الإخوان المسلمون ومنبر المظلومية... كيف جرى توظيف الإعلام لصالح أجندة التنظيم؟

الإخوان المسلمون ومنبر المظلومية... كيف جرى توظيف الإعلام لصالح أجندة التنظيم؟

الإخوان المسلمون ومنبر المظلومية... كيف جرى توظيف الإعلام لصالح أجندة التنظيم؟


26/10/2025

منذ البدايات الأولى لجماعة الإخوان المسلمين أدرك مؤسسها حسن البنا أنّ الكلمة المطبوعة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة حيوية لتشكيل العقول وتوجيه الرأي العام؛ لذلك أولى اهتمامًا خاصًا بالصحافة والإعلام، وجعل منهما أحد الأعمدة الرئيسة في مشروعه الدعوي والسياسي. لم يكن ذلك نابعًا من حب المعرفة أو الإيمان بحرّية التعبير، بل من إدراك مبكر بأنّ الإعلام يمكن أن يكون وسيلة للتعبئة الإيديولوجية والسيطرة على الوعي العام.

أنشأ البنا مجلات ونشرات دورية تحمل فكر الجماعة وتبشر بمشروعها الاجتماعي والسياسي، وكانت مجلة "الإخوان المسلمون"، ثمّ "الدعوة "أبرز هذه المنابر. استخدمت تلك المطبوعات لغة تجمع بين الخطاب الديني العاطفي والتحريض السياسي المبطن، فكانت بمثابة مدرسة لتنشئة جيل من المريدين يرى في الجماعة ممثلاً للإسلام ذاته. هذا المزج بين الدين والسياسة، وبين القداسة والواقعية الدعائية، منح الصحافة الإخوانية منذ نشأتها طابعًا تعبويًا لا إخباريًا، هدفه الأساس ليس نشر المعرفة بل بناء الولاء للتنظيم.

ولم يكن الإعلام بالنسبة إلى البنا وسيلة تكميلية، بل كان مكوّنًا أساسيًا في منظومة السيطرة. فقد استخدمه لبناء شبكة من الأنصار داخل المجتمع، وأداة لتجميل صورة الجماعة أمام السلطة والجمهور في آنٍ واحدٍ. كانت المقالات والافتتاحيات تُصاغ بعناية لتبدو دعوية في ظاهرها، لكنّها تُحمّل رسائل سياسية خفية تمهّد للمشروع الأكبر: إقامة "النظام الإسلامي الشامل" الذي يتجاوز حدود الدولة الوطنية. وهكذا تحولت الصحافة إلى أداة دعوية ذات وظيفة مزدوجة: التبشير بالعقيدة الإخوانية، والتحريض ضد كل من يعارضها.

التغلغل الإعلامي تحت غطاء الشرعية

مع تغيّر المناخ السياسي في مصر بعد حل الجماعة وتقييد نشاطها، لجأ الإخوان إلى استراتيجيات جديدة لاختراق الفضاء الإعلامي دون الظهور باسمهم الصريح. في عهد الرئيس حسني مبارك، ومع عودة الحياة الحزبية النسبية في الثمانينيات، بدأ الإخوان مرحلة جديدة من "الكمون الإعلامي"، حين سعوا إلى السيطرة غير المباشرة على منابر الصحافة القانونية.

أبرز هذه المحاولات كانت عبر صحيفة (الوفد)، لسان حال الحزب الليبرالي الشهير. من خلال مجموعة من الصحفيين المتعاطفين مع الجماعة تمكن الإخوان من تمرير مقالات وخطابات تتبنّى رؤيتهم السياسية والاجتماعية تحت ستار "الإصلاح الوطني". هذا التسلل لم يكن عشوائيًا، بل كان جزءًا من خطة متكاملة لتغلغل الجماعة في المنصات الإعلامية الشرعية، لتروّج لخطابها بين الطبقات الوسطى والمثقفين الذين كانوا يثقون في مصداقية الصحف المستقلة.

وفي التسعينيات تكرّر المشهد بشكل أوضح داخل صحيفة (الشعب) التابعة لحزب العمل، التي تحوّلت تدريجيًا إلى منبر صريح للإخوان بعد تحالف الحزب مع الجماعة. عبر صحيفة (الشعب) شنّ الإخوان حملات سياسية ودينية تستهدف خصومهم الفكريين والمثقفين الليبراليين، مستخدمين لغة تجمع بين الوعظ الديني والتخوين السياسي. فقد وُظفت الصحيفة كمنصة للتحريض، ووسيلة لتصفية الحسابات الفكرية تحت شعار الدفاع عن "الإسلام" في مواجهة "العلمانية والكفر". 

لقد أتقنت الجماعة من خلال هذه المنابر فنّ التلاعب بالمفاهيم؛ فحرّية الصحافة عندها لم تكن قيمة في حدّ ذاتها، بل وسيلة تخدم "مشروع التمكين". لذلك استغلت الهامش المحدود من الحرية المتاح في الصحف الحزبية، لتروّج لخطابها المعادي للدولة المدنية والمواطنة. وشيئًا فشيئًا، تحولت صفحات تلك الصحف إلى منابر لتأجيج الاستقطاب الاجتماعي ونشر ثقافة الشك والريبة تجاه مؤسسات الدولة، فيما بدا أنّه محاولة ممنهجة لتقويض الثقة بين المجتمع والدولة.

التحوّل إلى الإعلام الرقمي والتضليل المنظّم

مع دخول الألفية الجديدة اتخذ النشاط الإعلامي الإخواني شكلًا أكثر مرونة واحترافية. فقد أسست الجماعة مواقع إلكترونية ومنصات رقمية تحمل أسماء براقة مثل "الإخوان أون لاين"، لتخاطب جمهورًا محليًا ودوليًا بلغات متعددة. لاحقًا، وبعد عام 2013 انتقلت إلى مرحلة جديدة من "الإعلام المهاجر"، إذ تبنّت قنوات إقليمية خارجية خطاب الجماعة وقدمت نفسها كصوت "الشرعية المفقودة".

تميّزت هذه المرحلة بظهور ماكينة تضليل رقمية تعتمد على نشر الأخبار المزيفة وإعادة تدوير الصور والفيديوهات القديمة باعتبارها أحداثًا جديدة، وتقطيع المقاطع من سياقها لبناء رواية تبرّئ الجماعة وتدين خصومها. ومع تصاعد نشاط وسائل التواصل الاجتماعي تحولت حسابات ومواقع الإخوان إلى منصات للتأثير العاطفي عبر قصص المظلومية والبكاء على "الضحايا"، في حين كانت تخفي مسؤوليتهم عن إشعال الأزمات والعنف السياسي.

بذلك انتقل الإعلام الإخواني من طور "الدعوة" إلى طور "الدعاية"، ومن خطاب الإصلاح إلى خطاب التحريض، ومن الدفاع عن القيم إلى صناعة الأكاذيب. كانت الجماعة تدرك أنّ معركة الصورة والرواية أخطر من معركة السلاح، فاستثمرت مواردها في بناء "آلة بروباغندا" قادرة على تشكيل الوعي الجمعي وإعادة صياغة الأحداث وفق رؤيتها. حتى الشعارات الدينية التي ترفعها لم تكن سوى أدوات لتسويق ذاتها كضحية دائمة، ولتغذية إحساس دائم بالاضطهاد يبرر كل أشكال التضليل.

ولم يكن هذا السلوك وليد اللحظة، بل كان امتدادًا طبيعيًا للنهج الذي أسسه حسن البنا نفسه، حين جعل الصحافة ذراعًا من أذرع التنظيم، لا مجالًا للحوار أو التعدد. فالإعلام عند الإخوان لا يُعنى بالحقائق بقدر ما يسعى إلى إنتاج "واقع بديل" يخدم مشروعهم الإيديولوجي. وهو ما يفسّر استمرار خطابهم المزدوج حتى اليوم: خطاب خارجي موجّه للعالم يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وخطاب داخلي تعبوي يحرّض ضد مؤسسات الدولة ويبرر العنف بدعوى "الدفاع عن الشرعية".

منبر المظلومية إلى أداة للهيمنة

لقد تحوّل الإعلام الإخواني على مدى تاريخه إلى مدرسة في صناعة المظلومية. فمنذ حلّ الجماعة في الأربعينيات حتى سقوط حكمها في 2013، ظلت تروّج لفكرة أنّها ضحية مؤامرات سياسية، وأنّها "الفرقة المظلومة" التي تُحارَب لأنّها تحمل الحق. هذا الخطاب لم يكن بريئًا، بل أداة نفسية لإدامة التعاطف الداخلي، وتبرير الكذب والتناقض الخارجي. فالمظلومية هنا ليست نتيجة، بل استراتيجية تعبئة متعمدة.

تستخدم الجماعة في خطابها الإعلامي لغة تجمع بين القداسة والتهديد، بين "نحن الجماعة الربانية"، و"أنتم خصوم الله". هذه الثنائية تسمح لها بتقديس الذات وتجريم الآخر، فتغدو كل وسيلة مباحة ما دام الهدف "إعلاء كلمة الدين". وهكذا يصبح التضليل واجبًا مقدّسًا، ويغدو تزييف الوعي نوعًا من الجهاد. وبهذه الصيغة نجح الإخوان في تحويل الإعلام من مجال للمساءلة إلى منبر للتحريض وإلغاء الآخر.

ومع تراكم الخبرة الدعائية للجماعة صار لديها ما يمكن وصفه بـ "الهيمنة الرمزية" على جزء من الخطاب العام، إذ استطاعت أن تُقنع شريحة من الجمهور بأنّ ما تبثه يمثل الحقيقة، رغم تناقضه مع الوقائع الميدانية. ويُظهر هذا أنّ المعركة بين الدولة والإخوان لم تكن فقط على السلطة السياسية، بل أيضًا على العقل الجمعي. فقد أدركت الدولة المصرية أنّ مواجهة الإخوان لا يمكن أن تُحسم أمنيًا فقط، بل تحتاج إلى تفكيك خطابهم الإعلامي القائم على الكذب المقدّس.

منذ حسن البنا حتى اليوم ظلّ الإعلام بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين أداة للهيمنة لا للتنوير، ووسيلة لتزييف الوعي لا لتشكيله. لم يتطور خطابهم الإعلامي رغم تغير الوسائل، بل ظلّ أسيرًا للفكرة الجوهرية نفسها: أنّ الكلمة لا تُستخدم للبحث عن الحقيقة، بل لتجنيد الأتباع وتبرير الأهداف. وهكذا يتضح أنّ الصحافة في مشروع الإخوان لم تكن يومًا سعيًا للمعرفة أو حرية الرأي، بل كانت جزءًا من منظومة السيطرة الإيديولوجية التي تضع التنظيم فوق الحقيقة، والدعاية فوق الواقع، والمظلومية فوق المسؤولية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية