
مثّلت الثورة الإيرانية عام 1979 واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في مسار الحركات الإسلامية خلال العقود الأخيرة، إذ لم يقتصر أثرها على إسقاط نظام الشاه وإقامة نظام سياسي جديد في إيران، بل امتد ليشمل العديد من التنظيمات والحركات الإسلامية التي رأت في نجاح الثورة نموذجًا يمكن البناء عليه لتحقيق أهدافها السياسية.
وفي مقدمة هذه الحركات جاءت جماعة الإخوان المسلمين التي تابعت تطورات الثورة باهتمام كبير، ونظرت إلى نجاحها باعتباره محطة مهمة في مسيرة الإسلام السياسي المعاصر.
وبحسب دراسة صادرة عن مركز تريندز للبحوث والاستشارات بعنوان "علاقة الإخوان المسلمين بالثورة الإيرانية"، فإن موقف الجماعة من الثورة لم يكن موقفًا عابرًا فرضته ظروف اللحظة السياسية، بل جاء نتيجة تراكمات فكرية وسياسية سبقت نجاح الثورة بسنوات. وتشير الدراسة إلى أن العلاقة بين الإخوان والحركة الإسلامية الإيرانية تعود إلى مرحلة مبكرة سبقت سقوط نظام الشاه، حيث نشأت قنوات تواصل وتأثر متبادل بين عدد من رموز الطرفين.
وتوضح الدراسة أن فهم طبيعة العلاقة بين الإخوان والثورة الإيرانية يتطلب تجاوز التفسيرات المبسطة التي تختزل المشهد في الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة، إذ تكشف الوقائع التاريخية عن وجود مساحة واسعة من المشتركات الفكرية والسياسية التي دفعت الطرفين إلى التقارب رغم التباينات العقائدية الواضحة.
جذور التواصل بين الإخوان والحركة الإسلامية الإيرانية
تشير الدراسة إلى أن العلاقة بين الإخوان المسلمين وبعض رموز الحركة الإسلامية الإيرانية بدأت قبل نجاح الثورة بسنوات طويلة، ولم تكن وليدة انتصار الخميني عام 1979 كما يعتقد كثيرون. فخلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شهدت الساحة الإيرانية اهتمامًا متزايدًا بعدد من الكتابات والأفكار التي أنتجتها الحركات الإسلامية السنية، وخاصة أدبيات جماعة الإخوان المسلمين.
وبحسب الدراسة، فقد أسهمت عمليات الترجمة والنشر في نقل العديد من مؤلفات حسن البنا وسيد قطب إلى اللغة الفارسية، الأمر الذي أتاح لعدد من الناشطين الإسلاميين الإيرانيين الاطلاع على تلك الأفكار والتفاعل معها. وقد شكلت مفاهيم مثل الحاكمية وشمولية الإسلام والدولة الإسلامية عناصر جذب بالنسبة لبعض التيارات التي كانت تبحث عن إطار فكري لمواجهة نظام الشاه.
وتوضح الدراسة أن هذا التأثر لم يكن يعني تبني الفكر الإخواني بصورة كاملة، لكنه ساعد في إيجاد أرضية مشتركة بين الجانبين، خاصة في ما يتعلق بالنظر إلى الإسلام باعتباره مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا قادرًا على إدارة الدولة والمجتمع.
وقد ساهم هذا التفاعل الفكري المبكر لاحقًا في تسهيل التقارب بين الطرفين بعد نجاح الثورة، إذ لم يكن كل منهما غريبًا عن الآخر على المستوى الفكري والثقافي.
الثورة الإيرانية نموذجًا ملهمًا في نظر الإخوان
ترصد الدراسة حالة الترحيب الواسعة التي أبداها الإخوان المسلمون تجاه الثورة الإيرانية عقب نجاحها في إسقاط نظام الشاه. فبالنسبة للجماعة، لم يكن الحدث مجرد تغيير سياسي داخلي في إيران، بل تجربة أثبتت إمكانية نجاح مشروع ذي مرجعية إسلامية في الوصول إلى السلطة وتغيير بنية الدولة.
وبحسب الدراسة، فقد تعاملت الجماعة مع الثورة الإيرانية في بداياتها بوصفها انتصارًا للإسلام السياسي أكثر من كونها ثورة ذات طابع مذهبي خاص. ولذلك ركزت مواقف العديد من قيادات الإخوان آنذاك على نجاح الثورة في مواجهة نظام حليف للغرب وإقامة سلطة تستند إلى مرجعية دينية.
وتوضح الدراسة أن عدداً من رموز الجماعة أبدوا إعجابًا واضحًا بالخميني وبقدرته على حشد الجماهير وإدارة عملية التغيير السياسي، كما شهدت تلك المرحلة تبادل زيارات واتصالات بين شخصيات إخوانية ومسؤولين في النظام الإيراني الجديد.
هذا الموقف يعكس طبيعة التفكير السائد داخل الجماعة آنذاك، حيث كان البحث عن نموذج ناجح للحكم الإسلامي يمثل أولوية كبرى بالنسبة للحركات الإسلامية التي ظلت لعقود طويلة بعيدة عن السلطة.
تأثير أفكار الإخوان في بعض دوائر الثورة الإيرانية
من النقاط التي تتوقف عندها الدراسة بإسهاب مسألة التأثير الفكري المتبادل بين الجانبين، إذ تشير إلى أن بعض الشخصيات المرتبطة بالثورة الإيرانية أبدت اهتمامًا بأفكار عدد من منظري الإخوان المسلمين، خاصة ما يتعلق بقضايا التغيير السياسي ودور الإسلام في الحكم.
وبحسب الدراسة، فإن كتابات سيد قطب كانت من بين أكثر الأدبيات التي لاقت اهتمامًا لدى بعض الإسلاميين الإيرانيين، لا سيما تلك المتعلقة بمفهوم الحاكمية ومواجهة الأنظمة التي يُنظر إليها باعتبارها بعيدة عن المرجعية الإسلامية.
كما توضح الدراسة أن أفكار حسن البنا المتعلقة بشمولية الإسلام وإمكانية توظيفه كمنهج للحياة والدولة والمجتمع وجدت صدى لدى بعض التيارات الإسلامية الإيرانية التي كانت تسعى إلى بناء مشروع سياسي ذي مرجعية دينية.
ورغم ذلك، تؤكد الدراسة أن هذا التأثر لم يؤد إلى ذوبان الفوارق الفكرية والعقائدية بين الطرفين، بل ظل في إطار الاستفادة من بعض الأفكار والمفاهيم التي تخدم المشروع السياسي لكل جانب.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الجانب الفكري يمثل أحد أهم العوامل التي تفسر حالة التقارب التي ظهرت بين الإخوان والثورة الإيرانية خلال السنوات الأولى التي أعقبت نجاحها.
التباينات المذهبية وحدود التقارب
رغم أجواء الحماس التي رافقت السنوات الأولى للثورة، توضح الدراسة أن التقارب بين الإخوان وإيران واجه منذ البداية مجموعة من التحديات المرتبطة بالاختلافات العقائدية والمذهبية بين الطرفين.
وقد بدأت بعض الأصوات داخل الجماعة تنظر بحذر إلى التطورات التي شهدها النظام الإيراني بعد استقراره، خاصة مع ترسيخ مبدأ ولاية الفقيه بوصفه أحد الأسس الرئيسية للنظام السياسي الجديد.
وتشير الدراسة إلى أن هذه التطورات كشفت تدريجيًا حدود التقارب الممكن بين الجانبين، إذ اتضح أن الثورة الإيرانية تتجه نحو صياغة نموذج سياسي يرتبط بمرجعيات مذهبية خاصة، وهو ما يختلف عن التصورات الفكرية التي تتبناها جماعة الإخوان المسلمين.
كما توضح الدراسة أن الخلافات المذهبية التي جرى تجاوزها مؤقتًا خلال مرحلة الحماس للثورة عادت للظهور مع مرور الوقت، خصوصًا عندما بدأت إيران في بلورة سياساتها الإقليمية وتوسيع نفوذها خارج حدودها.
ورغم ذلك، تؤكد الدراسة أن هذه التباينات لم تؤد إلى قطيعة كاملة، وإنما ساهمت في إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين وفق اعتبارات أكثر واقعية وأقل اندفاعًا مما كانت عليه في السنوات الأولى.
علاقة تحكمها المصالح والحسابات السياسية
في ختام تحليلها، ترى الدراسة أن العلاقة بين الإخوان المسلمين والثورة الإيرانية مرت بعدة مراحل اتسمت بالتقارب أحيانًا وبالتباعد أحيانًا أخرى، تبعًا للظروف السياسية والمتغيرات الإقليمية.
وبحسب الدراسة، فإن القواسم المشتركة الفكرية والسياسية أسهمت في بناء جسور التواصل بين الجانبين، إلا أن الخلافات العقائدية والمصالح المتباينة حالت دون تحول هذا التقارب إلى تحالف استراتيجي دائم.
وتشير الدراسة إلى أن كل طرف نظر إلى الآخر من زاوية المصالح التي يمكن تحقيقها من خلال هذا التقارب. فالإخوان رأوا في الثورة الإيرانية نموذجًا ناجحًا لوصول حركة إسلامية إلى الحكم، بينما وجدت إيران في الجماعة قناة مهمة للتواصل مع قطاعات واسعة من الحركات الإسلامية السنية.
وتخلص الدراسة إلى أن تجربة العلاقة بين الإخوان والثورة الإيرانية تكشف قدرة الحركات الأيديولوجية على تجاوز الكثير من الخلافات عندما تلتقي الأهداف السياسية، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن تلك التقاطعات تظل محدودة بحدود المصالح والظروف المحيطة بها.
وبذلك تمثل هذه العلاقة نموذجًا معبرًا عن طبيعة التفاعلات داخل تيارات الإسلام السياسي، حيث لا تكون الخلافات العقائدية دائمًا عائقًا أمام التقارب، كما لا تكون المشتركات الفكرية كافية وحدها لضمان استمرار التحالفات على المدى الطويل.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)