مهدي عاكف.. عسكري جماعة الإخوان

صورة ماهر فرغلي
كاتب مصري وباحث في شؤون الحركات الإسلامية
590
عدد القراءات

2017-10-14

لم يكن مرشد الإخوان الأسبق محمد مهدي عاكف، سوى عسكري الجماعة، أو "الجهادي" كما لقّبه القيادي الإخواني محيي عيسى، وعضو الجماعة كمال الهلباوي، فهو من أسهم في تحويلها فعلياً إلى جماعة يسيطر عليها النظام الخاص، الذي كان أحد أعضائه، في الفترة التي تولّى فيها مرشداً وانتهت في كانون الثاني )يناير( العام 2010.
لم يكن غريباً على مثله أن تبدأ حياته مع الإخوان عضواً عسكرياً وهو في ريعان شبابه، لذا فقد سجن العام 1954 وحكم عليه بالإعدام ليقضى شهوراً مرتدياً اللباس الأحمر، قبل أن يخفّف الحكم إلى السجن 25 عاماً انتهت في العام 1974، الذي بدأ فيه رحلته الأخرى، لتشكيل الجناح العالمي للجماعة، مساعداً لمصطفى مشهور، ثم تولى منصب المرشد، وشارك في قيادة مركب الجماعة رمزاً إبان وصولها للسلطة، حتى عزلها، ودخوله السجن؛ حيث قضى فيه يوم 22 أيلول (سبتمبر) 2017 عن 89 عاماً.
عسكرة منذ البداية
قصة عسكري الجماعة بدأت حينما انتقل إلى القاهرة ليعيش بمنطقة السكاكيني الشعبية، وفيها حصل على شهادة التوجيهية (الثانوية العامة) من مدرسة فؤاد الأول الثانوية، والتحق بالمعهد العالي للتربية الرياضية، وتخرج في أيار (مايو) 1950، وعمل بعد تخرجه مدرساً للرياضة البدنية.
في القاهرة التحق عاكف العام 1940 بجماعة الإخوان، وانضمّ للنظام الخاص، وكان عسكرياً بدرجة مقاتل، واعتقل بعد انكشاف تورطه بتهريب وإيواء عضو الجماعة عبد المنعم عبد الرؤوف، وبعد خروجه من السجن العام 1974 كلفته الجماعة بالذهاب إلى أوروبا؛ حيث عمل مديراً للمركز الإسلامي بميونيخ، وكان أحد مؤسسي التنظيم العالمي للجماعة.
شغل عاكف منصب رئيس قسم الطلبة الذي كان أهم الأقسام في جماعة الإخوان وكان يتولاه حسن البنا بنفسه، كما تولى رئاسة قسم التربية الرياضية بالمركز العام للجماعة، وانتخب عضواً بمكتب الإرشاد في جماعة الإخوان العام 1987، وكان أحد خمسة وثلاثين عضواً بمجلس الشعب مثلوا كتلة الإخوان في البرلمان العام 1987.

 ساهم عاكف في فترة ولايته الإخوان في تصعيد جيل 65 ومجموعة العشرات وما عرف بمجموعة القطبيين

دافع عاكف، عن عبد الرحمن السندي، رئيس الجناح العسكري السابق للجماعة، كما برّأه من قتله لرفيقه في التنظيم السيد فايز، وقال: إن النظام الخاص أو السري للجماعة كان نظاماً عسكريا "هدفه إعداد نخبة منتقاة من الإخوان المسلمين للقيام بمهمات خاصة والتدريب على العمليات العسكرية ضد العدو الخارجي ومحو الأمية العسكرية للشعب المصري في ذلك الوقت".
في مذكراته التي نشرتها صحيفة الإخوان (الحرية والعدالة)، قال عاكف: إن حسن البنا مؤسس الجماعة والمرشد الأول لها اختاره للنظام الخاص الذي قال إنه كانت له "أهداف سامية".

أصدرت "حسم" بعد وفاة عاكف بياناً تهديدياً فضح أكذوبة الإخوان بعدم تبعية هذه المجموعة المسلحة لها

وذكر أنّ اغتيال رئيس الوزراء السابق محمود فهمي النقراشي في 1948 والقاضي أحمد الخازندار في وقت سابق من نفس العام حدث في إطار "تصرفات فردية لا تحسب على الجماعة ومبادئها وأهدافها، كما لا تحسب على التنظيم الخاص كله"، مضيفاً "لم يكن كل قيادات الجماعة تعلم بأمر التنظيم الخاص".
شارك عاكف في أعمال النظام الخاص الإرهابية، ومنها: تفجير أقسام الشرطة بالقاهرة، في 26 شهري تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) 1946، واغتيال الخازندار في 22 آذار (مارس) 1948، واغتيال النقراشي باشا في 28 كانون الأول (ديسمبر) 1948 في القاهرة، ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر في المنشية العام 1954.
نكبة على الجماعة
تزوج عاكف من شقيقة القيادي، عضو النظام الخاص، ونائب المرشد الحالي للجماعة محمود عزت، وبعدها كلّفه المرشد الثالث للجماعة عمر التلمسانى بالسفر إلى السعودية، ليترأس خلالها الندوة العالمية للشباب، ومنها انطلق إلى ألمانيا ليساهم في تأسيس مركز إسلامي بميونخ، هو وغالب همت، ويقوم بنشاط واسع في أوروبا.
عاد عاكف إلى مصر وشارك في انتخابات مجلس الشعب العام 1987، ليكون ظهوره نكبة على جماعته بسبب تصريحاته الغريبة، التي هاجم فيها كل القوى السياسية المناوئة للإخوان بلا استثناء.
في العام 1996 تم اتهامه بمسؤوليته عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وحكم عليه بالسجن ثلاثة أعوام، وخرج من السجن العام 1999، وظل عضواً بمكتب الإرشاد حتى تولى منصب المرشد العام بعد وفاة المستشار محمد مأمون الهضيبي في كانون الثاني (يناير) العام 2004، وفي عهده زاد نشاط التنظيم الدولي، وما يسمى المخيمات للشباب الإسلامي على الساحة العالمية بدءاً من السعودية والأردن وماليزيا وبنغلاديش وتركيا وأستراليا ومالي وكينيا وقبرص وألمانيا وبريطانيا وأمريكا.
ساهم عاكف في فترة ولايته الإخوان في تصعيد جيل 65، ومجموعة العشرات، وما عرف بمجموعة القطبيين التي استمرت في التنظيم، وتميزت فيما بعد عن جماعة القطبيين التي أسست جماعة منفصلة، لذا فقد شهد عهده سلسلة من الانشقاقات منها؛ انشقاق أبو العلا ماضي، وتأسيسه حزب الوسط.
"طز في مصر"، أشهر كلمات المرشد الأسبق لجماعة الإخوان، محمد مهدي عاكف في حديث مسجل له مع الصحفي سعيد شعيب، وأثناء الانتخابات الرئاسية التي ترشح فيها محمد مرسي كان تصريحه الصادم العام 2011: "إن أنصار الإخوان سيضربون بالجزمة من يهاجمهم إذا وصلوا للحكم"، وذلك في حوار شهير مع  مجلة المصور مما دفع الصحفي لوضع عنوان صارخ يقول: جزمة المرشد برنامج الإخوان لحكم مصر.

صرّح عاكف أنّ أنصار الإخوان "سيضربون بالجزمة" من يهاجمهم إذا وصلوا للحكم

أول مرشد عام "سابق" 

صدامه الحقيقي كان داخل مكتب الإرشاد مع ما يعرف بفريق الإصلاحيين، وعلى رأسهم؛ محمد حبيب وعبد المنعم أبو الفتوح، وهو ما أجبره في النهاية على عدم استكمال فترة ثانية، فتم اختيار محمد بديع مرشداً عامّاً بعده العام 2010، ليحمل لقب "أول مرشد عام سابق" في حياته، لكنه ظل رمزاً من رموز الجماعة يمارس نشاطه بفعالية داخل  صفوفها بدون توقف.

وكان من تصريحاته التي أثارت زوبعة، حينما ظهر على فضائية المنار الشيعية مثنياً على حزب الله اللبناني. وطالب بتشكيل كتائب للقتال معهم من شباب جماعة الإخوان؛ بل ودعا لوقف الحرب على الحوثيين، وعدم استدراجهم للمعارك.
عقب عزل الإخوان عن الحكم، تم القبض عليه واعتقل ضمن حملة شملت الآلاف من جماعة الإخوان، ووجهت له تهم عديدة من بينها "إهانة القضاء" على خلفية تصريحات نسبتها له صحيفة كويتية، قال فيها إن "القضاء فاسد"، وبرّأته المحكمة من هذه التهمة في أيار (مايو) 2014، إلا أنّه بقي في السجن بتهم أخرى تتعلق بقتل متظاهرين.

رحيل يفضح أكاذيب الإخوان
أصيب عاكف بمرض السرطان، وتم نقله في بداية العام 2017 إلى مستشفى القصر العيني الفرنساوي بقلب القاهرة، ووضع بالعناية المركزة، حتى وافته المنية، على إثر تدهور صحته.
جماعة الإخوان اتهمت الحكومة المصرية بسوء معاملة عاكف؛ بل ووصلت إلى اتهامها بقتله، إلا أنّ المعلومات التفصيلية، أنّها سمحت له باصطحاب أسرته داخل المستشفى، وتقديم الرعاية المتكاملة له، وصرح مسؤول في الداخلية، إنّ عاكف يخضع للقضاء ولا علاقة لهم بالأمر، وأن مسألة العفو عنه ليست بيدهم.

الغريب أنّ جماعة الإخوان في بيان لها نعت عاكف، وهددت النظام المصري، وبعد ذلك البيان بدقائق، أصدرت مجموعة حسم الإخوانية المسلحة بياناً مفصلاً هددت فيه بشن حرب مسلحة على النظام المصري، رغم أنّ الجماعة كانت تنفي جملة وتفصيلاً تبعية هذه المجموعة المسلحة لها.
الإخوان استغلت موت عاكف، ولقّبته بـ"الشهيد المجاهد"، ودفعت في صناعة مظلومية بشكل كبير، إلا أنّ الأهم هو أنّ مدرسة عاكف العسكرية، التي بدأت في سجن ليمان طرة، وانتهت أيضاً فيه على خلفية قضايا لها علاقة بعسكرة التنظيم، بعد أن مات بقيت أفكاره وتلاميذه يسيطرون على مفاصل الجماعة، ليس في مصر وحدها، بل في دول كثيرة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: