دراسة أمريكية: حل الأزمة السودانية يبدأ بكسر "قبضة الإخوان"

دراسة أمريكية: حل الأزمة السودانية يبدأ بكسر "قبضة الإخوان"

دراسة أمريكية: حل الأزمة السودانية يبدأ بكسر "قبضة الإخوان"


13/09/2026

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف نيسان (أبريل) 2023 تتضارب التحليلات وتتعدد المبادرات الدولية والإقليمية لوقف نزيف الدم، لكن جميعها اصطدمت بجدار سميك من الاستعصاء السياسي والعسكري. وفي خضمّ هذا الضباب، برزت دراسة استراتيجية حديثة صادرة عن معهد "جيت ستون" للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز متخصص في أبحاث السياسات الخارجية الأمريكية لتضع النقاط على الحروف، مقدمة تشخيصاً جريئاً ومباشراً لجذور الأزمة: إنّ الحرب الدائرة ليست مجرد صراع بين جنرالين على السلطة، بل هي "حرب وجود" تخوضها فلول النظام البائد -الحركة الإسلامية السودانية، واجهة جماعة الإخوان المسلمين- للعودة إلى الحكم بعد أن فقدوه بثورة شعبية.

هذه الدراسة، التي تمثل اعترافاً دولياً متأخراً بطبيعة القوى الفاعلة على الأرض، تخلص إلى نتيجة حازمة هي أنّ أيّ مسار للحل في السودان سيكون محكوماً بالفشل ما لم يتم تفكيك "قبضة الإخوان" وسيطرتهم على مفاصل الدولة، وتحديداً المؤسسة العسكرية.

تفكيك الدراسة الأمريكية... اعتراف بالدور المعطِّل

بحسب ما استعرضته تقارير إعلامية نقلاً عن الدراسة الأمريكية "التي تأتي في سياق تزايد الاهتمام الغربي بدور الإسلاميين في إشعال الحرب"، فإنّ الباحثين خلصوا إلى أنّ "الحركة الإسلامية" ليست طرفاً هامشياً في الصراع، بل هي المحرك الفعلي له.

تشير الدراسة بوضوح إلى أنّ الإسلاميين، الذين تواروا خلف واجهات مدنية وعسكرية بعد سقوط نظام عمر البشير في 2019، استغلوا فترة الحكومة الانتقالية الهشة لإعادة التغلغل في مؤسسات الدولة العميقة. وعندما شعرت هذه الشبكات الإخوانية بخطر استبعادها نهائياً من المشهد عبر العملية السياسية (الاتفاق الإطاري) الذي كان يمهد الطريق لحكم مدني، قررت تفجير الأوضاع عسكرياً.

وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنّها تضع حداً للسرديات المضللة التي تساوي بين الجيش وقوات الدعم السريع كقوتين متكافئتين في الصراع السياسي. بدلاً من ذلك، تكشف الدراسة أنّ القرار داخل الجيش السوداني مختطف من قبل "كتائب البراء" وغيرها من الأذرع الإيديولوجية للحركة الإسلامية، التي ترفض أيّ تسوية لا تضمن عودتهم إلى السلطة. وبالتالي، فإنّ كسر هذه القبضة الإخوانية هو "شرط مسبق" لأيّ وقف حقيقي لإطلاق النار أو عملية سياسية مستدامة.

جذور التمكين... كيف عاد إخوان السودان إلى المشهد؟

لفهم دقة ما ذهبت إليه الدراسة الأمريكية، يجب العودة إلى الوراء قليلاً. لقد كان سقوط نظام البشير في نيسان (أبريل) 2019، بعد ثلاثين عاماً من حكم الإسلاميين، ضربة قاصمة للتنظيم، لكنّه لم يكن استئصالاً. فقد اتبعت الحركة الإسلامية استراتيجية "اللّا مرئية"، وتوارى قادتها ورموزها خلف الصفوف، بينما احتفظوا بشبكاتهم المالية والتنظيمية والأمنية.

خلال سنوات الفترة الانتقالية استغل الإخوان حالة الفشل السياسي والاقتصادي لزعزعة الاستقرار، مستخدمين خبرتهم الطويلة في الاختراق المؤسسي. والأخطر من ذلك هو الحفاظ على نفوذهم داخل الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء والخدمة المدنية. لقد عملوا على أدلجة قطاعات واسعة من الجيش عبر شعارات "الإسلام" و"الوطنية"، مستغلين حالة الاستقطاب السياسي.

ومع عودة رموز النظام البائد للظهور العلني وتوليهم مناصب حساسة في ظل الحرب الحالية، تأكدت فرضية الاختراق المؤسسي. هؤلاء "الفلول" هم من يصرون على استمرار الحرب، لأنّ مصلحتهم وبقاءهم السياسي والاقتصادي يكمن في الفوضى، وهو ما يجعل أيّ حديث عن "جيش مهني قومي" أمراً مستحيلاً في ظل السيطرة الإخوانية الحالية على القرار العسكري.

الإخوان والحرب الحالية... وقود المعركة ومصير السودان

تؤكد المعطيات الميدانية والخطاب الإعلامي لطرفي الصراع صحة التحليل الأمريكي. فقد تم تحويل الحرب من صراع سياسي/عسكري إلى "حرب مقدسة" أو "جهاد" من قبل أنصار النظام البائد داخل الجيش. ويستخدم هؤلاء خطاباً دينياً تحريضياً لتعبئة قواعدهم وتخوين كل من يدعو إلى السلام أو التسوية.

لقد أثبتت التقارير أنّ الإسلاميين هم من دفعوا نحو تفجير الأوضاع العسكرية في 15 نيسان (أبريل)، استشعاراً منهم بقرب فقدان نفوذهم العسكري والسياسي النهائي. وهم اليوم من يطيلون أمد الحرب عبر رفضهم لأيّ هدن أو مبادرات لا تعيدهم إلى المشهد كقوة لا غنى عنها.

إنّ سيناريو ما بعد الحرب في حال انتصار الجيش "بقيادة الإخوان" يبدو قاتماً؛ فهو لا يعني سوى عودة عقارب الساعة إلى الوراء، وإقامة دكتاتورية جديدة، وعودة العزلة الدولية، واستمرار الاحتقان الذي قد يؤدي إلى حرب أهلية أطول وأكثر دموية. إنّهم مستعدون لتدمير السودان والبقاء على أنقاضه، بدلاً من القبول بدولة مدنية ديمقراطية لا مكان لهم فيها.

التبعات الإقليمية والدولية... لماذا يهّم العالم كسر هذه القبضة؟

إنّ التحذيرات التي تضمنتها الدراسة الأمريكية لا تقتصر على الشأن الداخلي السوداني، بل تمتد لتشمل الأمن الإقليمي والدولي. فدولة سودانية يحكمها الإخوان ستكون مرة أخرى ملاذاً للجماعات المتطرفة وتهديداً مباشراً لدول الجوار، وعلى رأسها مصر، وليبيا، وتشاد، وإثيوبيا.

لقد أدركت القوى الغربية، والولايات المتحدة، متأخرةً، خطورة هذا المحور العقائدي. فاستقرار البحر الأحمر، ومحاربة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، تتطلب دولة سودانية مستقرة ومسؤولة، وهو ما يتعارض تماماً مع طبيعة حكم الإخوان الذي يقوم على الفوضى وتصدير الأزمات.

تمثل الدراسة الاستراتيجية الأمريكية التي استعرضتها "سكاي نيوز" نقطة تحول في فهم المجتمع الدولي للأزمة السودانية. لقد وضعت النقاط على الحروف، وأكدت أنّ الأزمة ليست مجرد صراع بين عسكريين، بل هي معركة وجودية يخوضها تنظيم عقائدي قرر تدمير الدولة إذا لم يحكمها.

وبناءً عليه، فإنّ أيّ حل سياسي مستقبلي في السودان، عبر منبر جدة أو غيره، يجب أن يتضمن، كبند رئيسي، آليات واضحة لتفكيك تمكين الحركة الإسلامية وعزل رموزها سياسياً وقانونياً. وبدون ذلك ستظل الحرب مجرد جولة مؤقتة، لتعود بعدها "دولة الفلول" من جديد، ويضيع السودان في دوامة لا تنتهي من العنف والفشل. 

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية