
بين الحين والآخر، تسمع أنّ هذا التيار في هذا البلد أو ذاك قد عقد جمعه العام وحضره جمع غفير، واستبدل بمسؤولين سابقين وجوهاً أخرى لها الطباع والقناعات نفسها شكلاً ومضموناً. الشعارات هي نفسها منذ ثمانينيات القرن العشرين، إن لم نقل سبعينياته، والخطاب هو نفسه، واللباس والكلمات ولغة التواصل وشكل اللحى هي نفسها، ربما تغير شكل المقاعد فقط؛ وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مآلات هذا التيار في عالم لا يعترف إلا بالمعرفة الحية والمبتكرة.
يشهد العالم اليوم تحولات معرفية وتكنولوجية جذرية وغير مسبوقة في تاريخ البشرية، يتصدرها الذكاء الاصطناعي وتقنيات المعالجة العميقة والبيانات الضخمة، وهي ثورات تتجاوز حدود إحداث تغييرات في أنماط الاقتصاد أو وسائل الحياة لتصل إلى إعادة تعريف العقل البشري ذاته وطرائق إنتاج الأفكار وبنائها. في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من المشهد الفكري والسياسي، ما يزال تيار الإسلاميين يراوح مكانه، مستمراً في إدارة معاركه التاريخية عبر لغة مستهلكة، مكتفياً بإجراء عمليات تجديد شكلية لهياكله ومؤسساته وخطاباته، وهي هياكل تبدو براقة من الخارج لكنّها خالية من أيّ عمق معرفي أو اشتباك حقيقي مع أسئلة العصر الكبرى.
يعيش الإسلاميون اليوم في عالم يوازي عالمنا كليّاً، عالم اقتطعوه لأنفسهم من صفحات الماضي وشيدوا جدرانه بإسمنت الإيديولوجيا الصلبة، ليعزلوا أنفسهم عن تحولات الواقع المادي والمعرفي الذي نحياه جميعاً. إنّهم يستوطنون هامش العصر، يراقبون تدفق الحياة الحديثة وتعقيداتها بكثير من التوجس، كأنّ المعرفة الإنسانية قد توقفت عن النمو، وكأنّ التاريخ قد ألقى مرساته الأخيرة عند أدبياتهم الكلاسيكية التي صيغت لمواجهة ظروف مختلفة تماماً.
تتجلى هذه المفارقة الحادة في موقفهم من القضايا الكبرى التي تؤرق الضمير الإنساني اليوم. وفي مقدمتها مشكلة التطرف والغلو في الدين؛ فبدلاً من أن يلجأ التيار الإسلامي السائد إلى تشكيل حائط صد معرفي وفقهي حاسم ضد نبتة الغلو، تجده يتعامل مع الظاهرة بكثير من التهاون والتجاهل، كأنّ الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد، أو يبحث لها عن تسويغات وتبريرات سياسية تتملص من المساءلة الذاتية. إنّهم يغفلون عن حقيقة أنّ الخطاب الراديكالي والمتطرف يقتطع أجزاءه الأساسية من المرجعية الفكرية ذاتها التي يتغذى منها هذا التيار، إلا أنّهم يأبون فتح ملف المراجعات الفكرية والنقد الذاتي، ويكتفون بإلقاء اللائمة على "المؤامرة الخارجية" أو "التهميش السياسي"، تاركين العقول الشابة فريسة سهلة لمهبّ الغلو والتطرف دون حماية معرفية حقيقية.
أمّا على صعيد الأزمات الكوكبية المصيرية، مثل مشكلة البيئة والتغير المناخي والتدهور البيئي، فإنّها تشكل لدى الإسلاميين منطقة عمياء بالكامل. في الوقت الذي تحشد فيه المجتمعات والدول ومؤسسات الفكر طاقاتها ومواردها لمواجهة الاحتباس الحراري، وجفاف الموارد، وانقراض الكائنات، والعدالة المناخية باعتبارها قضايا وجودية تهدد استمرار الحياة على كوكب الأرض، يظلّ الخطاب الإسلامي غارباً عن هذه النقاشات، وينظر إليها باعتبارها رفاهية فكرية غريبة أو قضايا هامشية لا تستحق الذكر في أدبياتهم وعظاتهم.
إنّهم يخفقون حتى في استثمار البُعد الأخلاقي والروحي لثقافتهم الأصيلة، التي تحث على عمارة الأرض وعدم الإفساد فيها، ليحولوا تلك المفاهيم إلى أدوات عمل واشتباك مع ملف البيئة، بل يستمرون في حصر مفهوم "الصلاح والإصلاح" في أطر ضيقة تتصل بالصراعات التنظيمية والسياسية الجزئية. هذا الانفصال التام عن أسئلة الواقع والمستقبل يجعل هذا التيار يبدو كأنّه يتحدث بلغة ميتة لا يفهمها العصر، ولا تخاطب الآلام الحقيقية للإنسان المعاصر، ليغرق أكثر فأكثر في فراغه المعرفي وعزلته الفكرية.
تتحول 'الأمّة' في أدبيات الإسلاميين ومؤتمراتهم العامة إلى ما يشبه الأسطورة التعويضية؛ مقولة مجردة هلامية تُستدعى كلما اشتد الفراغ المعرفي، وعجز التنظيم عن تقديم مشروع عملي يحل أزمات الواقع المحلي المعاش. في القاعات المغلقة والمؤتمرات الحاشدة، تتردد خطابات ملتهبة تعزف على وتر "هم الأمة" حيث يرتدي الخطباء عباءة حماة الثغور والدفاع عن بيضة الإسلام. وقبل الختام، يوشحون مؤتمراتهم بنشيد مفاده: (ربنا آتنا النصر الذي وعدتا...) ولا ندري عن أيّ نصر يتحدثون، وفي أيّ مكان؟ وعلى من سينصرهم الله؟ هل ينصرهم على أنفسهم التي تكره كل جديد، أم على عقولهم المنحصرة في الماضي؟

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_93.jpg.webp?itok=qgH1Givn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B41_2.jpg.webp?itok=_4S_bwoW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A8_2.jpg.webp?itok=IPhE58Nz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_16.jpg.webp?itok=s5Dbl3BY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF_2.jpg.webp?itok=FKnR3tYy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_16.jpeg.webp?itok=ISW64wxG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_80.jpg.webp?itok=oEO7D_Tq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_5.jpg.webp?itok=YKNQmIT8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%840_0.jpg.webp?itok=KNqlvslv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%BA%D9%8A_0.jpg.webp?itok=cB4aXrzB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_10.jpg.webp?itok=oLjjqwPg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA_61_0_3_0_2_0_0.jpg.webp?itok=pEu2Hd26)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1_0_0.jpg.webp?itok=E0bxIKTf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_3.jpg.webp?itok=t9lBWJnB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A90.jpg.webp?itok=HldHn2Z_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40_2.jpg.webp?itok=h-BqKSyo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_7.jpeg.webp?itok=K8Lv-QOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_139.jpg.webp?itok=P1Gim0tZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_13_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=MVKfEVYw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-10-29%20105658.png.webp?itok=KHsHX29B)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF_0.png.webp?itok=km0ltUK9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_4.jpg.webp?itok=kPFtr5y3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_1.png.webp?itok=95lw6ge3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_1_1.jpg.webp?itok=V8hLmgWo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)