الإمبراطورية المالية للإخوان تحت الحصار.. كيف تضيق التصنيفات الدولية الخناق على شريان النفوذ؟

الإمبراطورية المالية للإخوان تحت الحصار.. كيف تضيق التصنيفات الدولية الخناق على شريان النفوذ؟

الإمبراطورية المالية للإخوان تحت الحصار.. كيف تضيق التصنيفات الدولية الخناق على شريان النفوذ؟


20/07/2026

لم يكن المال بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين مجرد وسيلة لتمويل الأنشطة التنظيمية، بل مثل على مدار عقود أحد الأعمدة الأساسية التي ساعدتها على بناء شبكات ممتدة خارج حدود الدول التي نشأت فيها، إذ اعتمد التنظيم على منظومة معقدة من الجمعيات والمؤسسات الاقتصادية والواجهات الاجتماعية التي وفرت له مصادر تمويل ودعم لوجستي، ومكنته من الحفاظ على حضوره السياسي والإعلامي حتى في مراحل التراجع أو الحظر. 

ومع تصاعد الرقابة الدولية على تدفقات الأموال المرتبطة بالجماعات ذات الطابع الأيديولوجي، بدأت هذه الشبكات تواجه بيئة أكثر صعوبة، بعدما انتقلت ملفات التمويل من دائرة العمل الأهلي إلى دائرة التدقيق الأمني والقانوني في عدد من الدول.

وخلال السنوات الأخيرة، أصبح النشاط المالي المرتبط بالإخوان في أوروبا والخارج عمومًا محل مراجعة متزايدة، في ظل تغير نظرة العديد من الحكومات الأوروبية إلى شبكات الإسلام السياسي، وظهور تشريعات أكثر صرامة بشأن شفافية الجمعيات والتمويلات الأجنبية.

 ولم يعد النقاش مقتصرًا على المواقف الفكرية من الجماعة، بل امتد إلى طبيعة المؤسسات المرتبطة بها، ومصادر تمويلها، وآليات عملها، ومدى استقلاليتها عن البنية التنظيمية للإخوان. هذه التحولات دفعت عددًا من الكيانات المحسوبة على الجماعة أو القريبة منها إلى إعادة صياغة خطابها وطريقة عملها لتجنب القيود القانونية والسياسية المتزايدة.

وتكشف مسارات عدة في أوروبا والولايات المتحدة أن معركة الإخوان لم تعد تدور فقط حول التأثير السياسي أو الحضور الإعلامي، بل أصبحت مرتبطة بقدرتها على الحفاظ على البنية المالية التي شكلت لعقود قاعدة لاستمرار نشاطها. فكلما توسعت عمليات التدقيق في الجمعيات والمنظمات غير الربحية، وكلما ارتفعت المطالبات بالكشف عن مصادر التمويل والارتباطات التنظيمية، تقلصت المساحات التي كانت تسمح ببناء شبكات نفوذ بعيدة عن الرقابة.

 

 المال.. العمود الفقري لبناء النفوذ الإخواني خارج الحدود

 

اعتمدت جماعة الإخوان منذ بدايات انتشارها خارج المنطقة العربية على بناء منظومة متعددة المستويات تجمع بين النشاط الدعوي والعمل الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما منحها قدرة على إنشاء حضور طويل الأمد داخل المجتمعات الجديدة.

 ولم يكن هذا الانتشار قائمًا على النشاط السياسي المباشر فقط، بل ارتبط بتأسيس جمعيات ومراكز ثقافية وتعليمية ومؤسسات خيرية لعبت أدوارًا مختلفة في استقطاب الأفراد وتوفير الموارد المالية اللازمة للحفاظ على النشاط التنظيمي.

وتعتمد التنظيمات العابرة للحدود غالبًا على شبكات تمويل مرنة، تجمع بين التبرعات، والأنشطة الاقتصادية، والمؤسسات المدنية، بهدف ضمان استمرارية العمل بعيدًا عن الاعتماد على مصدر واحد. وفي حالة الإخوان، كان الانتشار في أوروبا خلال العقود الماضية مرتبطًا بإنشاء مؤسسات ذات طابع اجتماعي وثقافي، أصبحت لاحقًا جزءًا من النقاش السياسي حول مدى استقلالها عن الهياكل التنظيمية للجماعة.

وقد لعبت البيئة الأوروبية، خاصة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، دورًا مهمًا في توسع هذه الشبكات، مستفيدة من قوانين حرية تأسيس الجمعيات وحرية العمل المدني.

 ومع مرور الوقت، ظهرت تساؤلات داخل بعض الدول الأوروبية حول طبيعة العلاقة بين بعض المؤسسات الإسلامية والجماعات الأيديولوجية، وهو ما دفع إلى إعادة تقييم سياسات التعامل معها، خصوصًا بعد تصاعد الاهتمام الدولي بملفات التطرف وتمويل الجماعات العابرة للحدود.

في هذا السياق، برزت أهمية التقارير الحكومية والأمنية التي ركزت على ضرورة الفصل بين العمل الديني أو الاجتماعي المشروع وبين أي نشاط سياسي تنظيمي غير معلن

وقد شهدت دول أوروبية نقاشات حول ضرورة مراقبة التمويلات الأجنبية الموجهة إلى المؤسسات الدينية والثقافية، خاصة عندما تكون هذه التمويلات مرتبطة بجهات خارجية أو مشاريع أيديولوجية. وأصبح المال بذلك نقطة أساسية في تقييم مدى قدرة الجماعات المنظمة على بناء نفوذ اجتماعي وسياسي طويل المدى.

التصنيفات الدولية وتغيير قواعد اللعبة المالية للإخوان

هذا وشكّل انتقال ملف الجماعات المرتبطة بالإخوان من دائرة الجدل السياسي إلى دائرة الإجراءات القانونية والأمنية تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع شبكاتها المالية. فخلال السنوات الماضية، لم تعد الرقابة تركز فقط على النشاط العلني للتنظيم أو خطابه السياسي، بل امتدت إلى البنية التي تسمح له بالحفاظ على حضوره، وفي مقدمتها الجمعيات والمنظمات غير الربحية وشبكات التمويل العابرة للحدود.

وكان من أبرز العوامل التي غيرت طبيعة التعامل مع هذه الشبكات تصاعد الاهتمام الدولي بملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث أصبحت المؤسسات المالية والجمعيات مطالبة بمستويات أعلى من الشفافية حول مصادر الأموال والجهات المستفيدة منها.

 وقد عززت توصيات مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) هذا الاتجاه، عبر التشديد على ضرورة مراقبة التمويلات غير الواضحة ومسارات الأموال التي قد تستغلها جماعات ذات أهداف سياسية أو أيديولوجية.

في هذا الإطار، بدأت عدة دول في مراجعة تعاملها مع المؤسسات المرتبطة بالإسلام السياسي، ليس فقط عبر إجراءات الحظر، وإنما من خلال أدوات أكثر تدريجية، مثل التدقيق المالي، وتشديد شروط التسجيل، ومراجعة مصادر التمويل الخارجي، ومراقبة العلاقة بين المؤسسات المدنية والجهات التنظيمية غير المعلنة. هذه الإجراءات لم تستهدف الإخوان وحدهم، لكنها أثرت بشكل مباشر على قدرة التنظيمات التي تعتمد على شبكات واسعة من المؤسسات على التحرك بحرية كما كان الأمر سابقًا.

وفي بريطانيا، التي احتضنت تاريخيًا عددًا من الشخصيات والمنظمات المرتبطة بالإخوان، شهد ملف الجماعة نقاشًا رسميًا واسعًا منذ مراجعة الحكومة البريطانية عام 2015 لأنشطة التنظيم وتأثيره. 

ورغم عدم صدور قرار بحظر الجماعة، فإن التقرير الحكومي البريطاني أشار إلى مخاوف مرتبطة ببعض أنشطتها وخطابها، وفرض مزيدًا من التدقيق على الجهات المرتبطة بها، فيما أدى ذلك إلى زيادة الاهتمام الرسمي بتمويل المنظمات ذات الطابع الديني والسياسي.

أما في النمسا، فقد اتخذت السلطات خطوات أكثر صرامة تجاه شبكات الإسلام السياسي، خصوصًا بعد إنشاء "مركز توثيق الإسلام السياسي" عام 2020، الذي يهدف إلى دراسة ورصد الحركات والشبكات التي ترى السلطات أنها تحمل توجهات سياسية تحت غطاء ديني.

 وأصبحت المؤسسات المرتبطة بالإخوان أو القريبة منها جزءًا من هذا النقاش الأوروبي حول حدود العمل الديني وعلاقته بالمشاريع السياسية.

ولا يعني ذلك أن كل المؤسسات الإسلامية في أوروبا مرتبطة بالإخوان، إذ تميز العديد من الحكومات الأوروبية بين العمل الديني المشروع والنشاط السياسي التنظيمي، لكن التحول الأساسي تمثل في انتقال التعامل من الثقة المفتوحة إلى التدقيق المستمر، وهو ما شكل ضغطًا على المنظمات التي كانت تعتمد على الغموض في طبيعة علاقاتها وتمويلاتها.

 

 أوروبا تعيد رسم خريطة النفوذ.. من التساهل السابق إلى سياسة الرقابة

 

لفترة طويلة، استفادت جماعة الإخوان من البيئة الأوروبية التي سمحت بحرية واسعة لتأسيس الجمعيات والمراكز الثقافية، خصوصًا في ظل اعتماد بعض الحكومات على سياسة دمج الإسلاميين المعتدلين في الحوار العام باعتبارهم ممثلين للجاليات المسلمة. غير أن هذه المقاربة بدأت تتغير تدريجيًا بعد تصاعد المخاوف من استخدام بعض المنظمات الدينية كأدوات لنشر أيديولوجيات سياسية أو بناء شبكات نفوذ موازية.

وكانت التحولات الأمنية التي أعقبت هجمات إرهابية في أوروبا خلال العقدين الأخيرين عاملًا رئيسيًا في إعادة تقييم العلاقة مع بعض الحركات الإسلامية السياسية. فقد بدأت الحكومات الأوروبية في التركيز على مفهوم "التطرف غير العنيف"، أي الأفكار والشبكات التي لا تستخدم العنف المباشر لكنها قد تساهم، وفق التقييمات الرسمية، في خلق بيئات فكرية تساعد على انتشار خطاب متشدد أو معادٍ لقيم الدولة المدنية.

وفي فرنسا، تصاعد هذا النقاش بصورة خاصة، حيث ركزت السلطات على ما أسمته "الانفصالية الإسلامية"، وربطت بين بعض أشكال النفوذ الديني والسياسي وبين محاولات بناء مجتمعات مغلقة داخل الدولة. وأدى ذلك إلى إجراءات شملت تشديد الرقابة على الجمعيات، ومراجعة مصادر التمويل، وإلزام المؤسسات الدينية والخيرية بمزيد من الشفافية.

كما امتد النقاش إلى ألمانيا، حيث تراقب هيئة حماية الدستور الألمانية بعض المنظمات والشخصيات المرتبطة بالإسلام السياسي، وتصدر تقارير دورية حول نشاط الجماعات التي تعتبرها ذات توجهات مناهضة للنظام الديمقراطي. وقد أدى هذا النوع من الرقابة إلى زيادة الضغط على المؤسسات التي كانت تعمل في مناطق رمادية بين النشاط الديني والعمل السياسي.

هذه التحولات الأوروبية لم تؤد إلى اختفاء شبكات الإخوان، لكنها غيرت قواعد العمل بالنسبة لها. فالنشاط الذي كان يعتمد سابقًا على التوسع الهادئ عبر المؤسسات الاجتماعية أصبح يواجه أسئلة أكثر صعوبة حول مصادر التمويل، والارتباطات التنظيمية، وطبيعة الخطاب المقدم للجمهور.

كما دفعت هذه الضغوط الجماعة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فبدل الاعتماد فقط على المؤسسات التقليدية، توسعت في استخدام الأدوات الرقمية والإعلامية، واستثمرت في المنصات الإلكترونية باعتبارها أقل تعرضًا للقيود القانونية مقارنة بالهياكل المالية التقليدية.

 

الجمعيات والمنظمات.. ساحة المواجهة الجديدة حول مصادر تمويل الإخوان

 

مثلت الجمعيات والمؤسسات غير الربحية لعقود أحد أهم المسارات التي اعتمدت عليها جماعة الإخوان في بناء حضورها خارج المنطقة العربية، إذ وفرت هذه المؤسسات إطارًا قانونيًا يسمح بالنشاط الاجتماعي والثقافي، وفي الوقت نفسه أتاحت إمكانية إنشاء شبكات علاقات واسعة داخل المجتمعات التي انتقلت إليها الجماعة أو تعاطف معها بعض أعضائها. 

ولهذا أصبحت هذه البنية محل اهتمام متزايد من الجهات الرقابية التي بدأت تطرح أسئلة حول حدود الفصل بين العمل المدني والنشاط التنظيمي السياسي.

ولم تكن الإشكالية الأساسية في وجود جمعيات إسلامية بحد ذاتها، فالكثير منها يعمل في إطار قانوني ويمارس أنشطة اجتماعية مشروعة، وإنما في قدرة بعض التنظيمات الأيديولوجية على استخدام واجهات مدنية لبناء نفوذ طويل المدى.

 وقد دفع ذلك عددًا من الدول إلى التركيز على معايير الشفافية، بما في ذلك هوية الممولين، وطبيعة العلاقات الخارجية، ومدى استقلال القرار الإداري داخل هذه المؤسسات.

وكان ملف التمويل الخارجي من أكثر الملفات حساسية في هذا السياق، إذ بدأت دول أوروبية عدة في مراجعة حجم الأموال القادمة من الخارج والموجهة إلى المؤسسات الدينية والثقافية. 

كما أثار ملف الجمعيات المرتبطة بالإخوان نقاشًا داخل بعض الدول الأوروبية حول ما إذا كانت بعض المؤسسات تستخدم العمل الخيري أو الثقافي كمدخل للحفاظ على الولاء التنظيمي وتوسيع قاعدة التأثير. 

وقد انعكس هذا المناخ على قدرة بعض المؤسسات القريبة من الجماعة على التحرك، حيث أصبحت مطالبة بتقديم معلومات أكثر تفصيلًا حول هيكلها الإداري ومصادر دخلها. كما دفعت الرقابة المتزايدة بعض الكيانات إلى إعادة صياغة خطابها، والتأكيد على استقلاليتها عن أي تنظيم سياسي، في محاولة للحفاظ على حضورها القانوني والاجتماعي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية