالين للنظام في مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة. وبحسب دراسة لمعهد "تشاتام هاوس"، أدى نظام البشير إلى نشوء شبكة متداخلة من المصالح بين المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والقطاع التجاري، وأصبحت الحركة الإسلامية القوة السياسية الأساسية خلف النظام. ومع فقدان السودان عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، اكتسب الذهب أهمية متزايدة باعتباره مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية.
ومع اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2013، أعادت هذه الشبكات تنظيم صفوفها داخل معسكر الجيش، وبرزت تشكيلات مسلحة ذات خلفية إسلامية، في مقدمتها كتيبة "البراء بن مالك". وتذكر "رويترز" أنّ الحركة الإسلامية السودانية تعمل على استعادة موقعها السياسي من خلال دعم الجيش، مشيرة إلى وثيقة قدمها مسؤول إسلامي كبير للوكالة تفيد بمشاركة الحركة في الحرب منذ بدايتها وتقديمها آلاف المقاتلين خلال العام الأول، إلى جانب تدريب أعداد كبيرة من المدنيين الذين التحقوا بالقتال إلى جانب الجيش.
وتكشف هذه المعطيات عن معادلة متبادلة، مفادها أنّ الجيش يحتاج إلى الشبكات الإسلامية لتعزيز قدرته البشرية والتنظيمية في الحرب، وتحتاج تلك الشبكات إلى الجيش باعتباره المؤسسة الأكثر قدرة على إعادة إنتاج نفوذها السياسي بعد سقوط نظام البشير. وأصبحت كتيبة "البراء بن مالك" أحد أبرز التشكيلات المرتبطة بالإسلاميين داخل المعسكر المؤيد للجيش.
ولهذا، اتخذت الولايات المتحدة في آذار/مارس الماضي خطوة أكثر حدة تجاه هذه الشبكات، إذ أدرجت جماعة الإخوان المسلمين السودانية على قوائم العقوبات، وربطت بها كتيبة "البراء بن مالك"، التي صنفتها واشنطن أيضاً منظمة إرهابية أجنبية وكياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً بشكل خاص. ويعكس القرار تحولاً في النظرة الأمريكية إلى الإسلاميين السودانيين، من كونهم مجرد تيار سياسي متحالف مع الجيش إلى اعتبار بعض مكوناتهم جزءاً من البنية المسلحة التي تشارك في الحرب وتؤثر في مسارها.
الإسلاميون وآليات تمويل الحرب
من اللافت أنّ النفوذ الإسلامي داخل معسكر الجيش لا يمكن فهمه بمعزل عن الاقتصاد؛ فالذهب يمثل أحد أهم مصادر التمويل المرتبطة بالحرب السودانية، كما أنّ السيطرة على قطاع التعدين وتجارة الذهب كانت، قبل اندلاع القتال، جزءاً من التنافس بين مراكز القوة العسكرية والأمنية في البلاد. وبالعودة إلى دراسة "تشاتام هاوس"، فإنّ الجيش راكم خلال سنوات حكم البشير نفوذاً واسعاً في قطاع الذهب، وإنّ التداخل بين المصالح الأمنية والعسكرية والتجارية أدى إلى نشوء ما يشبه "المجمع العسكري-الصناعي" الذي امتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة، بينها الذهب.
وتشير الدراسة إلى أنّ مؤسسات عسكرية وأمنية وشبه عسكرية حصلت على امتيازات في قطاع التعدين، وأنّ جزءاً كبيراً من إنتاج الذهب السوداني جرى تهريبه إلى الخارج بدلاً من مروره عبر القنوات الرسمية. وتربط الدراسة بين التنافس على الذهب والموارد وبين الصراع السياسي الذي سبق الحرب، معتبرة أنّ المنافسة بين الجيش وقوات الدعم السريع على النفوذ الاقتصادي كانت أحد العوامل التي أسهمت في تفاقم الخلاف بين الطرفين. إذ إنّ المسألة لم تعد تتعلق فقط بوجود موارد تمول العمليات العسكرية، وإنّما بنشوء مصالح اقتصادية مرتبطة باستمرار السيطرة على الأراضي ومناجم الذهب وشبكات التصدير والتهريب.
وتقول الدراسة إنّ شبكات مرتبطة بالجيش والنظام السابق تستفيد من الاقتصاد المرتبط بالذهب، وإنّ عائدات هذا القطاع توفر موارد يمكن استخدامها لتمويل الحرب وشراء الأسلحة.
ويمكن القول إنّه بعد سنوات من القطيعة التي بدأت بقطع الخرطوم علاقاتها مع طهران عام 2016، عادت إيران إلى المشهد السوداني من بوابة الدعم العسكري للقوات المسلحة. وقد حصل الجيش السوداني على طائرات مُسيّرة إيرانية، بينها "مهاجر-6"، إلى جانب أسلحة ومعدات أخرى، وأشارت تقارير عديدة إلى وجود قنوات اتصال وتعاون بين طهران وبعض التشكيلات المقاتلة إلى جانب الجيش.
وبحسب "فايننشال تايمز" فإنّ إيران قدمت دعماً عسكرياً للجيش السوداني، وتحدثت عن علاقات بين طهران وتشكيلات إسلامية مسلحة تقاتل إلى جانب القوات المسلحة. وتوضح أنّه في آذار/مارس 2026، ومع اندلاع المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ظهرت داخل السودان مواقف من شخصيات وتشكيلات مرتبطة بالمعسكر الإسلامي تعلن تأييدها لطهران وتدعو إلى القتال إلى جانبها، الأمر الذي دفع قيادة الجيش إلى محاولة ضبط هذه المواقف، خصوصاً أنّ البرهان يسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على علاقات وثيقة مع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية.
وليس خافياً أنّ السودان يمتلك ساحلاً استراتيجياً على امتداد البحر الأحمر، ويقع في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة والطاقة بين الخليج والبحر الأحمر وشرق أفريقيا، بينما يتاخم باب المندب. وبذلك، فإنّ أيّ نفوذ إيراني طويل الأمد في السودان لا يمكن فصله عن استراتيجية "الحرس الثوري" وطهران الأوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويتزامن ذلك كله مع الدور الذي يلعبه الحوثيون في اليمن، في تهديد الملاحة الدولية عبر باب المندب، ومع الصراع على مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8600.png.webp?itok=vRqWVyy9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_3.jpg.webp?itok=RALbdgKJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860.jpg.webp?itok=PzvOY8kk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_6.jpg.webp?itok=LuKLJT-6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A.jpg.webp?itok=wltKGtT4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_6.jpg.webp?itok=jXFWOhm8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8.jpg.webp?itok=_QVyjph6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_2.jpg.webp?itok=ftDKTUTD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_3.jpg.webp?itok=23s6iXLo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7_0.jpg.webp?itok=1stAAPiH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_2.jpg.webp?itok=vYjEA8ir)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_0.jpg.webp?itok=fJUvVYE5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_173_1.jpg.webp?itok=BONerrMi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_131.jpg.webp?itok=LyxbWFMD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88.png.webp?itok=aOTb9fgx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_45.jpg.webp?itok=E5OY6-MW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86.jpg.webp?itok=6NR9l7ZM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)