عندما تحارب ضدّ وطنك: التاريخ الأسود للإخوان في بنغلاديش

عندما تحارب ضدّ وطنك: التاريخ الأسود للإخوان في بنغلاديش

عندما تحارب ضدّ وطنك: التاريخ الأسود للإخوان في بنغلاديش


14/07/2026

الجماعات الدينية تنطلق دائمًا من أجندات إيديولوجية عابرة للحدود، حيث يختفي مفهوم الدولة أو الوطن إذا تعارض مع مصالح الجماعة، وهذا ما فعلته الجماعة الإسلامية في بنغلاديش عندما قامت بالتحالف مع باكستان ضد استقلال وطنهم، ولم يكتفوا بالتحالف فقط، بل شاركوا باكستان القتال ضد أبناء بلادهم.

البداية كانت في العام 1947، الذي كان عامًا محوريًا في تاريخ شبه القارة الهندية، مع تقسيمها وظهور دولة باكستان لأول مرة على الخريطة. لكنّ هذه الدولة الجديدة كان لها امتداد في الشرق يُسمّى باكستان الشرقية، التي ستُعرف لاحقًا باسم بنغلاديش، وكان الرابط بين الدولتين أنّ غالبية السكان مسلمون.

مع قدوم عقد الخمسينيات بدأت تتصاعد داخل القسم الشرقي من باكستان روح القومية البنغالية التي تطالب باستقلال باكستان الشرقية وإعلانها دولة مستقلة. لكنّ الجماعة الإسلامية في بنغلاديش كان لها رأي آخر، حيث رفضت الاستقلال، وأطلقت على من ينادون بذلك جماعة الانفصاليين، وكان على رأس هؤلاء الانفصاليين قوات التحرير، أو ما يُعرف بجماعة "موكتي باهيني".

جرائم الجماعة الإسلامية

في 25 آذار/مارس 1971 بدأ الجيش الباكستاني حربه ضد من سمّاهم المتمردين في باكستان الشرقية، وعلى رأسهم جيش التحرير، بمشاركة الجماعة الإسلامية، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، حيث أعلن غلام أعظم، أمير الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، أنّ القوات الباكستانية ستقوم بسحق المتمردين في باكستان الشرقية.

ولم تكتفِ الجماعة الإسلامية بذلك، بل قامت بتشكيل لجنة السلام المركزية لباكستان الشرقية باسم (لجنة شانتي) في 11 نيسان/أبريل، وكان غلام أعظم أحد أعضائها. وكان دور هذه اللجنة هو مساندة القوات الباكستانية، حيث تولت مهمة الوشاية بمن سمّتهم المتمردين من عامة الشعب. كذلك قاموا بمصادرة وإعادة توزيع المحلات التجارية والأراضي المملوكة للهندوس والبنغاليين المؤيدين للتحرير، ولا سيّما أقارب وأصدقاء مقاتلي قوات التحرير الذين فروا بسبب فظائع الحرب.

وتوسعت لجنة السلام التابعة للجماعة الإسلامية في ارتكاب جرائم حرب ضد إخوانهم من شعب بنغلاديش، حيث شاركوا في قتل مئات الآلاف من المدنيين غير المقاتلين في باكستان الشرقية، بما في ذلك الأطفال. وأنشأت الجماعة الإسلامية جماعات مسلحة تحمل أسماء "البدر" و"الشمس" و"راجاكار"، وقامت قوات البدر، وهي الجناح المسلح للجماعة الإسلامية في بنغلاديش، باستهداف وقتل عدد من المثقفين المؤيدين للانفصال، وتم جمع الأساتذة والصحفيين والأطباء والفنانين والمهندسين والكتّاب، وتعصيب عيونهم ونقلهم إلى مخيمات التعذيب، ولاحقًا تم إعدامهم بشكل جماعي.

وهنا تتجلى خطورة الجماعات الإيديولوجية التي لا تعرف في قاموسها مفهوم كلمة وطن، فالإيديولوجية العابرة للحدود بالنسبة إليها تأتي كأولوية على حساب أبناء وطنها، حتى لو وصل الأمر إلى القتل؛ كل هذا في سبيل نصرة إيديولوجيتها المزعومة. وسنجد هذا السلوك متكررًا في أيّ مكان توجد فيه هذه الجماعات، فعند أول تعارض في المصالح مع البلد الذي تتواجد فيه، لا تتوانى هذه الجماعات عن إحراق الأخضر واليابس نصرةً لأفكارها.

اغتصاب وانتهاكات جنسية

وكانت أبشع الجرائم التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية في بنغلاديش هي أسر مئات الآلاف من النساء البنغاليات واحتجازهن رهائن في المعسكرات العسكرية للترفيه عن الجيش الباكستاني. ورغم أنّ تركيزها كان منصبًا على النساء غير المسلمات، فإنّ النساء المسلمات لم يسلمن من ذلك أيضًا. وخلال حرب التحرير وقعت ما بين 200  ألف إلى 400 ألف امرأة ضحية للاغتصاب والعبودية الجنسية، وشكَّلت نسبة النساء المسلمات في هذه المأساة النصف تقريبًا. ورغم الإعلان عن الناجيات من ضحايا الاغتصاب بوصفهن "بطلات حرب"، فإنّ إعادة إدماجهن في المجتمع كانت أمرًا بالغ الصعوبة، حيث رُفضت الكثيرات من هؤلاء النساء من قِبل عائلاتهن.

مرة أخرى، في سبيل انتصار الإيديولوجية، لا تتوانى هذه الجماعات عن القيام بأيّ شيء، حتى وإن كان تعريض نساء بلدهم لهذا المصير، لأنّه في نظرهم يفعلون هذا نصرةً للدين، وفي سبيل ذلك كل شيء متاح.

انتهت الحرب، وكُتب الانتصار لقوات التحرير البنغلاديشية، التي وصلت إلى مشارف العاصمة دكا، حيث فرَّ غلام أعظم إلى باكستان الغربية تحت ذريعة حضور اجتماع مركزي للجماعة الإسلامية. وحتى من هناك استمرت أنشطة غلام أعظم المناهضة للتحرير، مثل تنظيم "أسبوع استعادة باكستان الشرقية"، حيث عمل على حشد الأموال تحت شعار "الدفاع عن الإسلام في بنغلاديش"، وتصوير الأقلية الهندوسية على أنّها الجاني الذي يمارس العنف ضد المسلمين.

في حين ظل تحديد العدد الفعلي للقتلى من سكان باكستان الشرقية خلال حرب التحرير موضع نقاش، فإنّ عدد القتلى، وفقًا للسلطات البنغلاديشية، كان حوالي ثلاثة ملايين من سكان باكستان الشرقية، على يد قوات باكستان الغربية ومؤيديها، وتحديدًا الجماعة الإسلامية والفروع التابعة لها.

كان دافع الجماعة الإسلامية هو وحدة المجتمع المسلم في البلدين، والحفاظ على كيان الجماعة التي أنشأها أبو الأعلى المودودي، لكنّهم تجاهلوا الاختلافات الضخمة بين البلدين؛ فكلا البلدين يبعدان عن بعضهما آلاف الكيلومترات، ولا تجمعهما حدود مشتركة، بالإضافة إلى محاولة فرض باكستان اللغة الأردية على بنغلاديش، رغم تحدثهم باللغة البنغالية. لذلك كان الانفصال حتميًا، فما لا تستطيع الجماعة الإسلامية أن تفهمه هو أنّ ما يجمع الدول هو المصالح، وليس الانتماء الديني.

وضع الجماعة الإسلامية بعد الحرب

في البداية، لم يكن هناك مكان للجماعة الإسلامية في بنغلاديش خلال المرحلة الأولى، حيث فرَّ العديد من كبار قادة الجماعة الذين دعموا الجيش الباكستاني إلى باكستان، بينما استمر آخرون داخل بنغلاديش.

في 12 كانون الثاني/يناير 1972 أصبح الشيخ مجيب الرحمن، المعروف بـ "أبو الأمة"، أوّل رئيس وزراء لبنغلاديش المستقلة، ولم يتوانَ عن اتخاذ مبادرات لاستئصال الأحزاب الدينية المتطرفة. وكجزء من هذه المبادرة تمَّت صياغة أول دستور لبنغلاديش بناءً على أربعة مبادئ: العلمانية، والقومية، والاشتراكية، والديمقراطية. وبموجب المادة 38 من هذا الدستور، حُظرت الأحزاب السياسية القائمة على الانتماء أو الدوافع الدينية في بنغلاديش؛ وبناءً على ذلك، فقدت الجماعة الإسلامية منصتها للعمل كحزب سياسي في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، تمّ إقرار "قانون محكمة الجرائم الدولية لعام 1973" لتفويض الدولة بوضع أحكام لاحتجاز ومحاكمة ومعاقبة الأشخاص المتهمين بالإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وغيرها من الجرائم الخاضعة للقانون الدولي. وصدر هذا القانون بنية إجراء محاكمات ضد الجرائم التي ارتكبها الجيش الباكستاني والفصائل التابعة له، مثل الجماعات المقاتلة التي أنشأتها الجماعة الإسلامية.

ورغم ذلك، فبعد فترة وجيزة من اتخاذ هذه المبادرات، قامت الدول الثلاث المتجاورة، الهند، وباكستان، وبنغلاديش، بإبرام اتفاقيات سلام متبادلة من أجل تهدئة الأوضاع. ففي إطار مساعي السلام في شبه القارة الهندية، وقَّعت بنغلاديش الاتفاقية الثلاثية مع الهند وباكستان عام 1974. وتضمنت هذه الاتفاقية موافقة بنغلاديش على إعادة 195 أسير حرب باكستانيًا من حرب عام 1971 إلى بلادهم. وهكذا، تُرك "قانون محكمة الجرائم الدولية لعام 1973" معلقًا مع وعود بالعفو.

عودة الجماعة الإسلامية

مع تولي ضياء الرحمن رئاسة بنغلاديش في عام 1977 مهد الطريق للمشاركة السياسية للجماعة الإسلامية من خلال إلغاء التعديل الخامس لدستور بنغلاديش، الذي ينص على بنود العلمانية والاشتراكية، وأتاح المجال لتشكيل أحزاب سياسية على أساس ديني. وبذلك أحيا ضياء الرحمن الجماعة الإسلامية لتعمل كحزب سياسي فاعل في بنغلاديش المستقلة، وواصلت زوجته، خالدة ضياء، هذا الإرث بعد وفاته.

واستغلت الجماعة الإسلامية تحالفها مع حزب بنغلاديش الوطني، وهو الحزب السياسي لضياء الرحمن وخالدة ضياء، لاستعادة سلطتها ومجدها المفقودين، وتمكنت من الوصول إلى قطاعات اقتصادية حيوية في بنغلاديش والسيطرة عليها، مثل قطاع المنظمات غير الحكومية والبنك الإسلامي، الذي يُعدّ أحد أكبر البنوك في البلاد.

وخلال هذه الفترة وصل الأشخاص أنفسهم الذين عارضوا إنشاء بنغلاديش إلى مناصب قيادية، وبدؤوا يحكمون شعب بنغلاديش. وتحت قيادة "حزب بنغلاديش الوطني" و"الجماعة الإسلامية"، أصبح غير المسلمين والأقليات العرقية في وضعية سيئة، وانعكس ذلك في حوادث عنف طائفي متكررة، حيث عانت الأقليات في بنغلاديش.

تحالف ضياء الرحمن مع الجماعة الإسلامية كان بغرض توسيع قاعدته الشعبية وإيجاد ظهير على الأرض يسانده جماهيريًا، وهو ما حققته له الجماعة الإسلامية، وكانت صفقة رابحة للطرفين؛ تم رفع الحظر عنهم، وكسب ضياء الرحمن قوة تمكنه من مواجهة خصومه السياسيين.

استئناف المحاكمات

في عام 2009 قررت حكومة الشيخة حسينة استئناف المحاكمات، وقامت بتأسيس محكمة الجرائم الدولية، وذلك بهدف محاكمة المتهمين بجرائم حرب خلال حرب التحرير. وبدأت أولى وقائع الاتهام في عام 2010، وخلال الفترة بين 2013 و2016 صدرت أحكام بحق عدد من أبرز قادة الجماعة الإسلامية، تراوحت بين السجن المؤبد والإعدام.

ونُفذت أحكام الإعدام بحق عدد من قيادات الجماعة، من أبرزهم: عبد القادر ملا، ومحمد قمر الزمان، وعلي إحسان محمد مجاهد، ومطيع الرحمن نظامي. أمّا غلام أعظم، فقد أُدين عام 2013، وحُكم عليه بالسجن، لكنّه توفي في عام 2014. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المحاكمات حظيت بتأييد واسع داخل بنغلاديش باعتبارها تحقيقًا للعدالة عن جرائم حرب 1971.

ومع سقوط حكومة الشيخة حسينة، وخروجها من السلطة، وفرارها إلى الهند، عادت الجماعة الإسلامية بقوة إلى الواجهة في بنغلاديش، وأصبحت عنصرًا فعالًا في المعادلة السياسية.

لقد استطاعت الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، كعادة بقية فروع الإخوان في مختلف دول العالم، العودة من جديد، فبالرغم من تاريخهم الدموي، فإنّهم يجيدون فتح الثغرات التي تجعلهم يعودون إلى الواجهة وكأنّ شيئًا لم يحدث، معتمدين على ذاكرة الشعوب السمكية أو جهل الغالبية بالتاريخ.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية