واشنطن تعيد فتح ملف جماعة الإخوان... تشريعات جديدة، وعقوبات مالية، وتحقيقات موسعة حول الشبكات والتمويل

واشنطن تعيد فتح ملف جماعة الإخوان... تشريعات جديدة، وعقوبات مالية، وتحقيقات موسعة حول الشبكات والتمويل

واشنطن تعيد فتح ملف جماعة الإخوان... تشريعات جديدة، وعقوبات مالية، وتحقيقات موسعة حول الشبكات والتمويل


03/08/2026

تشهد العاصمة الأمريكية واشنطن تصاعدًا ملحوظًا في التحركات التشريعية والتنفيذية المرتبطة بملف جماعة الإخوان المسلمين، في إطار توجه أوسع لإعادة فحص أنشطة التنظيم وشبكاته المالية والكيانات المرتبطة به داخل الولايات المتحدة وخارجها. وتتحرك هذه الجهود على عدة مسارات متوازية تشمل فرض عقوبات مالية، وطرح مشروعات قوانين، وتنظيم جلسات استماع داخل الكونجرس، إلى جانب دعوات متزايدة من عدد من المشرعين لإعادة تقييم وضع الجماعة قانونيًا.

هذه التطورات تعكس انتقال النقاش داخل المؤسسات الأمريكية من التركيز على أنشطة أفراد أو كيانات بعينها، إلى دراسة البنية التنظيمية وشبكات التمويل والعلاقات المؤسسية التي يُعتقد أنّها ترتبط بالجماعة، مع محاولة تحديد ما إذا كانت تستدعي إجراءات قانونية أو تنظيمية إضافية.

جلسة استماع بمجلس الشيوخ

في هذا السياق، أعلنت اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ الأمريكي عن تنظيم جلسة استماع بعنوان "مختبئون على مرأى من الجميع: مواجهة شبكة جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا" ضمن أعمال اللجنة الفرعية المختصة بالرقابة والحقوق الفيدرالية. ووفق الموقع الرسمي للجنة، كان من المقرر عقد الجلسة في أيّار (مايو) 2026، إلا أنّها أُدرجت لاحقًا بحالة "مؤجلة" (Postponed)، دون تحديد موعد جديد حتى الآن.

وتُعدّ الجلسة، من حيث عنوانها ومحورها، مؤشراً على اهتمام داخل مجلس الشيوخ بدراسة ما يصفه بعض المشرعين بـ "شبكة الإخوان داخل الولايات المتحدة"، بما يشمل آليات العمل، والهياكل المؤسسية، ومسارات التمويل، والعلاقات بين الجمعيات والمؤسسات المختلفة.

وتشير المناقشات المرتبطة بالجلسة إلى أنّ التركيز لا ينصبّ على الجوانب الفكرية فقط، وإنّما يمتد إلى مراجعة شبكات التمويل، والهيكل المؤسسي، والروابط بين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية وبعض الشخصيات التي يُزعم ارتباطها بالتنظيم.

ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع داخل عدد من المؤسسات الأمريكية لتقييم المخاطر المرتبطة بتمويل الإرهاب وغسل الأموال، وإعادة فحص الشبكات العابرة للحدود التي قد تستفيد من النظام المالي الأمريكي.

المسار التنفيذي للعقوبات الاقتصادية

بالتوازي مع الحراك التشريعي، اتخذت الإدارة الأمريكية خلال الفترة الأخيرة خطوات تنفيذية عبر وزارة الخزانة استهدفت أفرادًا وكيانات قالت واشنطن إنّهم مرتبطون بشبكات تمويل لحركة حماس وشخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ضمن سياسة توسيع استخدام أدوات العقوبات المالية لتجفيف مصادر التمويل.

وتندرج هذه الإجراءات ضمن صلاحيات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، الذي يستخدم نظام العقوبات الاقتصادية لتجميد الأصول، وحظر التعاملات المالية، ومنع الشركات والأفراد الأمريكيين من إجراء أيّ معاملات مع الجهات المدرجة.

ويرى مسؤولون أمريكيون أنّ العقوبات أصبحت إحدى أكثر الأدوات فعالية في تعطيل الشبكات المالية الدولية مقارنة بالإجراءات الجنائية التقليدية.

وفي مجلس النواب يبرز مشروع القانون H.R.4097، المعروف باسم Designate CAIR as a Terrorist Organization Act، الذي قدّمه النائب الجمهوري راندي فاين.

ولا ينص المشروع على تصنيف مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) مباشرة "منظمة إرهابية"، وإنّما يُلزم وزير الخارجية الأمريكي بإجراء مراجعة رسمية لتحديد ما إذا كانت المنظمة تستوفي المعايير القانونية اللازمة للتصنيف "منظمة إرهابية أجنبية"، وفق قانون الهجرة والجنسية الأمريكي.

وأُحيل المشروع إلى اللجنة القضائية بمجلس النواب عقب تقديمه، وما يزال في مرحلة الإحالة ولم يتحول إلى قانون نافذ.

يتضمن مشروع القانون مجموعة من "الوقائع" والاستشهادات التي يرى مقدموه أنّها تستوجب إجراء مراجعة قانونية، من بينها الإشارة إلى قضية مؤسسة Holy Land Foundation، وبعض الأحكام القضائية السابقة، إضافة إلى وقائع تاريخية تتعلق بعدد من الأشخاص الذين عملوا أو ارتبطوا بالمنظمة في فترات مختلفة.

بجانب هذه المبادرات، شهد الكونجرس خلال العامين الماضيين دعوات من عدد من النواب الجمهوريين لإعادة طرح مشاريع قوانين تستهدف تصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية أجنبية"، أو مطالبة الإدارة الأمريكية بإجراء مراجعة شاملة لوضع الجماعة وشبكاتها.

وتستند هذه الدعوات إلى أنّ بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة اتخذت بالفعل إجراءات قانونية أو تنظيمية ضد الجماعة أو بعض فروعها، بينما يرى مؤيدو هذه الطروحات أنّ واشنطن بحاجة إلى تحديث تقييمها القانوني في ضوء التطورات الإقليمية.

عودة ملف جماعة الإخوان المسلمين إلى واجهة النقاش داخل المؤسسات الأمريكية لا ترتبط بعامل واحد، وإنّما بمجموعة من التطورات السياسية والأمنية والقانونية التي تداخلت خلال الفترة الأخيرة، وأعادت فتح ملفات كانت محل نقاش في واشنطن منذ سنوات، ولكن بزخم أكبر وأدوات أكثر اتساعًا.

ويأتي في مقدمة هذه العوامل التوسع المتزايد في استخدام العقوبات الاقتصادية كإحدى الأدوات الرئيسية لمكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله. فخلال السنوات الأخيرة أصبحت وزارة الخزانة الأمريكية تعتمد بصورة أكبر على العقوبات المالية لاستهداف الأفراد والشركات والمنظمات التي يشتبه في تقديمها دعمًا ماليًا أو لوجستيًا لجماعات مصنفة إرهابية. ويُنظر إلى هذه الآلية باعتبارها أكثر سرعة وفاعلية من الإجراءات القضائية التقليدية، إذ تؤدي إلى تجميد الأصول، وقطع الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، وإعاقة حركة الأموال عبر الحدود.

ويتزامن ذلك مع تصاعد الاهتمام داخل الكونجرس بملفات الأمن القومي والتمويل العابر للحدود، في ظل تنامي القناعة لدى عدد من المشرعين بأنّ التهديدات الأمنية التي يمثلها الإخوان لم تعد تقتصر على النشاط المسلح المباشر، وإنّما تشمل كذلك البنى التنظيمية والشبكات المالية ومؤسسات الظل الإخوانية التي قد تُستخدم في جمع الأموال أو تقديم الدعم اللوجستي أو توسيع النفوذ السياسي والفكري. ومن هذا المنطلق، أصبحت جلسات الاستماع والتحقيقات البرلمانية تركز بصورة أكبر على دراسة الهياكل المؤسسية ومسارات التمويل أكثر من تركيزها على الأفراد وحدهم.

ويضاف إلى ذلك استمرار التحقيقات والمتابعات الفيدرالية المتعلقة بالشبكات المالية المرتبطة بجماعات مصنفة إرهابية، إذ تعمل أجهزة إنفاذ القانون والهيئات المختصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على مراجعة عدد من المعاملات المالية والعلاقات المؤسسية التي قد تمتد عبر عدة دول، مستفيدة من أدوات الرقابة المالية الدولية والتعاون مع أجهزة أمنية وقضائية في دول أخرى. ويؤدي استمرار هذه التحقيقات إلى تغذية النقاش داخل الكونجرس حول الحاجة إلى تشريعات إضافية تمنح السلطات صلاحيات أوسع في التعامل مع تلك الشبكات.

ويمكن القول إنّ التزامن بين العقوبات الاقتصادية، والتحركات التشريعية، وجلسات الاستماع البرلمانية، والتحقيقات المالية، يعكس انتقال السياسة الأمريكية تجاه هذا الملف من التعامل مع وقائع منفصلة إلى محاولة بناء رؤية أكثر شمولًا لطبيعة الشبكات وآليات عملها، وهو ما يفسر الزخم الذي يشهده الملف داخل المؤسسات الأمريكية خلال المرحلة الحالية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية