تحذيرات أمريكية من معرقلي الانتقال السياسي في ليبيا... الإخوان المسلمون في مرمى عقوبات واشنطن

تحذيرات أمريكية من معرقلي الانتقال السياسي في ليبيا... الإخوان المسلمون في مرمى عقوبات واشنطن

تحذيرات أمريكية من معرقلي الانتقال السياسي في ليبيا... الإخوان المسلمون في مرمى عقوبات واشنطن


05/11/2026

في تصريحات حملت تحذيراً لمعرقلي الانتقال السياسي في ليبيا، أكد مستشار الرئيس الأمربكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أنّ واشنطن لن تتردد في اتخاذ إجراءات صارمة ضد الأطراف التي تعرقل المسار السياسي الليبي.

وقال بولس إنّ المبادرة الأمريكية تهدف إلى دعم تشكيل سلطة تنفيذية موحدة قادرة على بسط سيادة الدولة، مشيراً إلى أنّ العقوبات الدولية قد تطال الأفراد والجهات التي تعرقل الانتقال السياسي في ليبيا أو تقوضه.

وأضاف أنّ الانقسام السياسي الليبي ما يزال قائماً بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في الغرب، والحكومة المكلفة من مجلس النواب في الشرق.

إلى ذلك، يبدو أنّ التحذير الذي وجّهه بولس قد يشمل، في مجمله، أطرافاً عديدة، بيد أنّ تشكيلات جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، ولا سيّما تيار دار الإفتاء والمجلس الأعلى للدولة، تبدو من بين الأطراف الأكثر عرضة لاحتمال شمولها بالعقوبات والإجراءات الأمريكية.

ولا ريب في أنّ أزمة المشهد السياسي الليبي تتفاقم في ظل الانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب، ووقوع البلاد في خضم التجاذبات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يدفع بالأوضاع نحو مزيد من التعقيد، لا سيّما في ظل ما يمكن وصفه بتموضع قوى الإسلام السياسي في غرب ليبيا في مواجهة أيّ تحرك من شأنه الدفع باتجاه حلحلة الانسداد السياسي. ويتجلى ذلك، وفق هذا الطرح، في التصريحات التي يصدرها الصادق الغرياني عبر منصة "التناصح"، فضلاً عن تحركات المجلس الأعلى للدولة الرافضة لأيّ توافق مع مجلس النواب في شرق ليبيا.

وبناءً على ذلك، قد يبدو، من الناحية النظرية، أنّ ثمة توافقاً دولياً وإقليمياً على حزمة من الإجراءات الرامية إلى إخراج ليبيا من دائرة الانقسام والضعف المؤسسي، عبر توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، مروراً بتشكيل حكومة تنفيذية تمثل البلاد شرقاً وغرباً، وصولاً إلى إجراء الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والبرلمانية.

أمطيريد: نفوذ الغرياني وتحالفات الإسلام السياسي في طرابلس تعرقل التسوية... وعقوبات أمريكية مرتقبة خلال الأشهر المقبلة

في هذا السياق لفت الباحث الليبي محمد عادل أمطيريد إلى وجود حالة من التخبط داخل المعسكر الغربي في ليبيا، وتحديداً في طرابلس، إزاء التطورات السياسية الأخيرة والتحركات التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب تحركات اللجنة المعنية بالمسار السياسي، مشيراً إلى أنّ الأطراف ذاتها تبدو أحياناً متجاوبة مع مسارات التوافق والتوقيع على الاتفاقات المطروحة، بينما تتجه في أحيان أخرى إلى المماطلة وتعطيل هذه المسارات.

وتساءل أمطيريد خلال تصريحاته إلى "حفريات" عن أسباب هذا التباين في المواقف، موضحاً أنّ بعض التفسيرات تربط هذا التخبط بالضغوط التي تمارسها أطراف محسوبة على المفتي المعزول الصادق الغرياني على حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، معتبراً أنّ الحكومة تفتقر إلى الاستقلالية الكافية في اتخاذ قراراتها السياسية والأمنية والعسكرية.

وأضاف أنّ الغرياني يمارس، بحسب تقديره، نفوذاً واسعاً على دوائر صنع القرار في طرابلس، رغم عدم امتلاكه صفة رسمية في مؤسسات الدولة، مشبهاً طبيعة هذا النفوذ بدور المرشد الأعلى في إيران، من حيث التأثير في التوجهات السياسية والقرارات المتعلقة بالحرب والسلم، على حد تعبيره.

وأشار الباحث الليبي إلى أنّ دوائر من التيارات المتشددة تحيط بالغرياني، معتبراً أنّ الخطاب الصادر عن هذه الدوائر يتضمن مواقف تحريضية وتكفيرية تجاه بعض الأطراف الليبية. واتهم هذه التيارات بالارتباط بخطابات وممارسات متطرفة، وبالتعاطف أو الدعم السابق لجماعات مسلحة، من بينها تنظيم داعش وأنصار الشريعة.

وتابع أمطيريد أنّ توظيف الخطاب الديني في الصراعات السياسية يمثل خطراً على المجتمع الليبي، لافتاً إلى أنّ ما وصفه بسياسة التكفير والترهيب واستغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي والاجتماعي، فضلاً عن تأثيراته في المجال الديني والعقائدي.

وأوضح أنّ دار الإفتاء والتيارات المرتبطة بها قد لا تكون متجاوبة مع التطورات السياسية الراهنة، في حال ترتب عليها تقليص نفوذها أو سحب الصلاحيات التي تمتعت بها خلال مراحل سياسية سابقة، مشيراً إلى أنّ هذه المؤسسة، بحسب قراءته، كانت حاضرة في مسارات سياسية سابقة، من بينها حوارات جنيف والصخيرات، فضلاً عن مرحلة حكومة فائز السراج.

وفي سياق ذي صلة، أشار أمطيريد إلى ما وصفه بوجود دعم خارجي لدار الإفتاء في طرابلس، متحدثاً عن دور محتمل لمنظمة "ويلتون بارك" البريطانية في دعم حضورها. وهي مسألة تستدعي، بطبيعة الحال، التحقق من طبيعة هذا الدعم وأدلته ومصادره.

واختتم الباحث الليبي حديثه بالتأكيد على أنّ التحولات السياسية المرتقبة قد تؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، معتبراً أنّ الأطراف التي اعتادت امتلاك صلاحيات وتأثير واسع قد تعارض أيّ تسوية تفضي إلى تقليص دورها. وأضاف أنّ هذا المشهد قد ينعكس على مواقف القوى المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين والتيارات المتحالفة معها، فضلاً عن التشكيلات المسلحة التي تتقاطع مصالحها مع هذه القوى، في ظل أيّ مسار يستهدف توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي.

وخلص أمطيريد  في ختام تصريحاته إلى "حفريات" بالإشارة إلى أنّه يتوقع بدء الترتيبات المتعلقة بفرض عقوبات على هذه الأطراف خلال الأشهر المقبلة، في ضوء التحركات الأمريكية الرامية إلى دفع العملية السياسية في ليبيا وإنهاء حالة الانقسام، مؤكداً أنّ القوى التي تعرقل مسار التسوية قد تجد نفسها أمام إجراءات دولية تستهدف الحد من نفوذها السياسي والعسكري.

الحاسية: التنظيمات الإسلامية الرافضة للمبادرة الأمريكية في ليبيا قد تكون على رأس قائمة العقوبات المحتملة لواشنطن

من جانبه، قال الأكاديمي الليبي عاطف الحاسية إنّه يعتقد أنّ الولايات المتحدة تتجه نحو عدم التعامل مع التنظيمات الإسلامية، بمختلف أطيافها وتوجهاتها، مشيراً إلى أنّ ليبيا قد تمثل، من الناحية الأمنية والإرهابية، إحدى البيئات الأقلّ خطورة مقارنة بساحات أخرى، إلا أنّ الإشكالية، من وجهة نظره، تتجاوز البُعد الأمني إلى طبيعة المواقف العقائدية والسياسية لبعض التيارات والشخصيات النافذة.

ولفت الحاسية في تصريحاته إلى "حفريات" إلى أنّ مجموعة المفتي، إلى جانب عدد من الشخصيات ذات التوجهات العقائدية، تتبنّى مواقف تعتبر الولايات المتحدة خصماً أو عدواً، على حد وصفه، موضحاً أنّ واشنطن ظلت حذرة في التعامل مع هذه الأطراف، حتى خلال فترات سابقة شهدت تقاطعات ومصالح متبادلة، ولا سيّما إبّان مرحلة الربيع العربي.

وأضاف أنّ وجود إدارة جمهورية برئاسة دونالد ترامب في البيت الأبيض قد يعزز هذا النهج الأمريكي الحذر تجاه تلك التنظيمات، مشيراً إلى أنّ طرابلس تضم مجموعات أعلنت، في أكثر من مناسبة، رفضها للمبادرة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس بشأن تسوية الأزمة السياسية الليبية، بل إنّ بعضها اتخذ مواقف معارضة لها بصورة صريحة.

واعتبر الحاسية أنّ هذه الأطراف قد تكون ضمن الجهات المستهدفة بالعقوبات الأمريكية المحتملة، لافتاً إلى أنّ معيار الاستهداف قد يرتبط، في تقديره، بالمواقف المعلنة تجاه الولايات المتحدة، ومدى وضوح العداء للسياسة الأمريكية، فضلاً عن معارضة الجهود الرامية إلى حلحلة الأزمة السياسية في ليبيا.

وفي هذا السياق، شدد الأكاديمي الليبي على ضرورة الانتباه إلى أنّ مختلف الأطياف السياسية الليبية أُتيحت لها فرصة المشاركة في اللقاءات التي عقدها مسعد بولس، وجلوسها إلى طاولة الحوار، الأمر الذي يعني، بحسب قراءته، أنّ واشنطن منحت مختلف الأطراف فرصة للتفاعل مع مبادرتها، وأنّ المواقف التي ستتخذها هذه الأطراف تجاه مسار التسوية ستكون محل متابعة وتقييم أمريكيين.

التاجوري: تنظيمات الإسلام السياسي في غرب ليبيا ضمن حسابات العقوبات الأمريكية بسبب عرقلة التسوية وتكريس الانقسام

بدوره، يرى الكاتب الليبي عصام التاجوري أنّ المقاربة الأمريكية تجاه الأزمة الليبية تشهد تحولاً جوهرياً، في ظل اللحظة الراهنة التي يعاد فيها رسم الخرائط الجيوسياسية في حوض البحر المتوسط وحزام الساحل الأفريقي، موضحاً أنّ واشنطن لم تعد تكتفي بإدارة النزاع الليبي، بل تتجه نحو ممارسة ضغوط متزايدة لفرض تسوية سياسية شاملة تتناغم مع قرارات مجلس الأمن الدولي الصادرة مطلع الشهر الجاري بخصوص ليبيا.

ولفت التاجوري في حديثه  إلى "حفريات " أنّ التلويح الأمريكي بسلاح العقوبات لم يعد مناورة إعلامية أو مجرّد تهديد تقليدي بتجميد الأصول، بل بات يتجه، بحسب تقديره، نحو استراتيجية ضغط مالي أكثر تعقيداً، تقوم على تشديد الرقابة على التعاملات المصرفية الدولية، والاستفادة من أدوات النظام المصرفي العالمي، وفي مقدمتها نظام "سويفت"، بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي، لتعقب شبكات النفوذ وتجفيف منابع التمويل والإنفاق الموازي، وعزل القوى المعرقلة دولياً.

وأشار إلى أنّ هذه المقاربة تضع مختلف الأطراف الليبية، دون استثناء، أمام احتمالات الاستهداف الأمريكي، سواء تعلق الأمر بتشكيلات مسلحة أو نخب تنفيذية في غرب البلاد تتمسك بالوضع القائم وترفض تسليم السلطة إلى حكومة موحدة، أو أطراف تشريعية تدفع باتجاه اتخاذ خطوات أحادية في ملفات حساسة، من بينها النفط والحدود البحرية.

وفي معرض استشهاده بجدية التوجه الأمريكي، أشار التاجوري إلى تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، التي أكد فيها أنّ الأطراف التي تعرقل الانتقال السياسي أو تقوضه ستواجه عواقب أفعالها، بما في ذلك احتمال إدراجها في قوائم العقوبات، مشدداً على أنّ واشنطن لن تسمح بحرمان جيل كامل من فرص الازدهار والاستقرار خدمة لمصالح شخصية ضيقة.

ومن هذه الزاوية، اعتبر الحقوقي الليبي أنّ تنظيمات الإسلام السياسي والتيارات المحسوبة عليها في غرب ليبيا، ولا سيّما المنصات القريبة من دار الإفتاء والكتل المتشددة داخل المجلس الأعلى للدولة، تتحمل، وفق قراءته، جانباً من المسؤولية عن استمرار حالة الانسداد السياسي، من خلال التمسك باستمرار المراحل الانتقالية وعرقلة أيّ تقارب جاد من شأنه إنهاء حالة الانقسام.

وأضاف أنّ هذه القوى تستند إلى تحالفات براغماتية وتقاطعات في المصالح مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي توفر لها، بحسب تقديره، غطاءً مالياً وتمكيناً مؤسسياً، مقابل ما تحصل عليه الحكومة من دعم سياسي وديني يسهم في حماية استمرار سلطتها في طرابلس.

ولفت التاجوري إلى أنّ هذه التحالفات قد تكون ضمن دوائر الرصد والمتابعة الأمريكية، ليس بالضرورة انطلاقاً من اعتبارات إيديولوجية، وإنّما بالنظر إلى مدى تأثيرها في المصالح الاستراتيجية لواشنطن، وفي مقدمتها استقرار تدفقات الطاقة، ومكافحة الإرهاب، وحماية استقلال المؤسسات الاقتصادية والمهنية الليبية.

وأوضح أنّ المقاربة الأمريكية لا تقتصر على الفاعلين المحليين، بل تمتد لتشمل الأطراف الإقليمية والدولية التي تسهم في تكريس الانقسام الليبي، أو توظف الجغرافيا الليبية منطلقاً لتهديد الأمن الإقليمي في منطقتي المتوسط والساحل الأفريقي.

وفي هذا السياق، أشار إلى أنّ أدوات الردع الأمريكية، بما فيها التشريعات المتعلقة باستقرار ليبيا وآليات العقوبات الدولية، تتيح لواشنطن ممارسة ضغوط على الجهات التي توفر دعماً مالياً أو عسكرياً لشبكات النفوذ والقوى المعرقلة داخل البلاد، بما قد يضع بعض العواصم الإقليمية والدولية أمام خيارات أكثر صعوبة في التعامل مع الملف الليبي.

واختتم التاجوري بالإشارة إلى أنّ واشنطن تسعى، من خلال توظيف أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والمالي، إلى دفع مختلف الأطراف نحو الانخراط في خريطة طريق تفضي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي، وصولاً إلى إرساء أسس الاستقرار السياسي المستدام.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية