
أعادت مبادرة "المصير المشترك 2035" فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المنطقة العربية، وهو ملف التحالفات العابرة للإيديولوجيات التي اعتادت جماعة الإخوان المسلمين اللجوء إليها في مراحل التراجع والانحسار السياسي. فالمبادرة التي طُرحت باعتبارها مشروعاً للحوار العربي الأوروبي وبناء شراكات مستقبلية بين ضفتي المتوسط، سرعان ما تحولت إلى مادة سجال سياسي وإعلامي واسع، ليس بسبب بنودها المعلنة بقدر ما هو بسبب الشخصيات التي تقف خلفها والخلفيات السياسية المرتبطة بها.
ويقدّم القائمون على المبادرة المشروع باعتباره منصة للحوار حول الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان والهجرة والذكاء الاصطناعي ومستقبل العلاقات العربية الأوروبية حتى عام 2035، بينما واقع الأمر الذي دفع الهارب أيمن نور إلى طرح مؤامرته في المجال السياسي العربي يؤكد أنّها تمثل محاولة جديدة لإعادة تدوير تحالفات قديمة، وتوفير مظلة سياسية ومدنية تسمح بعودة الإخوان إلى المجال العام عبر عناوين أكثر قبولاً في الأوساط الأوروبية والدولية.
وتتصدر المشهد في هذه المبادرة أسماء أثارت جدلاً سياسياً واسعاً خلال السنوات الماضية، أبرزها الهارب أيمن نور، حليف الإخوان، الذي يقود المشروع ويقدمه باعتباره إطاراً للحوار المتوسطي، إلى جانب الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، الحليف الاستراتيجي لحركة النهضة، وشخصيات أخرى من خلفيات سياسية متباينة. وبالنسبة إلى منتقدي المبادرة، فإنّ اجتماع هذه الأسماء في منصة واحدة لا يمكن فصله عن مسار طويل من التحالفات السياسية التي جمعت الإسلاميين بشخصيات ليبرالية وقومية ومدنية خلال السنوات التي أعقبت أحداث عام 2011.
تحالفات قديمة بواجهة جديدة
وفق الوثائق التي أعلنها أيمن نور، فإنّ المبادرة قُدمت رسمياً إلى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي، وتتضمن إنشاء منتدى دائم يضم رؤساء دول وحكومات سابقين وبرلمانيين ومفكرين وشخصيات عامة من العالم العربي وأوروبا، بالإضافة إلى إنشاء مرصد لمتابعة أوضاع الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في المنطقة المتوسطية.
لكنّ الجدل لم يتركز على هذه البنود، بل على هوية الأطراف التي تقف خلف المشروع؛ ذلك أنّ أيمن نور، الذي ارتبط خلال السنوات الماضية بتحالفات سياسية وإعلامية مع شخصيات وقوى محسوبة على جماعة الإخوان، يسعى من خلال المبادرة إلى بناء منصة سياسية جديدة تمنحه حضوراً داخل دوائر التأثير الأوروبية، وتوفر في الوقت نفسه مساحة أوسع لتحركات الجماعة وحلفائها. كما أنّ مشاركة شخصيات مثل المنصف المرزوقي الذي ارتبط خلال فترة حكمه في تونس بتحالف سياسي وثيق مع حركة النهضة، الذراع السياسية للإخوان في تونس يؤكد مدى التواطؤ، في ظل وجود شخصيات ارتبطت تاريخياً بمشروعات الإسلام السياسي داخل مبادرة واحدة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول الأهداف الحقيقية للمشروع، بعيداً عن العناوين المعلنة المتعلقة بالحوار والديمقراطية.
وقد أثار انضمام شخصيات من مدارس سياسية مختلفة، من بينها حسام بدراوي، نقاشاً واسعاً حول طبيعة القاسم المشترك الذي جمع هذه الأطراف. وهو ما يؤكد أنّ الرابط الأساسي بين عدد من المشاركين لا يتمثل في برنامج سياسي موحد بقدر ما يتمثل في الرغبة باستعادة أدوار سياسية تراجعت أو اختفت خلال السنوات الماضية.
الإخوان وسياسة إعادة التموضع
تمتلك جماعة الإخوان تاريخاً طويلاً في إعادة التموضع السياسي والتكيف مع المتغيرات. فكلما واجهت الجماعة ضغوطاً أو عزلة سياسية، اتجهت إلى بناء تحالفات جديدة تحت شعارات عامة يصعب رفضها مثل الديمقراطية والإصلاح والتعددية وحقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإنّ مبادرة "المصير المشترك 2025" هي محاولة لمنح الجماعة رئة سياسية جديدة للتنفس بعد سنوات من التراجع في عدد من الدول العربية. فالمبادرة لا تتحدث عن الإسلام السياسي أو الجماعات الإسلامية، بل تستخدم خطاباً مدنياً وحقوقياً وتنموياً ينسجم مع أولويات المؤسسات الأوروبية ويتيح مساحة أوسع للحركة، فالجماعة اعتادت استخدام شخصيات غير منتمية تنظيمياً إليها من أجل توسيع دائرة القبول السياسي. فخلال مراحل سابقة لجأت إلى تحالفات مع قوى ليبرالية ويسارية وقومية، مستفيدة من حضور تلك القوى وعلاقاتها السياسية والإعلامية، قبل أن تنتهي هذه التحالفات إلى خلافات وصدامات حادة.
ويمكن أن نستحضر هنا تجربة مؤتمر "فيرمونت" الشهير عام 2012، حين شاركت قوى مدنية وليبرالية في تفاهمات سياسية مع الإخوان دعماً لمحمد مرسي في الانتخابات الرئاسية المصرية. وبعد وصول الجماعة إلى السلطة انهارت تلك التفاهمات، واتهم عدد من المشاركين الإخوان بالتخلي عن التزاماتهم السياسية السابقة. وتكرر الأمر نفسه في تجربة "جبهة الضمير الوطني" التي ظهرت عام 2013 وضمت شخصيات من اتجاهات متعددة، حيث كانت نموذجاً لاستخدام شخصيات مدنية كواجهة سياسية تمنح الجماعة مساحة أوسع للحركة والدفاع عن سياساتها في مواجهة خصومها.
وتصاعد الجدل بصورة أكبر بعد اللقاء الذي عقده أيمن نور مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي، حيث سلم وثيقة المبادرة وعرض تصوره لمشروع الحوار العربي الأوروبي الجديد. وبينما قدّم نور اللقاء باعتباره خطوة طبيعية في إطار الدبلوماسية الشعبية الهادفة إلى بناء شراكات بين الشعوب والمؤسسات المدنية، فإنّ قراءة ما بين السطور تكشف أنّ التحرك يأتي ضمن سلسلة اتصالات وتحركات تستهدف دوائر صنع القرار الأوروبية، وتندرج في إطار البحث عن نفوذ سياسي وإعلامي جديد خارج الحدود.
يُذكر أنّ المبادرة جاءت بعد سلسلة لقاءات واتصالات أجراها نور في عدد من العواصم الأوروبية، بهدف الترويج للمشروع وكسب دعم سياسي له، في محاولة لإعادة تسويق شخصيات وتيارات فقدت حضورها في الداخل العربي، مستفيدة من المناخ الأوروبي الداعم لخطابات الديمقراطية والحوار وحقوق الإنسان.
حصان طروادة سياسي
يمكن اعتبار المشروع أنّه "حصان طروادة" جديد، لا بسبب نصوصه المعلنة، بل بسبب البيئة السياسية التي يوفرها. فالمبادرة تفتح المجال أمام إعادة بناء شبكات سياسية وإعلامية عابرة للحدود، تجمع شخصيات معارضة سابقة وشخصيات ارتبطت بمشروعات الإخوان وشخصيات تبحث عن استعادة أدوارها في المجال العام. وأخطر ما في المبادرة ليس ما تقوله، بل ما لا تقوله. فهي لا تتحدث عن الإخوان بشكل مباشر، لكنّها توفر مساحة يمكن أن تستفيد منها الجماعة في كسر العزلة السياسية المفروضة عليها منذ سنوات، والعودة إلى دوائر الحوار والتأثير عبر واجهات مدنية وحقوقية وتنموية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)