
ليس أصعب ما في الحرب أن تموت، فالموت، مهما كان قاسياً، يضع حداً للخوف، ولكنّ الأصعب أن تنجو، ثم تكتشف أنّ النجاة لم تكن نهاية الخطر، بل بداية حياة أخرى لا تشبه الحياة التي عرفتها.
في غزة، هناك أحياء كثيرون لا يستطيعون أن يصفوا أنفسهم بالناجين تماماً، لقد نجوا من القصف، لكنّهم فقدوا بيوتهم، ونجوا من الموت، لكنّهم فقدوا أحباءهم، ونجوا بأجسادهم، لكنّ بعضهم ترك جزءاً من ذاكرته تحت الركام، وحين يقال لهم، "لقد نجوتم"، ربما لا يعرفون ماذا يجيبون.
وماذا يعني أن تنجو في مدينة ما تزال الحرب فيها حاضرة في تفاصيل يومك؟، وأن تستيقظ وأوّل ما تفعله هو البحث عن أفراد عائلتك، وأن تنام وأنت لا تعرف إن كان المكان الذي تستلقي فيه سيظل قائماً حتى الصباح، وأن تحفظ مواقع الخيام ومراكز الإيواء أكثر ممّا تحفظ عناوين البيوت، وأن يصبح الحصول على الماء والطعام والدواء إنجازاً يومياً، لا حقّاً طبيعياً؟
فالحرب لا تقتل الإنسان فقط عندما تصيبه قذيفة، وأحياناً تبدأ في قتله بطريقة أبطأ، حين تسلبه الإحساس بالأمان، وتدفعه إلى الشك في الغد، وتجعله يعيش يومه كما لو أنّه آخر يوم.
في غزة تغيّر معنى الأشياء، ولم يعد البيت جدراناً وسقفاً، بل أصبح ذاكرة، وصورة قديمة، ومفتاحاً يحتفظ به صاحبه رغم أنّه لم يعد يعرف أين سيستخدمه، وصار المنزل الذي كان يجمع العائلة حول مائدة واحدة مكاناً لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الحكايات.
وتغير معنى المدرسة أيضاً، ولم تعد مجرد مكان للتعليم، وصارت عند كثيرين ذكرى لطفولة انقطعت، أو خيمة يتعلم فيها الأطفال كيف يكتبون وسط عالم لا يترك لهم مساحة كافية للعب.
حتى الطريق لم يعد طريقاً، بل صار احتمالاً، والليل لم يعد وقتاً للنوم، وصار امتحاناً جديداً للخوف، وهذه التحولات قد تبدو صغيرة أمام حجم الموت والدمار، لكنّها في الحقيقة تكشف جانباً آخر من الحرب، الحرب التي تستمر داخل الإنسان بعد أن يهدأ صوت القصف.
ونحن نعرف كيف نعدّ القتلى، ونعرف كيف نحصي الجرحى والمنازل المدمرة والنازحين، ونعرف كيف تتحول الكارثة إلى أرقام في البيانات والتقارير، لكن من يستطيع أن يحصي عدد المرات التي ارتجف فيها طفل عند سماع صوت قوي؟ ومن يستطيع أن يقيس ثقل أم فقدت القدرة على تخيل مستقبل أبنائها؟ ومن يستطيع أن يحسب السنوات التي يحتاجها إنسان كي يشعر بالأمان من جديد؟.
فهناك خسائر لا تدخل في الجداول، والخوف واحد منها، والانتظار واحد آخر، والحياة المؤجلة خسارة أيضاً.
وفي غزة، لا ينتظر الناس انتهاء الحرب فقط، بل ينتظرون أشياء أبسط بكثير، أن يعود الطفل إلى المدرسة، وأن يجد المريض علاجاً، وأن يستطيع الأب توفير وجبة لعائلته، وأن تنام الأم دون أن توقظها أصوات الانفجارات، وأن يعود الإنسان إلى عمله دون أن يفكر كلّ لحظة في كيفية حماية أطفاله.
فالحرب تجعل المستقبل شيئاً بعيداً، والإنسان الذي كان يخطط لعام كامل قد يصبح عاجزاً عن التخطيط ليوم الغد، وهنا ربما تكمن واحدة من أكثر نتائج الحرب قسوة، أنّها لا تدمّر ما نملكه فقط، بل تدمر قدرتنا على تخيل ما يمكن أن نملكه.
فالطفل الذي يكبر في الحرب لا يتعلم الخوف من الكتب، بل من الأصوات، فبات يعرف الفرق بين صوت الطائرة وصوت القصف، ويعرف متى يجب أن يختبئ، وأين يجلس حين يهتز المكان، ويتعلم أسماء أشياء لم يكن ينبغي لطفل أن يعرفها أصلاً، ومع ذلك، لا يمكن اختزال أطفال غزة في صورة الضحية.
فهم يلعبون حين يجدون مساحة للعب، ويضحكون رغم كل شيء، ويبتكرون ألعاباً من الأشياء المتاحة، ويتشاجرون على قطعة حلوى، ويحلمون بأن يصبحوا أطباء ومهندسين ولاعبين وصحفيين.
وهذا تحديداً ما يجب ألّا تسرقه الحرب منهم، حقهم في أن يكونوا أطفالاً، فالحرب لا ينبغي أن تحدد هوية جيل كامل، ولا ينبغي أن يصبح الطفل في غزة مجرد شاهد على الخراب، لكنّ المشكلة أنّ الحرب لا تنتهي عندما يتوقف القصف.
وماذا عن الشاب الذي فقد عمله؟ وماذا عن المرأة التي أصبحت مسؤولة عن أسرة بعد فقدان زوجها؟ وماذا عن المريض الذي يحتاج إلى علاج غير متوفر؟ وماذا عن الشخص الذي بتر طرفه وأصبح عليه أن يتعلم المشي والحياة من جديد؟ وماذا عن الأسرة التي ستعود يوماً إلى مكان لم يعد فيه منزل؟ وماذا تعني العودة أصلاً عندما لا يكون هناك مكان للعودة إليه؟.
وربما لهذا السبب فإنّ الحديث عمّا بعد الحرب يحتاج إلى معنى أكبر من إعادة بناء الجدران، فإعادة بناء غزة لا تعني إعادة الإسمنت فقط.
فهناك أناس يحتاجون إلى استعادة قدرتهم على الثقة، وأطفال يحتاجون إلى مدارس آمنة، ومرضى يحتاجون إلى علاج وتأهيل، وأسر تحتاج إلى استقرار اقتصادي، وصحفيون يحتاجون إلى أدوات للعمل، وأمهات يحتجن إلى أن يشعرن أنّ أبناءهن يمكن أن يكبروا دون أن يعيشوا التجربة نفسها.
والمدينة يمكن أن تُبنى بالحجارة، لكنّ الإنسان لا يعاد بناؤه بالطريقة نفسها، وإذا كان العالم سيقيس نجاح مرحلة ما بعد الحرب بعدد المباني التي أعيد تشييدها، فقد يفوت الجزء الأهم من القصة، ماذا حدث للإنسان الذي سيعيش داخل تلك المباني؟.
وهناك خطر آخر أكثر هدوءاً، أن يعتاد العالم على غزة، وأن تتحول صور الخيام والركام والوجوه المتعبة إلى مشهد مألوف، وأن يصبح موت الفلسطينيين رقماً جديداً في شريط الأخبار، ثم ينتقل الجميع إلى خبر آخر.
وأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نتوقف عن رؤية الألم، بل أن نراه كثيراً إلى درجة أنّه لا يعود يؤلمنا، أمّا أهل غزة، فلا يملكون رفاهية الاعتياد؛ فكل شيء يذكرهم بما حدث، شارع كان هنا، بيت لم يعد موجوداً، صورة لشخص غاب، طفل يسأل عن أبيه، مقعد فارغ على مائدة، أو هاتف يحتفظ برسالة لن تصل إلى صاحبها مرة أخرى.
لهذا، فإنّ السؤال الحقيقي ليس فقط، كم شخصاً قتلت الحرب؟ وإنّما السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً هو كم إنساناً غيّرت الحرب إلى الأبد؟.
ولا أقول ذلك لأقللّ من قيمة النجاة، على العكس، النجاة في غزة فعل يومي شاق، لكنّ النجاة لا تعني العودة تلقائياً إلى الحياة السابقة، فالإنسان قد يخرج من تحت الركام، بينما يبقى شيء منه هناك، وقد ينجو الجسد، لكن يحتاج القلب إلى سنوات حتى يفهم أنّه نجا.
ومع ذلك، ثمة شيء لا تستطيع الحرب أن تنتزعه بسهولة، وهو قدرة الإنسان على إعادة تعريف حياته، وفي كل مرة يزرع فيها شخص نبتة قرب خيمته، أو يفتح طفل كتاباً، أو تحاول أم إعداد وجبة لعائلتها، أو يعود صحفي إلى عمله رغم فقدان أدواته، أو يحاول جريح تعلم استخدام طرف صناعي، هناك إعلان صغير بأنّ الحرب لم تحصل على كل شيء.
هذه الأفعال قد تبدو عادية، لكن في مدينة أريد لها أن تنشغل بالبقاء فقط، يصبح التفكير في المستقبل فعلاً إنسانياً عميقاً.
وغزة لا تحتاج فقط إلى من يوثق عدد من ماتوا فيها، تحتاج أيضاً إلى من يسأل عن الذين بقوا، كيف يعيشون؟ وماذا فقدوا؟ وماذا يريدون؟ وما الذي يحتاجونه كي لا تتحول النجاة إلى عقوبة طويلة؟.
فالناجي ليس مجرد شخص لم يمت، الناجي إنسان له الحق في أن يعيش، وله الحق في أن يخطط، ويعمل، ويتعلم، ويضحك، ويبني بيتاً، ويزرع شجرة، ويربي أطفاله دون أن يعلمهم أسماء الأسلحة قبل أسماء الأحلام.
وربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لأيّ حديث عن نهاية الحرب، ليس كم بقي من الأبنية واقفاً، بل كم بقي في الإنسان من قدرة على أن يبدأ من جديد، لأنّ غزة لن تحتاج بعد الحرب إلى إعادة بناء الحجر فقط، وستحتاج إلى إعادة بناء فكرة الحياة نفسها، والذين لم تقتلهم الحرب ليسوا فصلاً ثانوياً في الحكاية، إنّهم الحكاية التي تبدأ بعد أن ينتهي عدد القتلى.
وإذا كان العالم يريد حقاً أن يقول إنّ الحرب انتهت، فعليه أن يسأل أوّلاً: هل يستطيع الذين بقوا على قيد الحياة أن يعيشوا؟.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_2.jpg.webp?itok=mwKfPlGc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_21.jpg.webp?itok=HUsMK_hM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_0.png.webp?itok=L1UdloZc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_94.jpg.webp?itok=anKOZZOp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_1.jpg.webp?itok=FkYzd_V-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_1.jpg.webp?itok=hmvKohxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=6cbyJokN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_0.jpg.webp?itok=ZOauTL0H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%860.jpg.webp?itok=PZBBTIqI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_173_1.jpg.webp?itok=BONerrMi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_45.jpg.webp?itok=E5OY6-MW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_0.jpg.webp?itok=y5cnmXeS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84_18_0_0_0_0.jpg.webp?itok=3qtN-dh5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88.png.webp?itok=aOTb9fgx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86.jpg.webp?itok=6NR9l7ZM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)