تفكيك المشروع الإيراني: أدوات النفوذ وآليات الاستدامة

تفكيك المشروع الإيراني: أدوات النفوذ وآليات الاستدامة

تفكيك المشروع الإيراني: أدوات النفوذ وآليات الاستدامة


13/09/2026

بعد أن تتّبعت الحلقة الأولى من سلسلة "في الميزان"، التي تبثّها منصة "أربعون" ويقدّمها الباحث والإعلامي الدكتور موسى الزبيدي، مسار المشروع الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، مروراً بتصدير "الثورة" والحرب العراقية الإيرانية، ثم إعادة البناء في عهد رفسنجاني، وإعادة تنشيط البُعد الثوري والمذهبي وتأسيس "فيلق القدس"، وصولاً إلى التحوُّلات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين عام 2003، واتساع شبكة الأذرع والميليشيات الإيرانية في المنطقة، تنتقل الحلقة الثانية إلى مستوى آخر من النقاش.

مع الباحث في الشأن الإيراني الدكتور محمد الزغول، يتّجه الحوار إلى تفكيك البنية التأسيسية التي أنتجت هذا النفوذ وأسهمت في استدامته، من خلال بحث العلاقة المُركّبة بين منطق "الثورة" العابر للحدود ومفهوم "الدولة" المحكوم بالأطر الدولية.

ويستعرض التحليل أدوار الفاعلين الميدانيين، بدءاً من "الحرس الثوري" و"فيلق القدس"، ثم يتتبع شبكة الميليشيات ويربطها بالمرجعية الفكرية والسياسية المتمثلة في المؤسسة الدينية ونظرية "ولاية الفقيه"، ويتناول الأدوات التعليمية والثقافية الحوزوية والأكاديمية التي يرى الباحث أنّها شكّلت مجالاً للتأثير يتكامل مع القوة العسكرية، وأسهمت في توسيع الحضور الإيراني خارج الحدود وترسيخه.

وعليه، تركز الحلقة على سؤال يتجاوز كيف توسّع النفوذ الإيراني إلى كيفية بنائه واستدامته؛ إذ تقدم قراءة ترى أنّ هذا المشروع لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، وإنّما على منظومة متعددة المستويات تتداخل فيها الفكرة والمؤسسة الدينية والتعليم والثقافة مع التنظيم السياسي والأدوات العسكرية، وتستفيد من البيئات التي تتسم بهشاشة الدولة والانقسامات الداخلية والصراعات الطائفية.

وفي هذا السياق، يبرز الفصل الوظيفي بين "الدولة" التي تتعامل مع النظام الدولي، و"الثورة" التي تحتفظ بمنطقها العابر للحدود، باعتباره أحد المفاتيح التي يفسر بها الزغول طبيعة المشروع الإيراني وآليات تمدُّده الإقليمي.

من تأييد "الربيع العربي" إلى مقاومته

يبدأ النقاش من نقطة مفصلية تتمثل في موقف إيران من "الربيع العربي"، باعتباره مدخلاً كاشفاً للتباين بين خطاب "الثورة" وحسابات "الدولة" ومشروعها الإقليمي؛ فقد سارعت طهران في بدايات الحراك إلى الترحيب بالاحتجاجات، وقدّمها خامنئي بوصفها "صحوة إسلامية"، داعياً الشباب العربي والمسلم إلى الانخراط فيها والمراهنة على مخرجاتها، غير أنّ هذا الموقف تبدّل مع امتداد الاحتجاجات إلى سوريا، الحليف الأبرز لإيران، وما رافقها من تحوُّلات وقوى جديدة أخذت طهران تنظر إليها باعتبارها تهديداً لمكتسباتها ومجال نفوذها الإقليمي.

لم يكن التحوُّل في الموقف الإيراني، بحسب الزغول، نابعاً من تراجع عن مبدأ الثورة في ذاته، وإنّما من طبيعة القوى التي تصدّرت الحراك، ومن خشية طهران من أن تفضي التحوُّلات الجديدة إلى بيئة إقليمية مغايرة لمصالحها. ومن هنا، شكّلت سوريا نقطة فاصلة كشفت، في رأيه، أولوية الحسابات المرتبطة بالمشروع الإقليمي على الخطاب الثوري عندما تعارض الاثنان.

وفي سياق حديثه عند العلاقة الإيرانية بليبيا، يتوقف الزغول عند ما يصفه ببدايات البرنامج الصاروخي الإيراني؛ إذ يشير إلى حصول طهران على صواريخ "سكود" من ليبيا خلال الحرب العراقية-الإيرانية، ثم تطوير برنامجها الصاروخي، وفق قوله، عبر الهندسة العكسية لهذه الصواريخ.

وبمجرد انتقال "الربيع العربي" إلى الدول الحليفة لطهران، تغير الخطاب الإيراني، بحسب الزغول، من التأييد إلى التحذير، كما أنّ صعود الإخوان المسلمين في تونس ومصر، واحتمال وصولهم إلى الحكم في سوريا وتركيا، أثار مخاوف إيرانية من تشكُّل ما يسمّيه "هلالاً سنيّاً" في مقابل المجال الشيعي الذي عملت إيران على بنائه.

ويرى الباحث أنّ إيران لم تكن تمانع في دعم الإخوان عندما كانوا، في نظرها، قوى مستضعفة يمكن استتباعها، لكنّ تحوّلهم إلى قوى سياسية مستقلة قادرة على تشكيل دول ومجالات نفوذ جعلهم منافساً للمشروع الإيراني، وبهذا يفسر الزغول مشاركة إيران في قمع الثورة السورية، وابتعادها عن الإخوان المسلمين في تلك المرحلة.

"الثورة" التي لم تتحول إلى "دولة"

يعود الحوار إلى فكرة محورية في تفسير الزغول للنظام الإيراني، هي التمييز بين "الدولة" و"الثورة"، فبحسب قراءته لم تتحول "الثورة الإيرانية" بصورة كاملة إلى "دولة"، وظل منطقها الثوري حاضراً في بنية النظام وأدواته، وهو ما يفسر، وفق رأيه، استمرار خطابها الثوري وامتداد أدواتها خارج الحدود.

ويضع الباحث البُعد الثقافي والتعليمي في صلب هذه البنية، مشيراً إلى إغلاق الجامعات الإيرانية في بدايات الثورة وإعادة بنائها وفق المنهج الذي تبنّته الثورة، ويتوقف عند وزارتي التعليم والثقافة والإرشاد، ويقول إنّهما من الوزارات التي لا يستطيع رئيس الجمهورية تعيين وزرائها من دون موافقة "القائد الأعلى"، ويقرأ هذه الترتيبات بوصفها جزءاً من استمرار حضور الثورة في مؤسسات الدولة وأدواتها التعليمية والثقافية.

ويمتد النقاش إلى المصطلحات المستخدمة في توصيف القيادة الإيرانية؛ إذ يتحفظ الزغول على تسمية "المرشد الأعلى"، ويفضل استخدام "القائد" أو "القائد الأعلى للثورة"، معتبراً أنّ "المرشد" لا تنقل، في رأيه، ترجمة ودلالة المصطلح بدقة، لما تحمله من معنى الإرشاد مقابل معنى القيادة وصنع القرار.

ولا يرى في المسألة مجرد اختلاف لغوي؛ بل يربطها بمسألة المسؤولية السياسية؛ فالقائد، وفق تفسيره، يتحمل مسؤولية القرارات والأفعال الصادرة عن المنظومة التي يقودها، بينما قد توحي تسمية "المرشد" بوظيفة روحية أو معنوية أكثر منها سياسية وقيادية.

الميليشيات: من "المقاومة" إلى أداة عابرة للحدود

يعود مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات إلى العراق بعد عام 2003، مبيناً أنّ إيران استفادت من البيئة التي نشأت عقب سقوط نظام صدام حسين، بما في ذلك القوى التي رفعت عنوان "المقاومة". ويشير إلى أنّ هذه القوى كانت متعددة الاتجاهات، إلا أنّ تنظيمَيْ "القاعدة" و"داعش" برزا، بحسب قراءته، ضمن أبرز القوى السنّية المسلحة التي نشطت في تلك البيئة، وما أتاحه ذلك من تعقيدات وتوترات أمنية وسياسية استفادت منها إيران في توسيع نفوذها.

ثم ينتقل إلى عام 2010 بوصفه محطة مهمة، متوقفاً عند ما يصفه بأوّل اتصال مباشر بين المبعوث الأمريكي في العراق وقاسم سليماني في أيلول (سبتمبر) من ذلك العام. ويربط الزغول هذه المرحلة بوضع القوات الأمريكية في العراق والصعوبات التي واجهتها واشنطن في مسار الانسحاب، لافتاً إلى أنّ إيران كانت طرفاً أساسياً في البيئة التي جعلت كلفة الوجود الأمريكي في العراق أكثر ارتفاعاً.

لكنّ أحد أهم جوانب الحلقة يتمثل في محاولة تفسير الطبيعة العابرة للحدود للميليشيات المرتبطة بالمشروع الإيراني؛ حيث يقول الزغول إنّ الاعتماد لم يقتصر على الإيرانيين؛ فقاسم سليماني نفسه، كان يعتمد في حمايته الشخصية على عناصر لبنانية وأفغانية، واستعانت مؤسسات إيرانية بعناصر من خارج إيران في بعض المهام.

ويربط الباحث ذلك بطبيعة الرابط العقائدي الذي يرى أنّه قد يتقدم، داخل هذه المنظومة، على الرابط الوطني؛ فالمعيار هنا لا يقتصر على الانتماء إلى دولة بعينها، وإنّما يتصل بالانتماء إلى مشروع عقائدي يتجاوز الحدود، ووفق هذا الطرح  يميز الزغول بين "الثورة" بوصفها إطاراً عابراً للحدود، و"الدولة" المرتبطة بالأرض والجغرافيا والمواطنة.

"المقاومة" كمرحلة جديدة للتمدُّد

وفي سياق حديثه عن الأدوات التي استخدمتها إيران لتوسيع مجال نفوذها، ينتقل الزغول إلى مفهوم "المقاومة"، الذي يرى أنّه أصبح في مرحلة لاحقة، ولا سيّما بعد "الربيع العربي"، عنواناً لتوسيع الحضور الإيراني خارج المجال الشيعي، وفتح قنوات للتأثير داخل البيئات السنّية.

ففي المرحلة السابقة، بحسب تحليله، كان التركيز مُنصبّاً على بناء ما عُرف بـ"الهلال الشيعي"، من خلال تجييش الشيعة وتجنيدهم وتوسيع شبكات الارتباط بهم، غير أنّ إيران، بحسب قوله، بلغت أقصى مدى لنفوذها داخل المجال الشيعي، وظلت عاجزة عن اختراق منطقتين أساسيتين هما أذربيجان والخليج العربي.

ويستشهد بأذربيجان بوصفها حالة لافتة؛ فهي ذات غالبية شيعية كبيرة، ومع ذلك يرى أنّ إيران لم تنجح في اختراقها، على الرغم من توظيف أدوات متعددة، من بينها الطلاب والجامعات والحوزات والتبادل الثقافي والحوافز الاقتصادية.

ويخلص الباحث من ذلك إلى قاعدة يراها أساسية لفهم انتشار النفوذ الإيراني، مفادها أنّ الدولة الوطنية القوية تحدّ من قدرة إيران على الاختراق، بينما تتيح هشاشة الدولة بيئة أكثر ملاءمة للنفوذ.

ولا يحصر الزغول مفهوم الهشاشة في الضعف الأمني، وإنّما يوسعه ليشمل: الصراعات الداخلية، والانقسامات المذهبية والطائفية والفكرية، وغياب التعايش، والفساد والرشوة، وضعف سيطرة الدولة وعدم الاستقرار. وفي المقابل، يضع أذربيجان والبحرين ضمن الحالات التي يرى أنّ إيران بذلت فيها جهوداً كبيرة من دون أن تحقق أهدافها كاملة.

الخليج في التصور الثوري الإيراني

يتناول الحوار بصورة مباشرة نظرة المشروع الثوري الإيراني إلى دول الخليج؛ إذ يرى الزغول أنّ هذا التصور لا يتعامل معها باعتبارها كيانات مستقلة مكتملة الشرعية ضمن النظام الإقليمي، وإنّما ينظر إلى العالم من خلال ثنائية إيديولوجية تقسمه إلى "فسطاط الحق" و"فسطاط الباطل".

ويربط الزغول هذا الموقف الإيديولوجي بعلاقة دول الخليج بالولايات المتحدة والنظام الدولي؛ إذ إنّ تموضعها ضمن المنظومة التي تصنفها طهران تحت مسمّى "منظومة الاستكبار العالمي" يجعل هذا الارتباط، وفق المنظور الإيراني، مبرراً رئيسياً لاستهداف هذه الدول وإضعاف نفوذها.

ويعود الباحث هنا إلى التمييز بين "إيران الدولة" و"إيران الثورة"؛ فالدولة تحتاج إلى التعامل مع النظام الدولي، وتوقيع الاتفاقيات، وممارسة التجارة، والانخراط في المؤسسات الدولية، فيما تستطيع "الثورة"، بحسب تفسيره، أن تتحرك بمنطق يتجاوز هذه الالتزامات.

ويشرح الباحث ذلك من خلال توزيع الأدوار الوظيفية داخل النظام الإيراني؛ إذ يمثل رئيس الجمهورية "الدولة" في تعاملاتها الخارجية والدبلوماسية الرسمية، بينما يتحرك "القائد الأعلى" و"الحرس الثوري" ضمن استراتيجية "الثورة". ووفق هذا النهج، تتعامل طهران رسمياً مع قواعد النظام الدولي عبر مؤسسات الدولة، في الوقت الذي تمارس فيه المنظومة الثورية أدواراً تتجاوز، بحسب الباحث، الأطر والقواعد الناظمة لهذا النظام.

الجيش للدولة والحرس للثورة

يقدّم الزغول ثنائية يعتبرها مركزية في فهم النظام الإيراني: الجيش للدولة، والحرس الثوري للثورة؛ فالجيش، وفق هذا التفسير، مهمته الأساسية حماية حدود إيران عندما تتعرض البلاد لاعتداء، بينما يتولى "الحرس الثوري" حماية الثورة بوصفها فكرة ومشروعاً، وليس الدولة بوصفها جغرافيا وحدوداً.

أمّا النشاط خارج الحدود، فيربطه الباحث بـ "فيلق القدس"، بوصفه الذراع المعنية بالتحرك الخارجي ضمن منظومة "الحرس الثوري". وفي المقابل، يرى أنّ الحرس يستطيع أن ينشط حيث توجد الثورة أو من يناصرها، مستشهداً بحالات تمتد من البوسنة والهرسك إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ثم إلى أفغانستان والعراق وسوريا.

ويتوقف الزغول عند النفوذ الاقتصادي للحرس الثوري والمؤسسات التابعة للقائد الأعلى، مستعرضاً أرقاماً وتقديرات تقريبية لحجم الاقتصاد الخاضع لسيطرة هذه المؤسسات، مع التنبيه إلى أنّها تقديرات متحركة ومتغيرة من عام إلى آخر.

ويخلص الباحث من ذلك إلى رسم حدود هذا التّمايُز الوظيفي؛ ففي الوقت الذي تتولى فيه مؤسسات "الدولة" إدارة الشؤون الداخلية والخدمات اليومية، تضطلع منظومة "الثورة"، بمؤسساتها وأذرعها الموازية، بدور رئيسي في صياغة السياسة الخارجية الإقليمية وتنفيذها على الأرض.

ولاية الفقيه: نظرية أقلوية؟

ينتقل الحوار إلى الجانب الفكري الذي يرى الزغول أنّه يشكل أحد الأسس المهمة للنظام الإيراني، وهو نظرية "ولاية الفقيه". ويقدّم الباحث قراءة نقدية للنظرية، مبيّناً أنّها لا تمثل عموم المذهب الشيعي، وإنّما "نظرية أقليّة" داخله، مستنداً إلى وجود مراجع شيعة كبار يرفضون الولاية العامة للفقيه.

ويحرص الزغول على التمييز بين نقده لولاية الفقيه والتشيُّع بوصفه مذهباً؛ فهو لا يرى أنّ التشيُّع النقي نشأ في الأصل كمشروع سياسي، بل يرى أنّ نظرية ولاية الفقيه نقلت المذهب من تقليد فقهي ظل، تاريخياً، بعيداً عن ممارسة السلطة السياسية إلى مشروع سياسي منظم.

ويشرح الباحث هذا التحول من خلال مفهوم "عصر الغيبة"؛ فبحسب قوله، كان الشيعة قبل الخميني يعيشون انتظار عودة الإمام الغائب، ولم تكن الجماعة الشيعية تنخرط في السياسة بوصفها كياناً سياسياً عابراً للدول، ثم طرح الخميني تصوراً مختلفاً يقوم على أنّ الانتظار لا يعني الجمود السياسي، وأنّ غياب الإمام لا يلغي الحاجة إلى قيادة فعلية؛ ومن هنا جاءت فكرة نيابة الفقيه الأعلم عن الإمام الغائب وتولّيه "ولاية أمر المسلمين".

ويبرز هنا، وفق الزغول، إشكال يتّصل بالولاء السياسي عندما تكون الجماعة الشيعية موزعة على دول متعددة: هل يكون ولاء الفرد السياسي للدولة التي يعيش فيها أم للولي الفقيه؟ ويرى أنّ هذا السؤال كان أحد أسباب معارضة عدد من علماء الشيعة للنظرية، ولا سيّما عندما تتجاوز الولاية حدود إيران لتشمل عموم الشيعة في العالم.

ويصف الزغول ولاية الفقيه بأنّها "نظرية تفجيرية"؛ لأنّها، برأيه، تضع مفهوم الولاية الدينية العابرة للحدود في مواجهة مفهوم الدولة الوطنية وولاءات مواطنيها السياسية.

إخضاع المؤسسة الدينية

تقدّم الحلقة قراءة موسعة لعلاقة النظام الإيراني بالمؤسسة الدينية الشيعية؛ إذ يرى الزغول أنّ هذه المؤسسة تمتعت تاريخياً بدرجة من الاستقلال السياسي والاقتصادي والفقهي، وكانت موارد مثل الخُمس والأوقاف توفر لها مصادر مالية مستقلة عن الدولة.

ويشير إلى أنّ عهد خامنئي شهد تحولاً في هذه العلاقة؛ إذ أخضعت المؤسسة الدينية بدرجة أكبر للسلطة السياسية، وأعيد تنظيم موارد الخمس عبر مؤسسات اقتصادية تشرف عليها، بما أدى، في رأيه، إلى تقليص استقلال المراجع والمؤسسة الدينية اقتصادياً. ويورد في هذا السياق أمثلة على حجم الأموال المرتبطة بالمؤسسات الوقفية، من بينها "العتبة الرضوية المقدسة" ومؤسسات أخرى، مع تقديم أرقام تقديرية كبيرة.

ولا يقتصر هذا الإخضاع، بحسب الزغول، على الجانب الاقتصادي، وإنّما يمتد إلى الجوانب التنظيمية والقضائية داخل المؤسسة الدينية. ويستشهد بإنشاء لواء عسكري لرجال الدين خلال الحرب العراقية الإيرانية، موضحاً أنّ الغاية لم تكن مجرد التدريب العسكري، وإنّما إخضاع رجال الدين للانضباط والولاء المباشر للقيادة.

ويتوقف عند دور "المحاكم الخاصة برجال الدين"، كأداة ضبط للخطاب الفقهي جعلت المؤسسة الدينية أكثر حذراً في مواقفها، ويخلص الباحث إلى أنّ هذه السياسات جرّدت المؤسسة الدينية في قم من جزء كبير من استقلاليتها التاريخية على المستويات السياسية والاقتصادية وحتى الفقهية.

الحوزة والولاء معياراً للترقّي

يتوسع الباحث في الحديث عن البناء الداخلي للمؤسسة الدينية الشيعية، موضحاً أنّ الحوزات تضم مراتب علمية متعددة، تبدأ من المستويات الأولى وتنتهي بمرتبة مرجع التقليد. ويرى أنّ التحول الذي شهدته هذه المنظومة في عهد خامنئي تمثل في جعل الولاء للقيادة معياراً مهماً للترقي داخلها، إلى جانب الكفاءة العلمية، بعدما كانت الكفاءة العلمية هي الأساس في هذا المسار.

ويعزو محدودية حضور النقاشات الداخلية في الحوزات في الإعلام العربي، في جانب منها، إلى طبيعة المجتمعات الشيعية التي تعيش أقليات في عدد من البلدان، وما يترتب على ذلك من حساسية تجاه إظهار الانقسامات الداخلية والخلافات المذهبية.

من قم إلى الحوزات خارج إيران

ولا يحصر الزغول هذه العملية داخل إيران، بل يرى أنّ محاولات التأثير امتدت إلى المؤسسات الدينية الشيعية خارج الحدود، مستشهداً بالنجف وكربلاء، إلى جانب الحوزات في باكستان وأفغانستان.

ويستخدم الباحث تعبير "تفريس الحوزات" لوصف ما يعتبره محاولة لإضفاء طابع فارسي وولائي على هذه المؤسسات، مستدلاً على ذلك بدعم علماء من أصول فارسية عبر المنح والابتعاث والموارد، وانتقال بعضهم إلى قم ومشهد.

ويذهب إلى أنّ هذه السياسة أسهمت في تعزيز "التشيُّع السياسي الحركي" على حساب ما يسميه التشيُّع التقليدي، وأنّ التمويل والتنظيم والدعم السياسي والسلاح وفّرت، وفق قوله، أدوات أساسية لانتشار الحركات السياسية ذات الطابع الديني.

التعليم والثقافة: بناء النفوذ قبل الميدان

تصل الحلقة إلى إحدى النقاط المهمة في تفسير كيفية تمكن إيران، وفق الباحث، من التأثير في قطاعات من المجتمعات الشيعية العربية وغير العربية؛ حيث يرى الزغول أنّ هذا النفوذ لم يعتمد على الميليشيات وحدها، وإنّما استفاد أيضاً من أدوات ثقافية وتعليمية واقتصادية.

ويقسم الجامعات الإيرانية إلى مؤسسات مرتبطة بالدولة، وأخرى يرى أنّها أقرب إلى منظومة الثورة، وتولي اهتماماً بالأبعاد الثقافية والمذهبية والتعبوية. ويذكر في هذا السياق جامعة "خاتم الأنبياء" المرتبطة بضباط الحرس، ثم يركّز بصورة خاصة على "جامعة المصطفى العالمية"، التي يصفها بأنّها مؤسسة ذات طابع دعوي وتعبوي، ويقول إنّ فروعها انتشرت في عشرات الدول، ولا سيّما الدول الفقيرة والهشة.

ويفتح الحوار في ختامه نافذة على التمدُّد الإيراني عابر القارات، مسلطاً الضوء على أفريقيا، مستشهداً بنيجيريا، التي يقول الزغول إنّها لم تكن تعرف أصلاً التشيع، لكنّها أصبحت تضم مكونات مرتبطة بالتشيع والنفوذ الإيراني. ويشير، استناداً إلى دراسات، إلى ما يسمّيه "الحرس الثوري الأفريقي" في نيجيريا، مقدّراً قوامه بما بين 15 و30 ألف مقاتل. وتتجاوز الأسئلة حدود الجغرافيا إلى إمكان استمرار هذه القوة وقدرة طهران على تحريك مكوناتها في مرحلة لاحقة، بالتوازي مع بروز ظاهرة "الميليشيات الجوالة" التي يرى أنّها تحولت إلى "مرتزقة".

ويثير الحوار موقع مصر بوصفها "الند التقليدي لإيران" في العالم العربي، قبل أن يفتح هذا المسار الباب أمام الجزء الثالث من السلسلة، الذي يتناول امتدادات أخرى للمشروع الإيراني وأدواته العابرة للحدود.

رابط الحلقة:




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية