الموتُ بوصفِهِ مَجازًا

الموتُ بوصفِهِ مَجازًا

الموتُ بوصفِهِ مَجازًا


13/08/2026

منذُ أنْ أدركَ الإنسانُ طبيعةَ وجودِهِ، كانَ الموتُ دائمًا المسألةَ الأكثرَ غموضًا التي تُثيرُ القلقَ والتأملَ، فهو الحقيقةُ التي لا يمكنُ إنكارُها، والحدُّ الذي تتوقفُ عندَهُ اللغةُ وتفشلُ الكلماتُ في وصفِهِ بشكلٍ كاملٍ، لذلكَ اعتمدَ الإنسانُ على لغةِ الاستعارةِ؛ ليسَ هروبًا من الموتِ بحدِّ ذاتِهِ، وإنَّما في محاولةٍ لفهمِهِ ومنحِهِ معنىً يتجاوزُ الفناءَ الجسديَّ، فعندما يعجزُ العقلُ عن كشفِ لغزِ النهايةِ، تلجأُ الروحُ إلى استحضارِ صورٍ من الطبيعةِ، مثل الغيومِ والندى والرحيلِ والإشراقِ والغروبِ والبحرِ والطيرانِ، لتحوّلَ الموتَ إلى تجربةٍ يمكنُ تأملُها.

لا يغيّرُ المجازُ حقيقةَ الموتِ في الواقعِ، لكنّه يغيّرُ الطريقةَ التي نتعاملُ بها معَهُ، وبدلًا من النظرِ إلى الموتِ على أنَّهُ انقطاعٌ مظلمٌ، يمكنُنا رؤيتُهُ على أنَّهُ تحولٌ، فلا يغدو الموتُ غيابًا وحسبُ، وإنَّما حضورٌ آخرُ في ذاكرتِنا وأرواحِنا. وتكمنُ روعةُ الاستعارةِ في أنّها لا تضعُ الموتَ على أنَّهُ عدوٌّ للحياةِ، بل تجعلُهُ جزءًا من حركتِها العظيمةِ، تمامًا كما يتحولُ الماءُ إلى بخارٍ أو تذبلُ الورقةُ وتصبحُ غذاءً للأرضِ، ويتحولُ الإنسانُ من شكلٍ إلى آخرَ ضمنَ دورةِ الوجودِ.

يقولُ رابندرانات طاغور: "دعْ حياتَكَ ترقصْ بخفةٍ على حوافِّ الزمنِ كقطراتِ الندى على طرفِ ورقةِ الشجرِ"، فيتحول الزمنُ إلى حافةٍ دقيقةٍ تقفُ عليهَا الحياةُ مثلَ قطرةِ ندى؛ جميلة لكنّها عابرةٌ، وهشاشةُ الندى ليستْ دعوةً للحزنِ، لكنّها تذكيرٌ بقيمةِ اللحظةِ، فالموتُ لا ينتقصُ من جمالِ الحياةِ، فهو قد يكونُ مصدرَ هذا الجمالِ، لأنَّ الأشياءَ تصبحُ ثمينةً حينَ ندركُ أنّها مؤقتةٌ، بينما يرتبطُ الموتُ في كثيرٍ من المجازاتِ بالطبيعةِ؛ فالإنسانُ جزءٌ من حركةِ الكونِ وليسَ كائنًا منفصلًا عنها، ممّا يجعلُ طاغورَ يُكملُ ما بدأَهُ في مقولتِهِ: "لتكنِ الحياةُ جميلةً كزهورِ الصيفِ، والموتُ كأوراقِ الخريفِ"، فالموتُ لا يُمثلُ دمارًا، بل يُعتبرُ مرحلةً جديدةً من مراحلِ الحياةِ، وكما أنَّ الخريفَ لا يعني موتَ الشجرةِ، فهو تجهيزٌ لدورةٍ جديدةٍ من النموِّ، ولا يعني سقوطُ الورقةِ نهايةَ دورِها، فهو يمثلُ انتقالَها إلى شكلٍ آخرَ من أشكالِ العطاءِ.

ومن أجملِ الاستعاراتِ التي تقتربُ من فلسفةِ الموتِ قولُ جبرانَ خليلِ جبرانَ: "إذا أردتَ حقًّا أن ترى روحَ الموتِ، فافتحْ قلبَكَ على مصراعيهِ لجسدِ الحياةِ. فالحياةُ والموتُ واحدٌ، كما النهرُ والبحرُ واحدٌ". وفي هذا السياقِ، يتغيرُ مفهومُ الموتِ من كونِهِ معارضًا للحياةِ ليصبحَ جزءًا ممتدًا منها، فكما أنَّ النهرَ لا يتخلى عن طبيعتِهِ عندما يصلُ إلى البحرِ، ليحققَ هدفَهُ الأسمى، كذلكَ فإنَّ الإنسانَ، وفقًا لهذا التصورِ، لا ينتهي بوفاتِهِ بل يعودُ إلى الكيانِ الأكبرِ الذي انبثقَ منهُ.

وغالبًا ما تستخدمُ الاستعاراتُ المتعلقةُ بالموتِ صورًا تعبّرُ عن الحركةِ والانتقالِ، فالموتُ ليسَ جدارًا صامتًا، كونَهُ شبيهًا برحلةٍ أو انتقالٍ. ويعبّرُ هنري فان دايك عن هذه الفكرةِ أيضًا في أعمالِهِ قائلًا: "عندما تتذوقُ طعمَ الطيرانِ، ستسيرُ دائمًا على الأرضِ وعيناكَ شاخصتانِ نحوَ السماءِ؛ لأنكَ كنتَ هناكَ وستبقى هناكَ دائمًا". في هذه الصورةِ، حيثُ يتجلى الموتُ مثلَ رحلةِ تحليقٍ، ويبقى الإنسانُ عندَ رحيلِهِ محملًا ببقايا من عوالمَ أخرى، فالسماءُ هنا لا تُعتبرُ موقعًا جغرافيًّا لأنّها تحملُ رمزَ الارتقاءِ والتحررِ من قيودِ الجسدِ.

وترتبطُ استعاراتُ الموتِ بالعاصفةِ والاختبارِ، فيقولُ هاروكي موراكامي: "عندما تخرجُ من العاصفةِ، لن تكونَ الشخصَ نفسَهُ الذي دخلَها. هذا هو جوهرُ العاصفةِ". الموتُ، مثلَ الألمِ والفقدانِ، يعصفُ بالإنسانِ من الداخلِ ويغيرُهُ، والتجاربُ القاسيةُ لا تجعلُنا نعودُ كما كنا، بل تكشفُ عن طبقاتٍ جديدةٍ من وعيِنا وقدرتِنا على التحملِ، وربما يكونُ الحزنُ بحدِّ ذاتِهِ وسيلةً لإعادةِ تشكيلِ الروحِ.

وفي كلماتِ إليزابيث كوبلر روس ما هو مختلف من المجاز، حيث تقول: "لو حجبت الوديانُ عن العواصفِ، لما رأيتَ جمالَ أخاديدِها"، فإنَّ المعاناةَ تخلقُ فنانًا قادرًا على نحتِ أعماقِ الروحِ البشريةِ، مثلما تشكلُ العواصفُ ملامحَ الجبالِ، فتمنحُنا التجاربُ الصعبةُ عمقًا إنسانيًّا، فالموتُ والفقدُ لا ينتجانِ الجمالَ بمفردِهما، ولكن يكشفانِ عن زوايا في النفسِ ما كانتْ لتظهرَ في ظروفِ الترفِ، ومن منظورٍ آخرَ، تصفُ بعضُ المجازاتِ الموتَ على أنَّهُ رجوعٌ إلى الجذورِ، حيثُ يقولُ جبرانُ: "فما الموتُ إلا أن تقفَ عاريًا في مهبِّ الريحِ وتذوبَ في الشمسِ؟ وعندما تستعيدُ الأرضُ جسدَكَ، حينها سترقصُ حقًّا"، وفي هذه الصورةِ يصبحُ الجسدُ جزءًا من دورةِ الطبيعةِ، ويعودُ إلى الأرضِ التي منحتْهُ عناصرَهُ الأولى، إنّها رؤيةٌ لا ترى في الموتِ اختفاءً، وإنَّما ذوبانٌ في الوجودِ الأكبرِ.

لكنَّ الموتَ لا يظهرُ دائمًا بوصفِهِ هدوءًا أو مصالحةً؛ ففي بعضِ الاستعاراتِ التي تحملُ معنى المواجهةِ، ومنها عبارة فرانسوا دي لاروشفوكو: "لا يمكنُ النظرُ إلى الشمسِ ولا إلى الموتِ بثباتٍ"، فالموتُ قوةٌ تفوقُ قدرةَ الإنسانِ على التحديقِ المباشرِ فيها، إنّه حقيقةٌ شديدةُ السطوعِ، مثلُ الشمسِ، لا يستطيعُ العقلُ البشريُّ أن يحتملَ مواجهتَها طويلًا، لذلكَ يصنعُ الإنسانُ حولَها الرموزَ والحكاياتِ والطقوسَ، لكي يقتربَ منها دونَ أن يحترقَ.

ويظهرُ الزمنُ في هذه الرؤيةِ بوصفِهِ شريكًا للموتِ، حيثُ يقولُ دلمور شوارتز: "الزمنُ هو المدرسةُ التي نتعلمُ فيها، والزمنُ هو النارُ التي نحترقُ فيها"، فالزمنُ هو الذي يقودُنا نحوَ النهايةِ، لكنّه في الوقتِ نفسِهِ يمنحُنا المعرفةَ والخبرةَ والذاكرةَ. الموتُ ليسَ حدثًا منفصلًا عن الزمنِ، بل هو النقطةُ التي تتوجُ رحلةَ التعلمِ والاحتراقِ والنضجِ.

أمّا جورج برنارد شو، فيرى الحياةَ نفسَها شعلةً مؤقتةً: "الحياةُ ليستْ شمعةً قصيرةً بالنسبةِ إليّ، بل هي أشبهُ بشعلةٍ رائعةٍ أمسكتُ بها للحظةٍ، وأريدُ أن أجعلَها تضيءُ بأقصى ما يمكنُ قبلَ أن أسلمَها للأجيالِ القادمةِ"، وهنا يتحولُ الموتُ إلى لحظةِ تسليمٍ، لا إلى لحظةِ خسارةٍ، فالإنسانُ لا يقاسُ بطولِ بقائِهِ، وإنَّما بقدرِ الضوءِ الذي يتركُهُ خلفَهُ.

وتتجلى مجازاتُ الموتِ؛ باعتبارِها وسيلةً، يحاولُ الإنسانُ بها إعادةَ صياغةِ النهايةِ بأسلوبٍ أكثرَ رحمةً وجمالًا، فأحيانًا يُصوّرُ الموت كغيمةٍ تزينُ أفقَ الغروبِ، أو كأوراقٍ تعودُ إلى الأرضِ، أو كرحلةٍ تحلقُ نحوَ فضاءٍ أوسعَ، أو كشعلةٍ تنتقلُ من شخصٍ لآخرَ، وهذه الصورُ لا تنفي الألمَ الذي يرافقُ الفقدَ، لكنّها تقدّمُ لهُ إطارًا إنسانيًّا يخففُ من عزلتِهِ ويجعلُهُ أكثرَ ارتباطًا بسرِّ الحياةِ، ومن هنا يمكنُ اعتبارُ المجازِ الجسرَ الذي يعبرُ بهِ الإنسانُ من الخوفِ إلى الفهمِ، فعندما يدخلُ الموتُ في عالمِ الشعرِ والفلسفةِ، يصبحُ أكثرَ من مجردِ نهايةٍ بيولوجيةٍ؛ لأنَّهُ يتحولُ إلى تساؤلٍ عن معنى الحياةِ نفسِها، ولهذا السببِ ظلَّ الإنسانُ على مرِّ العصورِ يكتبُ عن الموتِ، ليسَ لأنَّهُ يعرفُهُ حقَّ المعرفةِ، ولكنْ كمحاولةٍ للتآلفِ مع المجهولِ الذي ينتظرُهُ، وفي النهايةِ فإنَّ الموتَ ليسَ الكلمةَ الأخيرةَ في كتابِ الحياةِ، بل هو الفضاءُ الغامضُ الذي يمنحُ كلَّ كلمةٍ قبلَهُ قيمةً أعمقَ.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية