كيف أسهم خطاب الإسلامويين في انقسام المجتمعات؟

كيف أسهم خطاب الإسلامويين في انقسام المجتمعات؟

كيف أسهم خطاب الإسلامويين في انقسام المجتمعات؟


20/07/2026

نشأت الحركة الإسلامية في القرن الماضي، وكان من بين أهدافها المعلنة توحيد الشعوب تحت راية الإسلام بعد أن فرقتها الصراعات السياسية والخلافات الفكرية، وتشير العديد من أدبياتها إلى هذا الهدف باعتباره الغاية الكبرى التي تسعى إليها.

لكنّ تجربة هذه الحركة تعكس في الواقع أمرًا آخر ربما يمثل تناقضًا كبيرًا بين القول والفعل، أو بين الادعاء والحقيقة؛ حيث أثمرت التجربة لا عن وحدة بين المسلمين سواء في كل المجتمعات الإسلامية أو داخل المجتمع الواحد، لكن عن مزيد من الفرقة وتعميق لحالة الانقسام وتهديد لوحدة الأوطان واستقرارها.

الوحدة في أدبيات الحركة الإسلامية

تنطلق الحركة الإسلامية من فكرة مفادها أنّ الأصل وحدة الأمة الإسلامية تحت حكم قيادة واحدة وفق نموذج الخلافة الذي كان قائمًا، بشكل أو بآخر، وانتهى رسميًا في العام 1924م، وأنّ غياب هذا الرمز السياسي للوحدة يفرض على المسلمين ضرورة العمل على إعادة إيجاده مرة أخرى من خلال توحيد الدول الإسلامية، بعد تحريرها من الأنظمة الحاكمة القائمة، ثم إقامة دولة كبرى تضم كل هذه الدول تحت قيادة واحدة هو "الخليفة".

ومن أوائل الذين تحدثوا عن هذا الهدف كان حسن البنا، الذي ذكر في أكثر من موضع من رسائله أنّ هدفه الأساسي يتمثل في توحيد المسلمين تحت راية سياسية واحدة، وممّا ذكر في هذا الإطار قوله في رسالة التعاليم عن ركن العمل: "إنّ من مراحل عمل الجماعة تحرير الأوطان بتخليصها من كل سلطان أجنبي ـ غير إسلامي ـ وتشكيل حكومة إسلامية وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة". ويقول الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه "الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم": إنّ "وحدة الأمة فريضة شرعية والتفرق معصية، ويقول كذلك يوسف أرسلان عضو حزب التحرير في أفغانستان: إنّ "عقيدة حزب التحرير هي العقيدة الإسلامية، وهدفه إقامة جماعة المسلمين الواحدة، ولذلك فدعوته دعوة إلى الوحدة، في حين أنّ الدعوة إلى العلمانية والقومية والدولة الوطنية تُعدّ دعوة إلى التفرق". وكان من أسباب رفض البنا للأحزاب في عصره رؤيته لها بأنّها سبب من أسباب الفرقة في المجتمع، ولذلك لم يكن من أهدافه فقط توحيد القيادة السياسية للأمة، ولكن وحدة المسلمين أنفسهم من خلال الاتفاق على إطار فكري واحد يجمعهم، وهو ما صاغه في رسائله تحت ركن "الفهم" وما تفرع عنه من "أصول عشرين" تمثل هذا الإطار وتتضمن مجموعة من الأفكار التي ينبغي على المسلمين الإيمان بها، وقد تناولها وشرحها الشيخ محمد الغزالي في أحد كتبه وهو "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين".

بين الشعارات والتجربة

على عكس الهدف الذي أعلنته الحركة الإسلامية، بمكوناتها المختلفة، فقد جاءت تجربتها الممتدة نحو قرن من الزمان لتكشف عن واقع مغاير تمامًا لما وضعته من أهداف وأحلام، حيث أسهم خطابها وممارساتها في المجالين الديني والسياسي في إحداث العديد من الخلافات والصراعات، سواء بينها وبين التيارات السياسية أو الفكرية أو الأنظمة الحاكمة ومؤسسات الدولة أو أصحاب الديانات الأخرى، أو حتى بين مكونات الحركة الإسلامية ذاتها من تنظيمات وتيارات؛ وقد انعكس هذا على حالة الانقسام في المجتمع التي تعمقت بشكل أكبر نتيجة تأثير الخطاب الديني والسياسي للحركة الإسلامية، وهو ما يبدو في العديد من المواقف والأحداث اليومية وفي التفاعل مع القضايا المختلفة في المجتمع.

وتعود هذه النتيجة إلى عدة أسباب؛ من أهمها أنّ ثمة مفارقة لدى الحركة الإسلامية، ففي حين أنّها تدّعي العمل على تحقيق وحدة المسلمين تحت راية الإسلام، تأتي هي لتختلف حول فهم الإسلام، حيث ترى كل جماعة/ تيار أنّها هي التي تفهمه على الوجه الصحيح، وأنّ فهم الآخرين له يشوبه القصور والخطأ؛ وهذا يُنتج الفرقة والانقسام بين أعضاء ومؤيدي كل جماعة أو تيار، حيث يتعصب كل منهم لجماعته ويعتقد أنّه يملك الحق المطلق مقابل الباطل المطلق.

ومن الأسباب كذلك أنّ هذه التنظيمات تصنع "جيتوهات" مستقلة ومجتمعات منغلقة على نفسها، وتخلق بذلك ولاءات وانتماءات فرعية؛ فيصبح في المجتمع الكبير أكثر من مجتمع فرعي وأكثر من جماعة كل منها يحقق الاكتفاء لأفراده ويقلل من رغبته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، وهو شكل من أشكال الفرقة ومصدر من مصادر الانقسام.

أيضًا نتيجة ادعاء كلّ تنظيم أو تيار بأنّه يمتلك الحق المطلق والفهم الصحيح للدين، وأنّه هو الذي تقع عليه إقامة المجتمع المسلم المنشود؛ فإنّه يتحول معنى الولاء من الدين إلى التنظيم، ويصبح هو المظلة الجامعة بدلًا من الدين الذي من المفترض أن يكون كذلك، وبدلًا من الوطن الذي من الممكن أن يكون كذلك، وتصبح معايير الحب والبغض والتواصل والعداء معايير تنظيمية، حيث يكون الأقرب للفرد هو عضو الجماعة أو التنظيم وليس أيّ أحد آخر، وهذا أيضًا من صور الفرقة.

ومن الأسباب أنّ نمط التدين الذي صنعته الحركة الإسلامية يركز على الشكل والمظهر أكثر من تركيزه على الجوهر، ويجعل من الأفراد أوصياء على بعضهم بعضًا، ويرسخ لديهم قناعة بأنّ تدخلهم في حياة غيرهم واجب شرعي وتطبيق لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهو ما يُسهم في حدوث الخلافات بين الناس ومن ثم تعميق الانقسام في المجتمع.

أخيرًا فإنّ الحركة الإسلامية كثيرًا ما تثير قضايا فرعية وخلافية وتعظّم منها على حساب قضايا أهم، وهذا الحجم الذي تتخذه مثل هذه القضايا، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يُسهم في كثرة الجدال والخلاف والصراع، وهو أيضًا مصدر مهم من مصادر الانقسام.

يتضح من خلال تجربة الحركة الإسلامية أنّها أخفقت في تحقيق الهدف الرئيس الذي أعلنت أنّها تسعى إليه وهو تحقيق الوحدة بين المسلمين، بل إنّها فعلت عكس ذلك، إذ تسببت بأفكارها وخطابها وممارساتها في إحداث مزيد من الخلاف ومزيد من الانقسام، وصناعة صراعات لم تكن موجودة قبل ظهورها؛ وهو ما يعني أنّ حضورها كان له أثر سلبي على المجتمعات، لكنّ أثره، في الغالب، سوف يطول لسنوات وربما لعقود مقبلة. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية