إخوان بنغلاديش وصناعة الفوضى من أجل الهيمنة: الجماعة الإسلامية تُلوّح بثورة جديدة

إخوان بنغلاديش وصناعة الفوضى من أجل الهيمنة: الجماعة الإسلامية تُلوّح بثورة جديدة

إخوان بنغلاديش وصناعة الفوضى من أجل الهيمنة: الجماعة الإسلامية تُلوّح بثورة جديدة


24/06/2026

شهدت تحركات الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، تصعيدًا سياسيًا لافتًا، حيث نظمت حشودًا جماهيرية في مدينة "خولنا" ضمن سلسلة فعاليات ميدانية تستهدف إعادة فرض حضورها على المشهد السياسي. واعتمدت قيادة الجماعة خطابًا تحريضيًا قائمًا على الحشد والتعبئة الشعبية، ملوحة بإطلاق ما وصفته بـ "ثورة جديدة"، في محاولة لإثارة الشارع وإعادة إنتاج حالة الاستقطاب السياسي. 

ميثاق يوليو

وخلال التجمع الذي عُقد في ساحة "سيركيت هاوس" التاريخية بمدينة خولنا في 20  حزيران/يونيو الجاري، صعّد أمير الجماعة الإسلامية الدكتور شفيق الرحمن من لهجته التحريضية، معلنًا أنّ الجماعة ستواصل ضغوطها السياسية والشعبية لفرض ما تسميه "حكم الاستفتاء الشعبي" و"ميثاق يوليو". ولوّح باللجوء إلى الشارع كأداة للضغط في حال تعثر تحقيق مطالب الجماعة داخل البرلمان، مؤكدًا أنّ أنصارها سيتحركون في مختلف أنحاء البلاد.

وتحدث شفيق الرحمن عمّا وصفه بـ "صحوة جماهيرية" مرتقبة، في تصريحات تعكس مساعي الجماعة لإعادة تعبئة الشارع وتوسيع دائرة الاستقطاب السياسي، عبر خطاب يعتمد على الحشد الجماهيري والتلويح بتصعيد ميداني يثير مخاوف من زيادة حدة التوترات الداخلية خلال المرحلة المقبلة.

ولم يكتفِ زعيم الجماعة بهذا التصعيد، بل وجّه دعوة مباشرة إلى الشباب للاستعداد لما وصفه بـ "ثورة أخرى حتمية" لإسقاط ما سمّاه "الفاشية الجديدة"، في خطاب حمل رسائل تحريضية واضحة وأعاد إلى الواجهة مفردات التعبئة الثورية التي دأبت الجماعة على استخدامها خلال السنوات الأخيرة لحشد الأنصار وتحديدًا الشباب الذين تحرص الجماعة على توظيفهم ضمن مخططاتها.

وبالتوازي مع ذلك، سعى شفيق الرحمن إلى تقديم الجماعة في صورة الطرف الحريص على الاستقرار، مدعيًا أنّ حزبه قبل نتائج الانتخابات رغم تحفظاته عليها تفاديًا لانزلاق البلاد نحو الفوضى والصدامات الداخلية. وشدد على أنّ الجماعة "لن تخضع للتهديدات"، مؤكدًا استعدادها لتقديم التضحيات دفاعًا عمّا تصفه بمصالح البلاد، في محاولة لتبرير نهجها التصعيدي وإضفاء شرعية سياسية على تحركاتها الميدانية المتزايدة.

استراتيجية متدرجة لإشعال الفوضى

ولا تبدو التصريحات التي أطلقتها الجماعة في مدينة "خولنا" مجرد موقف عابر أو حدث منفصل، بل تندرج ضمن تحرك سياسي منظم تقوده الجماعة الإسلامية وحلفاؤها منذ نيسان/أبريل الماضي، في إطار مساعٍ متواصلة لتوسيع نفوذهم وإعادة تنشيط قواعدهم الشعبية. فقد أعلن التحالف الذي تتزعمه الجماعة عن برنامج واسع من التجمعات الجماهيرية المتتابعة في 7 مدن رئيسية، تشمل راجشاهي وشيتاغونغ وخولنا وميمينسينغ ورانغبور وباريشال وسيلهت، بهدف تكثيف الضغوط السياسية والشعبية لفرض ما يصفه بتنفيذ نتائج الاستفتاء المرتبط بميثاق يوليو.

وتعكس هذه التحركات اعتماد الجماعة على استراتيجية مزدوجة تقوم على الجمع بين المشاركة المؤسسية داخل البرلمان والتصعيد الميداني في الشارع، حيث يواصل قادتها التأكيد على المضي في العمل البرلماني بالتوازي مع حشد الأنصار وتنظيم الفعاليات الجماهيرية واستخدام أدوات الضغط الشعبي لتحقيق أجندتهم السياسية. ويشير هذا النهج إلى سعي الجماعة للحفاظ على حالة تعبئة مستمرة وتوظيف الزخم الجماهيري كورقة ضغط موازية للمسار السياسي الرسمي.

توظيف ملف الاستفتاء

ويُعدّ التمسك بما يُعرف بـ "ميثاق يوليو" والاستفتاء المرتبط به أحد أبرز مرتكزات الخطاب السياسي الذي تتبناه الجماعة الإسلامية خلال الأشهر الأخيرة، حيث تسعى إلى تقديم هذه القضايا باعتبارها أولوية سياسية ودستورية لا يمكن تجاوزها. وقد كثّف قادة الجماعة من مطالباتهم بتنفيذ نتائج الاستفتاء، معتبرين إيّاها مدخلاً لإعادة صياغة المشهد السياسي وفق رؤيتهم الخاصة.

وفي هذا السياق، لوّح الأمين العام للجماعة ميا غلام بروار بإمكانية دخول البلاد في أزمة سياسية ودستورية إذا ما تم تجاهل نتائج الاستفتاء، في تصريحات عكست استمرار سياسة الضغط السياسي التي تنتهجها الجماعة لدفع مؤسسات الدولة نحو تبنّي أجندتها. وذهب أمير الجماعة شفيق الرحمن إلى أبعد من ذلك، عندما ربط إجراء أيّ انتخابات مستقبلية بمنح "ميثاق يوليو" أساسًا قانونيًا ملزمًا، مؤكدًا أنّ الاعتراف بما يُسمّى "ميثاق يوليو" يمثل، من وجهة نظر الجماعة، شرطًا جوهريًا لإعادة تشكيل النظام السياسي في بنغلاديش، وهو ما يكشف عن سعيها لتوظيف هذه الشعارات كأداة لإحداث تغييرات سياسية ودستورية عميقة تتجاوز مجرد المنافسة الانتخابية التقليدية.

خطاب فوضوي رغم الصعود السياسي

وتأتي هذه التحركات في ظل تنامٍ ملحوظ لحضور الجماعة الإسلامية على الساحة السياسية البنغلاديشية مقارنة بالسنوات الماضية. فبعد رفع القيود التي فُرضت عليها عقب سقوط حكومة الشيخة حسينة، نجحت الجماعة في استعادة نشاطها السياسي والتنظيمي بوتيرة متسارعة، مستفيدة من المتغيرات التي شهدتها البلاد، وهو ما تُوّج بحصولها على 68 مقعدًا في البرلمان خلال انتخابات 2026، لتتحول إلى أحد أبرز اللاعبين في المشهد السياسي البنغلاديشي.

وبالتوازي مع هذا الصعود، سعت الجماعة إلى إعادة تسويق نفسها عبر خطاب سياسي يركز على شعارات مكافحة الفساد والإصلاح المؤسسي، في محاولة لتوسيع قاعدتها الشعبية وتحسين صورتها لدى قطاعات أوسع من الناخبين. 

غير أنّ هذا التقدم السريع أثار حالة من القلق لدى قوى مدنية وأقليات دينية، ترى أنّ الخطاب الجديد لا يغيّر من الطبيعة الإيديولوجية للجماعة، بل يمثل محاولة لإعادة التموضع السياسي تمهيدًا لتعزيز نفوذ التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، بما قد ينعكس على التوازنات السياسية والاجتماعية في البلاد خلال المرحلة المقبلة.

وتكشف تطورات "خولنا" أنّ الجماعة الإسلامية لا تنظر إلى المكاسب البرلمانية التي حققتها في انتخابات 2026 باعتبارها نهاية المطاف، بل تتعامل معها كمنصة للانطلاق نحو توسيع نفوذها السياسي والشعبي.

 فإلى جانب حضورها داخل المؤسسات التشريعية، تواصل الجماعة العمل على بناء حالة تعبئة جماهيرية دائمة تمنحها أدوات ضغط إضافية للتأثير في مسار القرارات السياسية وصياغة أجندة المرحلة المقبلة.

ويُلاحظ أنّ الخطاب الذي تبنّاه قادة الجماعة خلال حزيران/يونيو 2026 اتسم بنبرة تصعيدية واضحة، فقد تكررت مفردات مثل "الثورة" و"الصحوة الجماهيرية" و"الاحتكام إلى الشارع"، وهي مصطلحات تعكس توجهاً نحو توظيف الحشد الشعبي كوسيلة ضغط موازية للعمل السياسي التقليدي. ويشير هذا الخطاب إلى أنّ الجماعة تسعى للحفاظ على زخم جماهيري مستمر يتيح لها تعزيز حضورها خارج الأطر المؤسسية الرسمية خصوصًا في أعقاب فشلها في حصد أغلبية برلمانية في الانتخابات الأخيرة، وهو ما دفعها إلى تبنّي خطاب تحريضي سعيًا إلى تعويض هذا الإخفاق.

ومع استمرار تنظيم التجمعات الإقليمية والتلويح بتوسيع نطاق الحراك الشعبي في حال عدم الاستجابة لمطالبها، تزداد المخاوف من دخول بنغلاديش مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي الحاد، تتداخل فيها المنافسة الحزبية مع محاولات فرض موازين قوى جديدة في الشارع.

 وفي هذا السياق، باتت تحركات الجماعة الإسلامية يُنظر إليها من قبل خصومها السياسيين وعدد من المراقبين باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع لتكريس نفوذها السياسي والإيديولوجي، وهو ما يفسر تنامي حالة الترقب والقلق إزاء تداعيات هذه التحركات على مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.

من إخوان بنغلاديش إلى  إخوان باكستان

الأمر الآخر أنّ ما تقوم به الجماعة الإسلامية في بنغلاديش من تحريض على الفوضى والاضطرابات السياسية لا يختلف كثيرًا عمّا يفعله فرع الجماعة الإسلامية في باكستان بقيادة حافظ نعيم الرحمن. في 10 حزيران/يونيو دعت الجماعة الإسلامية في باكستان إلى ما وصفته بـ "الثورة" على الحكومة القائمة، بالتوازي مع استمرار الدعوات إلى الاحتجاجات والمسيرات الهادفة إلى شلّ مؤسسات الدولة والضغط على السلطة الحاكمة.

ولا يمكن النظر إلى ما يحدث في البلدين باعتباره مجرد مصادفة، خاصة أنّ بنغلاديش كانت في الأصل جزءًا من باكستان تحت اسم "باكستان الشرقية" قبل استقلالها، فضلًا عن وجود تقارب فكري وتنظيمي وتاريخي بين قيادات الجماعة الإسلامية في البلدين. 

وكان موقع "جسارت" التابع للجماعة  الإسلامية في باكستان قد أفرد  تغطية خاصة لانتخابات بنغلاديش. وعقب ظهور النتائج سافر وفد برئاسة "طاهر أكبر"، برفقة "نذير الحسن" و"أمير أشرف"من قادة الجماعة الإسلامية في باكستان إلى دكا، حيث قاموا بتكريم أمير الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، الدكتور شفيق الرحمن، ومنحه درعًا تذكاريةً.

وخلال التكريم اعتبر شفيق الرحمن أنّ البذرة التي غرسها أبو الأعلى المودودي أصبحت شجرة باسقة تخترق صدر الباطل، في إشارة إلى الترابط الإيديولوجي العابر للحدود بين أجنحة التيار. لذلك فإنّ تزامن الخطاب السياسي وأساليب الحشد والتعبئة بين الطرفين يثير تساؤلات حول طبيعة التنسيق أو التأثير المتبادل بينهما.

ويظهر بوضوح أنّ الجماعتين في كلا البلدين تتبعان الآليات نفسها، ومن أبرزها تحريض الشباب على المشاركة في هذه الاحتجاجات.

وفي هذا السياق، يمكن إدراج هذه التحركات ضمن النهج الذي تتبناه حركة الإخوان المسلمين وفروعها المختلفة، القائم على استثمار الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الدول، وتوظيف حالة الاستياء الشعبي لتقديم نفسها بوصفها البديل للنظام القائم، وذلك في إطار ما يُعرف بمشروع "التمكين" الذي تسعى الحركة إلى تحقيقه في البلدان التي تنشط فيها.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية