سقوط «الخلافة» لم يُنهِ الخطر.. الإرهاب يغيّر قواعد اللعبة بشبكات عابرة للحدود

سقوط «الخلافة» لم يُنهِ الخطر.. الإرهاب يغيّر قواعد اللعبة بشبكات عابرة للحدود

سقوط «الخلافة» لم يُنهِ الخطر.. الإرهاب يغيّر قواعد اللعبة بشبكات عابرة للحدود


27/09/2026

لم يكن سقوط آخر معاقل تنظيم داعش في سوريا عام 2019 نهاية لمسار الإرهاب الجهادي، بقدر ما مثّل نقطة انتقال نحو نموذج مختلف في التنظيم والحركة والتأثير، فبعد سنوات من محاولة فرض السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا وإقامة كيان يمتلك مؤسسات مالية وإدارية وإعلامية، تراجعت أولوية السيطرة على الأرض لصالح شبكات أكثر مرونة، وخلايا أصغر، وأدوات رقمية قادرة على تجاوز الحدود.

وتبحث دراسة نشرها المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات في 26 سبتمبر، بعنوان «الإرهاب بعد داعش ـ من التنظيمات الجغرافية إلى الشبكات العابرة للحدود»، التحول الذي طرأ على بنية الإرهاب الدولي بعد انهيار مشروع «الخلافة». 

وترى الدراسة أن الهزيمة العسكرية لداعش لم تقضِ على الظاهرة، وإنما دفعت التنظيمات المتطرفة إلى إعادة بناء أساليبها بما يتناسب مع واقع أمني جديد.

وكان داعش قد قدم نموذجًا مختلفًا عن التنظيمات الإرهابية التقليدية عندما جمع بين السيطرة العسكرية والإدارة المحلية والموارد المالية والدعاية المنظمة، مستفيدًا من انهيار مؤسسات الدولة والصراعات المسلحة في العراق وسوريا. وأصبح امتلاك الأرض جزءًا أساسيًا من مشروعه، فيما تحولت المدن والمناطق التي سيطر عليها إلى قاعدة لإنتاج الموارد وتجنيد العناصر وإدارة عملياته.

لكن خسارة الأراضي قلبت المعادلة، فالتنظيم الذي كان يحتاج إلى مساحة جغرافية واسعة للحفاظ على نفوذه أصبح قادرًا على العمل من خلال خلايا متناثرة وعمليات محدودة، فيما انتقلت مساحة مهمة من نشاطه إلى الإنترنت. 

وبدل أن تكون الحدود الجغرافية عائقًا أمام الحركة والتواصل، باتت الأدوات الرقمية تسمح بالتواصل ونشر الدعاية والوصول إلى أفراد في دول بعيدة عن مناطق النزاع.

وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول لا يخص داعش وحده، بل يعكس تغيرًا أوسع في طبيعة الإرهاب المعاصر، حيث أصبحت الخلايا اللامركزية والعمليات الفردية والدعاية الرقمية من أبرز الأدوات التي تستخدمها التنظيمات المتطرفة للحفاظ على قدرتها على التأثير.

 وبذلك، لم تعد الحاجة إلى هيكل تنظيمي ضخم أو منطقة سيطرة معلنة شرطًا لاستمرار النشاط الإرهابي.

وتبرز منطقة الساحل الأفريقي وأفغانستان وأجزاء من آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا ضمن البيئات التي شهدت تنامي نشاط الجماعات المرتبطة بالتنظيمات الجهادية. 

وتربط الدراسة هذا الانتشار باستغلال ضعف مؤسسات الدولة والفراغات الأمنية والصراعات المحلية، وهي ظروف تسمح للتنظيمات بإعادة بناء نفوذها دون الحاجة إلى تكرار تجربة «الخلافة» التي خسرها داعش في العراق وسوريا.

وتكشف هذه الخريطة الجديدة أن الجغرافيا لم تختفِ من حسابات الإرهاب، لكنها لم تعد الهدف الوحيد. فالتنظيمات المتطرفة تستطيع استغلال مناطق تعاني ضعفًا أمنيًا أو سياسيًا لتكوين شبكات محلية، ثم ربطها بمساحات أوسع من خلال وسائل الاتصال الحديثة.

في الوقت نفسه، دخل الفضاء السيبراني بقوة في هذه المعادل، إذ لم يعد الهاتف والمنصة الرقمية مجرد وسيلتين لنشر الرسائل الدعائية، وإنما تحولا إلى أدوات للتجنيد والتأثير والاستقطاب. وتلفت الدراسة إلى أن التطور التكنولوجي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، يضيف تحديات جديدة أمام أجهزة الأمن والاستخبارات، بسبب إمكانية توظيف التقنيات الحديثة في إنتاج المحتوى المتطرف والتأثير في السلوك والاستقطاب الرقمي.

ويعد أخطر ما كشفته مرحلة ما بعد داعش ليس اختفاء الإرهاب بعد سقوط «الخلافة»، وإنما قدرته على تغيير شكله.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية