الذكاء الاصطناعي.. سلاح التطرف الجديد لتجنيد العقول وضرب الدول

الذكاء الاصطناعي.. سلاح التطرف الجديد لتجنيد العقول وضرب الدول

الذكاء الاصطناعي.. سلاح التطرف الجديد لتجنيد العقول وضرب الدول


01/10/2026

لم يعد خطر التنظيمات المتطرفة مرتبطًا فقط بما تملكه من أسلحة أو قدرتها على تنفيذ هجمات ميدانية، إذ يفتح التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أمامها مجالًا جديدًا للتحرك، أكثر اتساعًا وأقل وضوحًا، يقوم على استغلال الفضاء الرقمي للوصول إلى العقول قبل الأهداف المادية.

وتسلط دراسة نشرها مركز «تريندز للبحوث والاستشارات»  الضوء على التحول الذي طرأ على أدوات التطرف، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي قد يمنح الجماعات المتشددة وسائل أكثر تطورًا لإعادة إنتاج خطابها، واستهداف فئات محددة، وتجاوز أساليب الرصد التقليدية.

وتستند الفكرة إلى تجربة تنظيمَي «داعش» و«القاعدة» في استثمار الإنترنت خلال السنوات الماضية، بعدما تحولت المنصات الرقمية إلى مساحة رئيسية للدعاية والاستقطاب، ولا سيما بين الشباب. 

ومع تراجع «داعش» ميدانيًا منذ عام 2017، لم تختفِ البيئة الرقمية التي استفادت منها التنظيمات المتطرفة، بل دخلت مرحلة جديدة يمكن أن تجعل المحتوى المتطرف أكثر سرعة وانتشارًا وصعوبة في التمييز عن المحتوى الحقيقي.

وتشير الدراسة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن تتيح إنتاج مواد دعائية شديدة الواقعية، فضلًا عن إمكانية تطوير أساليب استقطاب مخصصة لكل مستخدم وفق اهتماماته ونقاط ضعفه، وهو ما ينقل عملية التجنيد من الرسائل العامة إلى مخاطبة الأفراد بطريقة مباشرة ومدروسة.

الخطر هنا لا يتعلق فقط بإنتاج صور أو مقاطع مزيفة، وإنما بإمكانية بناء خطاب متطرف قادر على التكيف مع الشخص المستهدف، وإعادة تقديم الأفكار نفسها بصيغ مختلفة بحسب اهتماماته ومخاوفه ومشكلاته. وبهذه الطريقة، يمكن أن تتحول الخوارزميات من أدوات لتوزيع المحتوى إلى وسيلة لتحديد الأشخاص الأكثر قابلية للتأثر به.

ولا يتوقف الأمر عند الدعاية والتجنيد، إذ تفتح التقنيات الجديدة الباب أمام مخاطر مرتبطة بالأمن السيبراني، من اختراق البيانات إلى استغلال المعلومات المسربة والضغط على المؤسسات والأفراد. 

وتلفت الدراسة إلى أن انتقال الجماعات المتطرفة إلى المجال الرقمي قد يمنحها قدرة على تهديد مؤسسات الدولة والبنى التحتية دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة أو هجوم تقليدي.

وتزداد خطورة هذا التحول بسبب الطبيعة المزدوجة للذكاء الاصطناعي؛ فالتقنيات ذاتها التي تستخدمها الدول في تحليل البيانات ورصد التهديدات يمكن أن تحاول الجماعات المتطرفة توظيفها في التخفي والمناورة وصناعة المحتوى وتوسيع نطاق الاستقطاب.

 لذلك، لم تعد المواجهة الأمنية مقتصرة على حماية الأنظمة والشبكات، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة المجتمعات على اكتشاف التضليل ومقاومة التلاعب الرقمي.

وتستعيد الدراسة تجربة الهجوم السيبراني واسع النطاق الذي تعرضت له إستونيا عام 2007، عندما استهدفت هجمات حجب الخدمة مواقع حكومية ومصرفية وإعلامية، لتوضح كيف يمكن لأدوات رقمية أن تشل قطاعات حيوية من دون استخدام سلاح تقليدي. وتقدم هذه التجربة نموذجًا مبكرًا لتحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة للصراع، قبل أن تضيف تقنيات الذكاء الاصطناعي مستويات جديدة من التعقيد إلى هذا التهديد.

في هذا السياق، يبرز ملف البيانات الشخصية باعتباره أحد أهم عناصر الخطر. فالمعلومات التي يتركها المستخدمون عبر المنصات والخدمات الرقمية يمكن أن تتحول، إذا وقعت في الأيدي الخطأ، إلى مادة لبناء ملفات دقيقة عن الأفراد وتحديد اهتماماتهم وسلوكياتهم، بما يسمح بتوجيه رسائل أكثر تخصيصًا وقدرة على التأثير.

وتحذر الدراسة من أن استمرار هذا المسار من دون ضوابط قد يجعل الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة أمام أشكال جديدة من الإرهاب، لا تعتمد على السيطرة على الأرض، وإنما على السيطرة على تدفق المعلومات والتأثير في الإدراك العام. ولذلك تطرح الحاجة إلى بناء ما تصفه بـ«الحصانة الرقمية»، عبر الجمع بين الأمن السيبراني والوعي التقني والتفكير النقدي.

ويبدو أن المعركة المقبلة مع التطرف قد لا تبدأ من ساحة مواجهة تقليدية، وإنما من شاشة هاتف أو حساب مجهول أو محتوى يبدو للوهلة الأولى طبيعيًا. فالذكاء الاصطناعي لا يصنع التطرف من العدم، لكنه قد يمنح الخطاب المتطرف أدوات أكثر دقة للوصول والانتشار والتخفي.

وتخلص الدراسة إلى أن مواجهة هذا الخطر تحتاج إلى تعاون بين مؤسسات الدولة والقطاع التقني والمجتمع، إلى جانب أطر دولية تضبط استخدام الأسلحة السيبرانية وتحمي البنى التحتية والبيانات. وفي عالم تتزايد فيه الخدمات الحيوية اعتمادًا على الأنظمة الرقمية، قد يصبح تأمين الفضاء الإلكتروني جزءًا أساسيًا من حماية الأمن الوطني، لا مجرد ملف تقني يمكن التعامل معه بمعزل عن بقية التحديات الأمنية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية