
في سلسلة المقالات التي نشرتُها في موقع (حفريات)، والمخصصة لرصد حضور الفاعل المعرفي الذي سمّيته "المثقف الدنيوي" في التاريخ الإسلامي الوسيط والمتأخر وما قبل الحديث، كان هناك تعمد منهجي لإرجاء تحديد المفهوم وشرح أبعاده إلى ما بعد الفراغ من النشر، وذلك على غير العادة المستقرة في الكتابات الأكاديمية. والهدف الأساسي من هذا التأجيل هو إتاحة الفرصة للاطلاع المسبق على المادة التاريخية، ممّا يسهل الانتقال نحو الصياغة النظرية العامة، ليكون الأخير نتيجة مستخلصة لا فرضية فوقية مسقطة، وأكثر سلاسة في تفاعل القارئ معها.
يعود هذا التأجيل إلى مشكلة لغوية ومنهجية كان لا بدّ من علاجها؛ إذ قد يرى البعض في إطلاق وصف "المثقف" على شخصيات ما قبل الحداثة نوعاً من إسقاط زمن على زمن آخر، خاصة أنّ المفهوم ارتبط تاريخياً بسياق غربي حديث أواخر القرن التاسع عشر. غير أنّ استخدامنا للمصطلح هنا لا ينطلق من معناه الغربي الضيق، بل نتعامل معه كوسيلة فهم عملية تدرس دور صاحب المعرفة المهتم بالأفكار. ومن هنا تأتي صفة "الدنيوية" كشرط ضروري يخرج المصطلح من عموميته ومن مركزيته الغربية، لجعله أداة قادرة على رصد التحول الفكري لدى المفكرين والكتّاب العرب القدامى، من خلال قياس مدى اهتمامهم بالواقع والحياة اليومية، دون إجبارهم على محاكاة شروط الحداثة الأوروبية. بناءً على ذلك، لم يكن هذا التأخير مجرد اختيار عابر، بل خطوة إجرائية لتجهيز وعي القارئ لكيلا يأتي الإطار الفكري كفكرة مجردة.
الاشتباك النقدي مع أطروحة إدوارد سعيد
يكتسب مفهوم "المثقف الدنيوي" قيمته العلمية من طبيعته التاريخية المرتبطة بزمن معين وظروف لا ينبغي عزلها عنه؛ فهو أداة معرفية صيغت لفهم ظاهرة جيل من المتعلمين والكتّاب ظهروا قبل فجر العصور الحديثة، وقبل التحول نحو الاقتصاد الرأسمالي المعاصر وقوانين العلمنة. لقد اختار هذا الجيل الابتعاد، ولو بنسبة معينة، عن سلطة المرجعية الدينية التقليدية التي ارتبط بها الدارسون سابقاً داخل المؤسسات الدينية أو خارجها، وتحول اهتمام هؤلاء الكتّاب نحو عالم الحياة اليومية لعموم سكان البلاد، مرجحين أدوات النظر الواقعي والاجتماعي على الإغراق في الأمور الفلسفية والدينية.
وعند الانتقال بمفهوم "المثقف الدنيوي" إلى حقل النقاش المعاصر، يبرز اسم إدوارد سعيد كأحد أهم من أعادوا الاعتبار لـ "الدنيوية" كموقف فكري وأخلاقي للمثقف. ففي أدبياته، لا تعني الدنيوية مجرد مجابهة الدين أو تبني العلمانية الإجرائية، بل تعني أساساً وجود المثقف داخل التاريخ والواقع المادي الملموس، بعيداً عن التعالي أو الانغلاق داخل الأطر النظرية والمؤسسية؛ فالمثقف الدنيوي هنا هو من يدرك أنّ النصوص والأفكار، مهما بلغت من التجريد، هي نتاج صراعات وقوى أرضية وسياسية واجتماعية لا يمكن عزلها عنها.
غير أنّ طرح سعيد يخلط هنا بين فكرتين؛ إذ ينتهي به المطاف إلى جعل الدنيوية مرادفة للعلمانية الحديثة، ومجرد موقف نقدي دائم للمثقف المعاصر. وبناءً عليه، نفترق عن هذا الطرح السعيدي؛ لأننا نرى "الدنيوية" أداة تفسيرية مقيدة تاريخياً ببيئات ما قبل التحديث حصراً، حيث تفقد قيمتها التمييزية بمجرد دخول المجتمع في بنية العلمنة الشاملة. إنّ البحث في هذا المفهوم ضمن سياقات ما قبل الحداثة يتطلب حذراً منهجياً شديداً لتجنب الإسقاط الزمني؛ إذ إنّ العلمانية، بصفتها بنية مؤسسية ووعياً ذاتياً حداثياً، لم تكن تشكّل أفقاً تاريخياً لهؤلاء الفاعلين الذين تحركوا جميعاً داخل أفق معرفي وإيماني عام لا ينكر الغيب.
وتكمن دنيوية هؤلاء، بالمعنى النقدي والمحدد تاريخياً وبخلاف اختزال سعيد لها في العلمانية الحداثية، في "أرضية الممارسة والمعاينة" لا في الموقف العقدي من الدين؛ إنّها تحول فكري من داخل البنية التقليدية نحو رصد المعاش، وفهم آليات السياسة والأسواق، ونقد المظالم بأدوات سببية أرضية. وعليه، فإنّ الافتراق الجوهري هنا عن أطروحة إدوارد سعيد يتجاوز مجرد التقييد الزمني؛ فسعيد يرهن دنيوية المثقف بـ "الموقف الأخلاقي والسياسي الممانع" للمؤسسة والمنظومات الشمولية، بينما نتناول "الدنيوية" في هذا السياق بوصفها طريقة إدراك وانحيازاً فكرياً للدنيا وهمومها.
المثقف الدنيوي في بيئات ما قبل التحديث ليس بالضرورة مثقفاً "نقدياً" بالمعنى السعيدي الصدامي، بل هو مثقف يتجلى نقده ضمناً في إحلال "السببية الأرضية والمادية" لفهم حركة المجتمع والأسواق، بدلاً من الاستسلام للتفسيرات الميتافيزيقية والوعظية التي كانت تبتلع الحياة العامة. ومن ثم، فإنّ تحرير المفهوم من حتمية الارتباط بالعلمنة الحديثة يمنحه مرونة أكبر ويحميه من التعميم، ويجعل منه أداة قادرة على قراءة الخصوصيات المحلية للحواضر العربية قبل دخولها عتبة التحديث القسري.
وبناءً على ذلك، فإنّ "الدنيوية" في سياق مجتمعات ما قبل التحديث لا تعني خروجاً عن الحقل الديني أو انقطاعاً عن أُفقه الإيماني، بل تعني تحديداً تغيير موضع العقل تجاه الواقع الاجتماعي. ففي الوقت الذي استقرت فيه العقلية السائدة آنذاك على النظر إلى المعاش اليومي للبشر كحيز هامشي لا يستحق التأصيل الفكري أو الفقهي، وانحصر اهتمامها، إلى جانب علوم الدين، بالعلوم الكونية الكلية كالفلك والطب؛ مال "المثقف الدنيوي" صوب هذا الهامش المعاشي ليجعل منه موضوعاً أصيلاً للمعرفة. إن دنيويته تكمن في التوجه نحو اليومي والاجتماعي كموضوع أصيل للمعرفة؛ حيث تحولت تفاصيل الأسواق، وسلوكيات العوام، وآليات الحصول على لقمة العيش، من خانة المغريات الدنيوية التي يجب الترفع عنها زهداً، إلى خانة الظواهر البشرية التي يجب ادراكها وفهمها بأدوات سببية أرضية.
ومن هنا، وجب التنبيه إلى أنّ هذا التحول صوب الهامش المعاشي لا يستلزم بالضرورة موقفاً نقدياً راديكالياً ومباشراً ضد السلطة السياسية أو البنية العقائدية؛ بل إنّ القيمة النقدية لهذا التوجه تكمن في موضوع الاشتغال ذاته. فالالتفات إلى الحياتي والمادي، ومنحه الشرعية التدوينية والتفسيرية، هو في جوهره فعل نقدٍ مضمر وعميق لتراتبية العلوم والمعارف السائدة آنذاك، التي كانت تضع الغيبي والديني المحض في القمة، وتتعالى على اليومي بوصفه فضاءً زائلاً أو تدبيرياً أدنى مرتبة.
مستويات التحليل: بين الفكرة العامة والتجلي الوظيفي
على الرغم من أنّ مفهوم المثقف يبدو في أصله الفكري عاماً وشاملاً، إلا أنّ تجلياته تكتسب طابعاً تطبيقياً عندما ترتبط بأدوار اجتماعية واضحة داخل مجتمعات بعينها. وفي مجال البحوث والدراسات يمثل التمييز بين المفهوم النظري التمييز بين الفكرة النظرية وتطبيقها العملي المرتبط بالواقع "المفهوم الإجرائي" خطوة أساسية لتحويل الأفكار العامة إلى دراسات قابلة للتطبيق والرصد. فالمفهوم النظري يشرح المعنى الكلي كما يستقر في بطون الكتب والمراجع الفلسفية، فيحدد ماهية الشيء دون الدخول في تفاصيل رصده واقعياً، تماماً كتعريف 'العدالة' كمفهوم قيمي مجرد، في مقابل تجليها الإجرائي في أداء القضاء وحسبة الأسواق، أو تعريف 'العصبية' عند ابن خلدون. وضمن هذا البعد تتبلور أطروحات عديدة تحاول رسم أدوار المثقف وعلاقته بمجتمعه وسلطته. أمّا البُعد الوظيفي والتطبيق العملي، فهو الوجه الآخر الذي يحوّل تلك التعريفات النظرية العامة إلى سلوكيات ومؤشرات مادية قابلة للملاحظة والرصد في الواقع الفعلي، مجيباً باختصار عن سؤال: كيف يمكن قياس هذا الشيء وتتبعه في المتن التاريخي والوثيقة الحياتية؟
ولتحديد المثقف عملياً داخل عينة بحثية أو مجتمع معين، يعتمد الباحثون على مؤشرات ملموسة في المجتمعات قبل الحداثية؛ منها المؤشر التعليمي مثل الحصول على درجة أو إجازة علمية محددة، والمؤشر المهني القائم على الاشتغال الفعلي بالإنتاج المعرفي كالكتّاب والوراقين والمترجمين والفقهاء. يضاف إلى ذلك مؤشر طبيعة المصنفات والرسائل المكتوبة، ومؤشر الفاعلية في المجال العام عبر الانخراط في إدارة الفضاءات الحضرية، أو المشاركة في السجالات المعرفية، أو إدارة المجالس الأدبية وحلقات الجوامع.
ويمكن توضيح هذا التكامل بمثال تطبيقي من واقع موضوع دراستنا؛ فإذا أردنا دراسة دور هؤلاء الفاعلين في القاهرة أو حواضر الشام خلال العصور الإسلامية الوسيطة والمتأخرة، فإننا من الناحية النظرية سنبحث في كيفية وعي هؤلاء ببيئتهم المحلية وعلاقتهم بالسلطة السياسية القائمة (كالوالي والقضاة ونظام الالتزام والإقطاع)، وما إذا كانت نصوصهم تُعبّر عن هموم الشارع وتوثق حركة الأسواق أم تميل للمحافظة على الروايات النخبوية السائدة. أمّا من الناحية الوظيفية والسياقية، فسنحدد "الكاتب أو المثقف الدنيوي" في هذه الحقبة بأنّه كل من اشتغل بدواوين الالتزام، أو صنّف في شؤون الحِسبة والخطط والطبقات، أو تخرّج في المجامع العلمية التقليدية لكنّه أدار مجلساً أدبياً أو صنف كتاباً يرصد أحوال العامة بلغتهم اليومية، كتوثيق المحاكم الشرعية أو مصنفات التراجم المحلية. هذا التحديد الإجرائي يسمح لنا بضم فاعلين قد يبدون متناقضين في موقفهم السياسي؛ فالإداري وتكنوقراط السلطة (كمؤلفي كتب الحسبة والجباية والخطط) يلتقون في هذا الإطار الفكري مع الشيخ الأديب والساخر (كالشربيني). فالأول حركته أصوله ووظيفته التدبيرية للنظر في الأرقام وحركة الأسواق، والثاني حركته معاينته الساخرة لتوثيق بؤس الفلاح والمهمش؛ وكلاهما، رغم تباين موقعهما من جهاز السلطة، يشتركان في سمة واحدة حاسمة: النظر بعين الاعتبار للحياتي والمادي والحياة اليومية، وجعل الأرض لا السماء، والواقع لا الميتافيزيقا، موضوعاً لإنتاج النص المعرفي.
ثنائية المفاهيم العابرة والمقيدة تاريخياً
يتصل هذا التمييز بين فضاء التجريد النظري وواقع التطبيق العملي بأداة منهجية أساسية في دراسة التاريخ والمجتمعات، وتتمثل في التفرقة بين المفاهيم العابرة للتاريخ والمفاهيم المقيدة بزمن معين. فالمفهوم العابر للتاريخ يملك قدرة على التكيف والتطبيق على فترات زمنية متباعدة ومجتمعات مختلفة لأنّه يُعبّر عن ظواهر عامة؛ ومثال ذلك مفهوم "السلطة" الصالح لتفسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم في دولة فرعونية أو عثمانية أو حديثة، وكذلك مفهوم "الصراع الاجتماعي" على الموارد، وثنائية "المقدس والمدنس". غير أنّ مأزق هذه المفاهيم يكمن في خطر الإسقاط الزمني، أي إسقاط تفاصيل مفهوم بمعايير الحاضر على ماضٍ لم يكن يعرف تلك التفاصيل، كتحليل اقتصاد قرية في القرن الثامن عشر بمصطلحات اقتصادية معاصرة جداً. وعلى النقيض من ذلك، تأتي المفاهيم المقيدة تاريخياً كأدوات وُلدت من قلب سياق زمني ومكاني محدد، وتفقد قيمتها التفسيرية إذا نُزعت من بيئتها، مثل مفهوم "الإقطاع" الذي يفسر شبكة العلاقات العسكرية والاقتصادية في أوروبا العصور الوسطى ولا يمكن تطبيقه على مصنع حديث. وينطبق ذلك على مفهوم "البروليتاريا" المرتبط بالثورة الصناعية؛ إذ إنّ استخدامه لوصف فئات "الحرافيش" في القاهرة المملوكية أو العثمانية يشوه الواقع التاريخي لتلك الفئات التي كانت تنتظم في طوائف حرف لها منطق مغاير تماماً.
وفي نهاية المطاف، يصنع البحث الرصين جسراً للتكامل بين النمطين؛ فالمفهوم العابر للتاريخ يمنح الباحث إطاراً كلياً ومدخلاً أولياً لدراسة ظاهرة مثل التراتب الاجتماعي في حقبة ما، في حين يحميه المفهوم المقيد تاريخياً من الانزلاق نحو التعميم ويمنحه الخصوصية المحلية لفهم هذا التراتب من خلال مفاهيم العصر نفسه، مثل الأعيان والمشايخ ونظام الالتزام. إنّ هذا الانطلاق الواعي من المفاهيم التي صاغها أهل العصر لأنفسهم يظل دائماً خط الدفاع الأول ضد قراءة التاريخ بعيون الحاضر.
إشارات مفهومية إلى الحالات التاريخية السابقة
ولعلّ القيمة المعرفية لهذا الإطار النظري لا تتبلور مجردة، بل من خلال استدعاء الإشارات والنماذج التاريخية، حيث يظهر هذا التحول دالاً وشاهداً على طروحاتنا التي قدمناها في المقالات الخاصة بالمثقف الدنيوي العربي. وهنا وجب التأكيد على أنّ هذه النماذج لم تكن تُعبّر عن تيار جمعي سائد في عصرها، بل مثّلت طفرات استثنائية حركت راكد الوعي; شخصيات ظلت تتحرك داخل الحيز الإيماني العام، لكنّها امتلكت تميزاً منهجياً في تلمسها للمقترب الأرضي اليومي. ففي دراستنا السابقة للجاحظ في العصر العباسي، وعلى الرغم من تبنيه لعلوم الكلام، رأينا كيف أنّ إرثه الفكري يمثل تجلياً مبكراً للمثقف الدنيوي، إذ نقل اهتمامه من القضايا الغيبية الصرفة إلى دراسة المجتمع ورصد سلوكيات الناس؛ ففي كتابيه "البخلاء" و"التربيع والتدوير"، لم يعتمد على الوعظ الجاهز، بل استخدم آلية الملاحظة الميدانية ليدرس الممارسات اليومية لفئات اجتماعية محددة كالتجار والكتّاب، ويحلل دوافعهم النفسية والاقتصادية بوعي يلتفت لشؤون الحياة اليومية، محولاً النص الأدبي إلى مرآة تشرح الواقع الاجتماعي وتجعل اليومي والهامشي مادة أساسية فيه، كاسراً بذلك الترفع النخبوي والزهد والوعظ التقليدي.
أمّا ابن خلدون في العصر المملوكي، فقد تتبعنا في المقال الخاص به كيف يمثل النقلة المنهجية الأبرز؛ إذ قام بفصل حاسم بين منطق الوعظ الديني ومنطق التحليل الاجتماعي لقراءة التاريخ. وتجاوز في مقدمته الشهيرة التفسيرات القدرية لصعود الدول وسقوطها، ليصيغ مفهومي "العمران البشري" و"العصبية"، معتبراً أنّ الدول تتبدل أحوالها نتيجة لآليات مادية واقتصادية واجتماعية ملموسة مثل الجباية وتراجع العصبية، مؤسساً بذلك لنوع من الدراسة القائمة على السببية الأرضية والمنفعة البشرية.
وفي سياق متصل، تحضر مؤلفات واضعي كتب الاحتساب، مثل كتابات الشيزري أو ابن الأخوة التي حللناها سابقاً، لتقدم نموذجاً للمثقف الإداري الذي يخرج "الدنيا" من حيز النظرة التعبدية الضيقة إلى حيز التنظيم التدبيري؛ حيث ينصب اهتمام هؤلاء على ضبط الأسعار، ومنع الغش، وفحص جودة السلع، ومراقبة البنى التحتية للمدينة كالطرقات والمباني؛ فالمعرفة هنا ليست نصوصاً تُحفظ بل مؤشرات عملية تهدف إلى تنظيم وتأمين العيش المشترك وحماية المدينة وناسها من خلال منظور نفعي ملموس.
وأخيراً، يلتقي هذا التأصيل مع ما أفردناه سابقاً للشيخ يوسف الشربيني في العصر العثماني من خلال كتابه "هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف"، ليقدم نموذجاً حاداً للمثقف الدنيوي وهو يشتبك مباشرة مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المنسية. الشربيني، رغم خلفيته الدينية التقليدية، يتخلى تماماً عن لغة الوقار والوعظ بالصبر المعتادة ليشرح واقع الفلاح المطحون تحت وطأة نظام الالتزام والضرائب الثقيلة؛ فيسخر من الجهل السائد ويكشف التفاوت الطبقي الحاد بين المدينة والريف المهمل، راصداً حياة العامة بلغتهم وتفاصيل طعامهم ومعاناتهم مع أصحاب السلطة، ومستخدماً النقد الساخر كأداة لتعرية الأزمات البشرية وربطها بأسبابها الأرضية المادية، دون إرجاء التفسير أو الحلول للغيبيات، وهو ما يجعل من نصه وثيقة أنثروبولوجية ودنيوية غير مسبوقة.
وفي نهاية المطاف، تلتقي تلك الحالات التاريخية والظواهر الحياتية التي عاينها القارئ معنا طوال هذه السلسلة، لتصبّ في هذا الإطار الفكري الذي يمنح تعريفاً مفهومياً جامعاً لواقع علمي ملموس؛ مؤشراً على أنّ ذلك الاتجاه الدنيوي الاستثنائي لم يكن خروجاً عن الدين، ولا استباقاً لوعي غريب عن عصره، بل كان دليلاً على سعة الفكر القديم وقدرته الذاتية على التجدد، كلما التفت العقل صوب الواقع المادي وحياة الناس. إنّ القيمة العلمية لرصد هؤلاء الأعلام ليست في جعلهم تمهيداً مباشراً للتحولات الحديثة، بل في إثبات أنّ النظر الأرضي والتعليل السببي كانا خياراً ممكناً ومشروعاً لإنتاج المعرفة من داخل الحيز الإيماني نفسه؛ وهو الوعي بالواقع الذي سيعود للظهور لاحقاً، ولكن بآليات وقوانين مختلفة تماماً، ليصبح هو الأصل السائد والدائم مع دخول مجتمعاتنا عتبة العصور الحديثة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)