
وفق دراسة أكاديمية صادرة عن جامعة أوبرن الأمريكية، مؤخراً، فإنّ جماعة الإخوان وأذرعها في السودان اعتمدت منذ وقت مبكر استراتيجية تقوم على بناء مؤسسات موازية للدولة، تحت عناوين دعوية وخيرية وتنموية، بما يتيح لها التغلغل داخل المجتمع وتوسيع قاعدة نفوذها بعيداً عن العمل السياسي المباشر. ولم تكن هذه المؤسسات مجرد أطر خيرية أو اجتماعية، بل شكلت جزءاً من منظومة متكاملة هدفت إلى ترسيخ النفوذ الإخواني داخل البنية الاجتماعية والثقافية السودانية. ومن أبرز هذه الكيانات جمعية الدعوة الإسلامية، والوكالة الإسلامية الأفريقية للإغاثة، وجمعية علماء السودان، إلى جانب عدد من المنظمات الشبابية والثقافية التي لعبت دوراً محورياً في نشر خطاب الجماعة وتوسيع حضورها المجتمعي.
ميادين التمكين
توضح الدراسة أنّ قطاع التعليم كان أحد أهم ميادين التمكين الإخواني، إذ ركزت الجماعة على السيطرة على اتحادات الطلاب في الجامعات الكبرى، وفي مقدمتها جامعة الخرطوم، التي تحولت لعقود إلى منصة رئيسية لتجنيد الكوادر وإعادة إنتاج النخب المرتبطة بالمشروع الإسلامي. وامتد النفوذ إلى المناهج التعليمية والإدارات الأكاديمية والنقابات المهنية، بما أسهم في تشكيل خطاب ثقافي ومعرفي منسجم مع الرؤية الإيديولوجية للجماعة.
أمّا على المستوى الاجتماعي والديني، فقد استثمرت الجماعة بصورة واسعة في المؤسسات الدعوية والخيرية، مستفيدة من ضعف الخدمات الحكومية في عدد من المناطق الطرفية والريفية. وتحولت تلك المؤسسات إلى أدوات تأثير اجتماعي وفكري، حيث لعبت دورت مماثلاً لدور الدولة في تقديم الخدمات، الأمر الذي منحها حضوراً شعبياً واسعاً، خصوصاً في الأقاليم المهمشة. لهذا، فالتجربة السودانية تمثل نموذجاً متقدماً لما يمكن تسميته بـ "الهندسة الاجتماعية للإسلام السياسي"، حيث لم تعتمد الجماعة على التعبئة العقائدية وحدها، بل وظفت الاقتصاد والتعليم والدين والعمل الخيري في إطار مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق رؤيتها الفكرية. كما أنّ الجماعة استفادت منذ سبعينيات القرن الماضي من تحويلات السودانيين العاملين في الخارج لإنشاء شبكة اقتصادية واسعة عبر المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، التي تحولت لاحقاً إلى أدوات للتمويل والتجنيد وبناء الولاءات الاجتماعية والسياسية. وأسهمت هذه الشبكات الاقتصادية في توفير قاعدة نفوذ مستقلة نسبياً عن مؤسسات الدولة التقليدية.
ويمكن القول إنّ سقوط نظام عمر البشير لم يؤدِ تلقائياً إلى تفكيك البنية العميقة التي أسسها الإخوان خلال ثلاثة عقود من الحكم، بل إنّ الجماعة نجحت في ترسيخ نفوذها داخل قطاعات استراتيجية يصعب إعادة هيكلتها في فترات زمنية قصيرة. وهذه الشبكة من النفوذ الواسعة تبدو متداخلة محلياً وإقليمياً على أكثر من مستوى. فالجماعة لم تكتفِ بالسيطرة على المجال السياسي، بل ركزت بصورة منهجية على التعليم والثقافة والعمل الديني والاجتماعي، وهي المجالات التي تشكل الوعي الجمعي للمجتمع وتؤثر في اتجاهاته على المدى الطويل. ومن ثم، فإنّ تأثيرها لم يكن مرتبطاً فقط بوجودها المرحلي والمؤقت في السلطة، بل بقدرتها على إنتاج بيئة اجتماعية وثقافية حاضنة لمشروعها السياسي.
ويؤكد المحلل السياسي السوداني محمد المختار في تصريحات خصّ بها (حفريات) أنّ "الدولة العميقة" في السودان لا يقتصر نفوذها على الأجهزة الأمنية والعسكرية، بل يشمل كذلك شبكات النفوذ الفكرية والاقتصادية والإدارية التي نشأت خلال العقود الماضية، وظلت قادرة على التأثير في مسار الدولة حتى بعد سقوط النظام السابق.
وتابع: "السلطات الانتقالية التي تولت إدارة البلاد بعد عام 2019 واجهت معضلة مزدوجة؛ فمن جهة كان عليها التعامل مع النفوذ العسكري والأمني المتراكم، ومن جهة أخرى اصطدمت ببنية إخوانية مترسخة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، الأمر الذي أعاق تنفيذ كثير من الإصلاحات وأدخل عملية الانتقال السياسي في حالة من التعثر المستمر".
إرث الإخوان الثقيل
تكشف هذه المعطيات أنّ الأزمة السودانية الراهنة لا ترتبط فقط بالحرب الدائرة أو بصراع القوى السياسية والعسكرية، وإنّما أيضاً بإرث طويل من التمكين الإيديولوجي والتنظيمي الذي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع على مدى عقود. ولذلك فإنّ أيّ مشروع حقيقي لبناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان سيظل مرهوناً بمدى القدرة على معالجة هذا الإرث البنيوي، وإعادة بناء المؤسسات العامة على أسس وطنية تتجاوز الولاءات التنظيمية والإيديولوجية الضيقة.
ويبرز المحلل السياسي الدكتور عبد السلام القصاص نقطة رئيسة تتمثل في إطالة أمد النزاع بالصراع، موضحاً في حديثه لـ (حفريات) أنّ الشروط التي تتوافر وتوظفها جماعة الإخوان لاستمرار الحرب، تتجاوز حسابات الميدان التقليدية، وأصبحت مرتبطة بإرادة سياسية منظمة تسعى إلى إعادة هندسة التوازنات داخل الدولة والمجتمع بما يضمن بقاء قوى بعينها في دائرة النفوذ والتأثير. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة بين أطراف متنازعة على السلطة، بل تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج مراكز القوة القديمة وإعادة ترتيب المشهد السياسي وفق معادلات جديدة تتيح لبعض الفاعلين استعادة مواقعهم التي فقدوها عقب سقوط نظام عمر البشير عام 2019.
ويقول القصاص: "إنّ الحرب في إيران كانت لحظة جديدة في توقيتها وسياقها بعد الضغط الذي تعرضت له الجماعة والجيش في السودان بفعل التصنيف الأمريكي على قوائم الإرهاب، بما عمق من فرص الارتباط الوظيفي بين الطرفين"، مضيفاُ "أنّ طهران تسعى إلى استثمار الحرب في السودان لتعزيز حضورها الإقليمي عبر دعم الجيش السوداني، لجهة الحصول على موطئ قدم دائم قرب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. وبالتالي تواصل إيران تقديم دعم مباشر للجيش السوداني، في محاولة لاستغلال الحرب الأهلية الدائرة في البلاد من أجل بناء نفوذ طويل الأمد على ساحل البحر الأحمر، المنطقة التي تمثل شرياناً رئيساً للتجارة العالمية ومسرحاً لتنافس دولي متزايد".
ويمر عبر البحر الأحمر نحو 15% من التجارة البحرية العالمية، إضافة إلى 12% من شحنات النفط المنقولة بحراً عبر قناة السويس التي تربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي. وقد تحولت المنطقة إلى ساحة انتشار عسكري واستخباراتي لقوى دولية وإقليمية عدة، بينها الولايات المتحدة والصين والإمارات وفرنسا وإيطاليا واليابان وتركيا وإسرائيل وروسيا. وبالنسبة إلى طهران، فإنّ السودان يمكن أن يمثل مدخلاً لتحقيق هدف قديم يتمثل في إقامة حضور عسكري وبحري في البحر الأحمر، بعد إخفاق محاولات سابقة للحصول على موطئ قدم مستقر في المنطقة. ويتزامن التحرك الإيراني مع لحظة تراجعت فيها قدرة طهران على الاعتماد على بعض حلفائها في الشرق الأوسط، خاصة الوكلاء الميليشياويين في المنطقة، ورغبة منها في تخفيف الضغط عن الساحات التقليدية كما هو الحال في لبنان أو اليمن والعراق، لا سيّما بعد الضربات الإسرائيلية التي أضعفت حركة حماس وحزب الله، وهو ما دفع إيران إلى البحث عن ساحات نفوذ جديدة لتعويض خسائرها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_0.jpg.webp?itok=PEM71CP9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_0.jpeg.webp?itok=xmaAo0-p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=A26htgBk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_2.jpg.webp?itok=Q6ja-W4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_47_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=yqx_JVgr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5.png.webp?itok=N7vTxCHd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%89_3.jpg.webp?itok=0rogg6uV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=BBxHCpzi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%A8_2_1.jpg.webp?itok=LS4vksi3)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1.jpeg.webp?itok=4mix_d6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)