في غزة... الركام يسلب ذوي الإعاقة حقهم في الحركة

في غزة... الركام يسلب ذوي الإعاقة حقهم في الحركة

في غزة... الركام يسلب ذوي الإعاقة حقهم في الحركة


09/09/2026

كان الطريق إلى خيمة الشاب المعاق حركياً نسيم ماضي (27 عاماً) أقصر من أن يُسمّى طريقاً، لكنّه تحول بالنسبة إليه إلى واحدة من أصعب العقبات اليومية، فعلى مسافة أمتار قليلة من الخيمة تتناثر الحجارة وقطع الإسمنت والحفر وبقايا المباني، لتحول المسار القصير إلى رحلة شاقة محفوفة بالخطر.

ويجلس ماضي على كرسيه المتحرك عند مدخل الخيمة، يراقب الطريق قبل أن يحاول عبوره، ويقول: "قبل الحرب كنت أتحرك وحدي، وأخرج من البيت وأذهب إلى المكان الذي أريده من دون أن أفكر في الطريق، والآن أفكر في الخروج لساعات، لأنني لا أعرف ماذا سأجد أمامي".

وأظهر تقييم أممي أنّ 91% من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين شملهم المسح أفادوا بأنّ الركام يعيق الحركة ويخلق عوائق أمام الوصول إلى الخدمات وأماكن النزوح والسكن.

ووفق أحدث تقرير لمنظمة الصحة العالمية في نيسان/أبريل 2026 يفيد بأنّ 172043 شخصاً أصيبوا في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأنّ ما بين 49462 و55914 إصابة تحتاج إلى إعادة تأهيل ممتد، وقُدّرت الإصابات التي يُحتمل أن تكون مغيرة للحياة بالآلاف.

وتشير بيانات أممية إلى أنّ أكثر من 25% من المصابين في غزة يُتوقع أن يعانوا من إعاقات طويلة الأمد، ويحتاج أكثر من 5 آلاف طفل إلى إعادة تأهيل مدى الحياة.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإنّه من بين 2300 شخص مبتور الأطراف جرى تقييمهم بين أيلول/سبتمبر 2024 وأيار/مايو 2026، لم يحصل سوى 500 شخص، أي أقلّ من 25%، على أطراف اصطناعية دائمة بسبب النقص الحاد في غزة. 

الطريق أخطر من الكرسي

ويؤكد ماضي أنّ المشكلة ليست في استخدام الكرسي، فقد اعتاد عليه وتعلم منذ سنوات الاعتماد على نفسه، وإنّما في البيئة التي تحيط به، موضحاً: "أنا أعرف كيف أتحرك بكرسي، لكنّ المكان حولي لم يعد يسمح لي بأن أكون مستقلاً".

ويتابع: "أنا لا أخاف من الكرسي، فالكرسي جزء من حياتي، وأعرف كيف أستخدمه، لكنني أخاف من الطريق، فقد أصبح أخطر من أيّ وقت مضى، فالحفر والحجارة والركام تمثل عوائق لا أستطيع تجاوزها من دون مساعدة الآخرين".

ويوضح أنّ الحفرة تعني عجزاً عن مواصلة الطريق، والحجر الكبير قد يتطلب من شخص آخر رفع الكرسي، بينما يمكن للركام أن يعلق بالعجلات ويتسبب في سقوطه، ويضيف: "أحتاج في كثير من الأحيان إلى شخص يدفعني أو يرفع الكرسي".

ومع تكرار الحاجة إلى المساعدة، أصبح الخروج نفسه عبئاً نفسياً عليه، ويقول: "أحياناً أظلّ داخل الخيمة لأنني لا أريد أن أطلب من أحد أن يساعدني، ليس لأنني لا أحتاج المساعدة، ولكن لأنني تعبت من أن أقول كل مرة: ادفعني، ارفعني، ساعدني".

الركام يعيق الحركة

ولا يرى ماضي في هذه المعاناة مجرد صعوبة في الحركة، بل يراها فقداناً لاستقلاله الذي سعى إلى الحفاظ عليه طوال حياته، ويقول: "أصعب شيء أن أرى الناس يتحركون أمامي وأنا لا أستطيع أن أذهب معهم، ليس لأنني لا أريد، وإنّما لأنّ الطريق يمنعني".

ومع النزوح، لم تكن ملاءمة المكان لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة أولوية، إذ كانت العائلات منشغلة بتأمين مأوى يحميها، ويوضح: "عندما نزحنا لم يكن أحد يسأل: هل المكان مناسب لشخص يستخدم كرسياً متحركاً؟ كان السؤال: هل توجد خيمة؟ وهل نستطيع أن نؤمن مكاناً لعائلتنا؟".

وتتضاعف القيود داخل أماكن النزوح، فالأرض الترابية والمبللة تجعل تحريك الكرسي أكثر صعوبة، بينما تمثل الأدراج حاجزاً لا يمكن تجاوزه من دون حمله، ويبين: "أحياناً أنتظر حتى يأتي أحد من أفراد عائلتي ليساعدني، وإذا كان الجميع مشغولين، أنتظر أكثر"، مؤكداً أنّ الأمر يعني ببساطة فقدان القدرة على تحديد موعد خروجه أو ذهابه إلى الحمام".

ولا يتوقف الخطر عند الطرق، فالكرسي نفسه عرضة للتلف في بيئة مدمرة تفتقر إلى الصيانة وقطع الغيار، ويتساءل ماضي: "إذا تعطلت العجلة، فأين سأصلحها؟ وإذا انكسر جزء من الكرسي، فهل توجد قطعة بديلة؟ وإذا تعطل الكرسي تماماً، فكيف سأخرج من الخيمة؟" أسئلة تختصر واقعاً تحولت فيه وسيلة استقلاله إلى وسيلة مهددة بالعجز كل يوم.

حين تتغير ملامح الطريق

وفي مكان كان يعرفه جيداً يقف حسن الشامي (29 عاماً) ممسكاً بعصاه البيضاء، محاولاً أن يتعرف إلى الطريق من أصواته، ويحرك العصا يميناً ويساراً، ثم يتوقف أمام الركام، فما يراه الآخرون حاجزاً يمكن الالتفاف حوله، يتحول بالنسبة إلى شاب كفيف إلى مساحة مجهولة قد تخفي حفرة أو حجراً أو قطعة حديد، ويقول: "أنا لا أخاف من الظلام، لأنني عشت معه منذ ولدت، لكنني أخاف أن يتغير المكان من حولي من دون أن أعرف".

وقبل الحرب صنع الشامي لنفسه خريطة خاصة للحركة، وكان يحفظ عدد الخطوات، ويميز الشوارع من أصواتها، ويتعرف إلى الأماكن من روائح المحال وملمس الجدران واتجاهات الحركة، لكنّ الحرب بددت كثيراً من هذه العلامات، مبانٍ اختفت، وشوارع تغيرت، وممرات امتلأت بالركام، بينما جعلت أصوات السيارات والنازحين والانفجارات تحديد الاتجاه أكثر صعوبة، ويضيف: "كنت أستطيع الذهاب إلى أماكن كثيرة وحدي، أمّا الآن فلا أعرف أين ينتهي الطريق وأين يبدأ الركام".

وتحولت العصا البيضاء، التي كانت تمنحه قدراً من الاستقلال، إلى وسيلة محدودة أمام بيئة مدمرة وغير مستقرة، ويضيف الشامي: "العصا تكشف لي الأشياء القريبة، لكنّها لا تستطيع أن تخبرني إن كان أمامي ركام كبير أو حفرة أو طريق ينتهي فجأة".

ويصف محاولته عبور أحد الطرق التي كان يعرفها، قائلاً إنّه اصطدم بحاجز، وحين حاول الالتفاف وجد عائقاً آخر وانخفاضاً في الأرض، فاضطر إلى التوقف حتى جاء شخص لمساعدته، مبيناً: "أحياناً أفكر قبل أن أخرج: ماذا لو سقطت؟ ماذا لو لم يكن هناك أحد؟ هذه الأسئلة تجعلني أقرر ألّا أخرج".

الركام يحاصر ذوي الإعاقة

ولا تقتصر العوائق على الأرض، فالسمع بالنسبة إلى الشامي جزء أساسي من قراءة المكان، حيث كان يعتمد على أصوات السيارات والمارة والبائعين وصدى المباني لتحديد موقعه، لكنّ الضوضاء المتزايدة جعلت هذه الطريقة أكثر صعوبة، ويوضح: "قبل الحرب كنت أعرف أصوات المنطقة، أمّا الآن فقد تغير كل شيء".

وحتى الوصول إلى الخدمات والمساعدات يمثل تحدياً، فوجود نقطة للمساعدة في مكان ما لا يعني أنّ حسن يستطيع الوصول إليها من دون معلومات واضحة أو شخص يرشده، ويبين: "أحتاج أن أعرف من أين أدخل وإلى أين أتجه، تفاصيل بسيطة بالنسبة إلى من يرى، لكنّها بالنسبة إليّ هي الطريق كله".

ومع تزايد المخاطر، تصبح مرافقة الأسرة للشامي ضرورة في كثير من الأحيان، رغم انشغال أفرادها بتأمين الطعام والماء والاحتياجات الأساسية، ويتابع: "لا أريد أن أشعر أنني عاجز، لكنني أحتاج إلى بيئة أستطيع الحركة فيها وحدي".

ويمسك الشامي بعصاه ويطرق بها الأرض أمامه، يصطدم طرفها بحجر صغير، فيتوقف ويتحسس المسار قبل أن يغير اتجاهه، ويضيف: "أنا لا أرى الركام، لكنني أعرف أنّه موجود، وعندما تصطدم العصا بالحجر أعرف أنّ هناك شيئاً أمامي، لكنني لا أعرف دائماً حجمه أو كيف أتجاوزه". 

وبالنسبة إليه، إعادة بناء غزة لا تعني إزالة الأنقاض وإقامة المباني فحسب، بل إعادة بناء إمكانية الوصول أيضاً، طرق آمنة، ومعلومات متاحة، وخدمات يمكن الوصول إليها، وبيئة تحفظ للأشخاص ذوي الإعاقة حقهم في الحركة والاستقلال، ويختصر الشامي مطلبه بجملة واحدة: "لا أريد أن يحملني أحد، أريد أن أمشي وحدي بعصاي".

الركام يفاقم معاناة التأهيل

يقول اختصاصي التأهيل والعلاج الطبيعي في المستشفى الأهلي، مسعود حبيب: إنّ "الركام والحفر والطرق غير المهيأة جعلت تنقل الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية أكثر صعوبة وخطورة، وخصوصاً مستخدمي الكراسي المتحركة الذين يواجهون احتمالات السقوط والإصابة وتلف أدواتهم المساعدة".

ويضيف حبيب أنّ "صعوبة الوصول إلى مراكز العلاج والتأهيل تؤدي إلى انقطاع كثير من المرضى عن جلساتهم، ممّا ينعكس سلباً على قدراتهم الحركية، وقد يؤدي إلى تيبس المفاصل وضعف العضلات وتفاقم المشكلات الوظيفية، خصوصاً لدى المصابين حديثاً".

ويوضح أنّ "مستخدمي الكراسي المتحركة ومبتوري الأطراف يحتاجون إلى طرق آمنة ومهيأة، وأجهزة مساعدة مناسبة، وأطراف صناعية، إلى جانب جلسات علاج وتأهيل منتظمة، حتى يتمكنوا من استعادة أكبر قدر ممكن من استقلاليتهم".

ويرى حبيب أنّ "إزالة الركام وتهيئة الممرات ومداخل المرافق الصحية ومراكز الإيواء ليست خدمات ثانوية، وإنّما هي جزء أساسي من عملية التأهيل، فاستمرار العوائق المادية يعني أنّ الشخص قد يتلقى العلاج داخل المركز، لكنّه يظلّ عاجزاً عن الحركة بأمان خارجه".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية