الإخوان والنقد الذاتي... لماذا لا تراجع الجماعة أفكارها؟

الإخوان والنقد الذاتي... لماذا لا تراجع الجماعة أفكارها؟

الإخوان والنقد الذاتي... لماذا لا تراجع الجماعة أفكارها؟


23/06/2026

مرت جماعة الإخوان طوال تاريخها بالعديد من الأزمات والصدامات، وحدث لها الكثير من الإخفاقات بشكل حال دون قدرتها على تحقيق أهدافها الرئيسية، وإعادتها في كثير من الأحيان خطوات كثيرة إلى الوراء، لكن على الرغم من ذلك ومن هذا العمر الطويل فإنّها لم تقم في وقت من الأوقات بعملية مراجعة أو ممارسة النقد الذاتي لنفسها، بشكل يجعلها تستفيد من أخطائها ويجعلها قادرة على الاستمرار دون مزيد من الأزمات والصدامات، وفي إطار ذلك تعطي الجماعة لنفسها العديد من التبريرات التي تعفيها من هذا الأمر، فأثناء الأزمة تكون حجتها أنّ الوقت غير مناسب للتقييم والمراجعة، وبعد انتهائها تكون حجتها أنّه لا وقت نضيعه في الكلام عن الماضي وأنّ الأولوية للعمل.

لكن ما الأسباب الحقيقية التي تمنع الجماعة من هذه المراجعة وهذا النقد، وما نتائج ذلك؟

مفهوم سيّئ السمعة 

الواقع يقول إنّ جماعة الإخوان لا تقبل النقد بشكل عام، لا من داخلها ولا من خارجها، لا من أعضائها ومؤيديها ولا من معارضيها ورافضيها، لا من داخل المنتمين إلى التيار الإسلامي ولا من غير المنتمين إليه من أصحاب الأفكار الأخرى، وبالطبع لا تقوم هي ذاتها بممارسة عملية نقد ذاتي تستكشف به أخطاءها، وتصحح به مسارها، وتجدد به نفسها، وعلى طول تاريخ الجماعة الذي تخلله الكثير من الأزمات والمحن التي وصلت إلى حد حل الجماعة وقتل مؤسسها والمكث في السجون لسنوات طويلة، إلا أنّ الجماعة لم تقف في أيّ منها وقفة مراجعة وتصحيح، وحتى المرات القليلة التي قامت بها الجماعة بمراجعة لبعض المواقف كموقف البنا من تشكيل الأحزاب، حيث كان يرى أنّها مخالفة للشريعة وتتسبب في تفرقة الأمة، فإنّها قد غيرت موقفها من هذه المسألة نتيجة لضغط الظروف وتغير الواقع، حيث لم تعلن صراحة أنّ رأي البنا في هذا الأمر غير صحيح، ولم تقم بالتأصيل لذلك.

والحقيقة أنّ مفهوم النقد هو مصطلح سيّئ السمعة لدى الاسلاميين عمومًا، إذ أنّه يعني بالنسبة إليهم تجريحًا وتشهيرًا وسبًّا، رغم أنّه مفهوم إسلامي ومن المفترض ألّا يكون غريبًا عند الإسلاميين، بل من المفترض أن يكون أقرب إلى الواجب الديني، فقد حثّ الإسلام عبر الكثير من النصوص على إسداء النصيحة للآخر كما حثّ الآخر على تقبّلها، بل إنّه اعتبر أنّ من أبرز السمات التي تتسم بها هذه الأمة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحثّ على لوم النفس ومحاسبتها بشكل مستمر والعمل على إصلاح عيوبها وتقويم اعوجاجها، ومن أمثلة تلك النصوص حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإنّ ذلك نصره"، وكذلك قول عمر بن الخطاب: "رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي"، وقد حث القرآن على محاسبة النفس التي هي جوهر عملية النقد الذاتي: "بل الإنسان على نفسه بصيرة".

لماذا تتهرب الجماعة من النقد؟

توجد عدة أسباب تمنع جماعة الإخوان من تقبل النقد فضلًا عن ممارسته بنفسها، ومن ذلك أنّ التكوين النفسي والفكري للجماعة يحول دون ذلك، إذ يقوم على تعظيم الذات والسمو بها عن كل نقيصة وعيب، فالجماعة ترى نفسها الممثل الحصري للإسلام وأنّها تمتلك الحق المطلق، ويترتب على هذا الخلط بين الإسلام وبين الجماعة الخلط بين الأشخاص الذين يمثلون الجماعة وبين المبادئ التي يعتنقونها ويريدون تطبيقها؛ ويؤدي ذلك إلى رفض أيّ انتقادات توجه إلى الجماعة سواء على مستوى الأفكار أو على مستوى المواقف والممارسات، لأنّها تُعدّ في نظرهم انتقاصًا من تلك المبادئ التي يعتقدون بقدسيتها؛ فتنسحب بذلك القدسية من المبادئ إلى الأشخاص وتصرفاتهم وأفكارهم. 

ويحول أيضًا دون ممارسة النقد الذاتي وتقبله من الآخر وجود قناعة لدى الإخوان بحتمية الوقوع في المحن المتكررة، التي هي، من وجهة نظرهم، نتيجة طبيعية للسير في هذا الطريق الذي تراه طريق الأنبياء والمصلحين، ممّا يجعل الجماعة لا تفكر مطلقًا في احتمالية وجود خطأ أو عيب لديها يستدعي التصحيح، فلا داعي إذًا للبحث أو التفكير واتهام النفس بالتقصير أو الخطأ، ومن الأسباب أيضًا خوف قيادات الجماعة من المحاسبة وانفضاض الأفراد من حولها؛ إذ أنّه باعترافها بوجود أخطاء فإنّها تعترف حينئذ بتقصيرها، وتفتح الباب لأتباعها بسؤالها ومحاسبتها وعزلها، وهذا ما لا تقبله مطلقًا، كما أنّه لا توجد داخل جماعة الإخوان آلية تنظيمية واضحة وفعالة لممارسة عملية النقد الذاتي ومحاسبة المخطئ، فهي جماعة قائمة على السمع والطاعة وتقديس القيادات "الربانية".

ويمنع الجماعة من ممارسة النقد الذاتي وجود قصور في التفكير لديها يجعلها عاجزة عن إدراك أهمية الأسباب الذاتية في حدوث الفشل وإنتاج الأزمات، فلا ترى سوى الأسباب الخارجية فقط التي تربط بينها وبين ما يحدث لها في إطار نظرية المؤامرة المسيطرة على تفكيرها، التي تفسر من خلالها كل شيء. 

ويؤدي افتقاد الجماعة لممارسة النقد الذاتي وعدم تقبله من الآخرين إلى عدم التوقف عن الأخطاء، ولكن الاستمرار فيها، بل تفاقمها، ممّا يجعها تدخل في صراعات وصدامات وأزمات بشكل متكرر، هذا بالإضافة إلى الكثير من الأضرار الأخرى التي لا تقتصر على الجماعة كمؤسسة فقط ولكن تضرّ أيضًا أعضاءها كأفراد، بل تضرّ المجتمع بأكمله الذي كثيرًا ما يدفع فاتورة أخطاء جماعة بحجم جماعة الإخوان المسلمين. 

إنّ عملية النقد الذاتي مسألة صعبة حقًا على النفس، إذ أنّها تضع المرء أمام نفسه فيراها على حقيقتها دون تجميل أو مبالغة، وهذا ما تأباه النفس البشرية ولا يقوم به إلا الأقوياء الصرحاء مع أنفسهم الذين يريدون الحق لا غيره، وهذا قليلٌ ما نجده، خاصة في مجتمع اعتاد على الهروب من الحقيقة. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية