كيف غيرت هجرة الرياضيين مستقبل الرياضة في غزة؟

كيف غيرت هجرة الرياضيين مستقبل الرياضة في غزة؟

كيف غيرت هجرة الرياضيين مستقبل الرياضة في غزة؟


كاتب ومترجم فلسطيني‎
12/07/2026

لم تكن الحرب في قطاع غزة مجرد كارثة إنسانية طالت البشر والحجر، بل امتدت آثارها إلى القطاع الرياضي، الذي خسر خلال السنوات الأخيرة مئات اللاعبين والمدربين والإداريين، واضطر عشرات الرياضيين الواعدين إلى مغادرة القطاع بحثاً عن الأمان، وفرصة لمواصلة مسيرتهم الرياضية، وبين من غادر ومن فقد حياته أو أصيب أو توقفت مسيرته، يواجه مستقبل الرياضة في غزة تحديات غير مسبوقة.

قبل الحرب كانت الملاعب تعجّ بالبطولات المحلية، وتخرج الأندية مواهب شابة تمثل المنتخبات الفلسطينية في مختلف الألعاب، أمّا اليوم، فقد تحولت معظم الملاعب إلى ركام أو مراكز لإيواء النازحين، وتوقفت الأنشطة الرياضية لفترات طويلة، بينما وجد الرياضيون أنفسهم أمام واقع يهدد أحلامهم ومستقبلهم.

ويؤكد مختصون أنّ هجرة الرياضيين لم تكن خياراً سهلاً، بل جاءت نتيجة فقدان البيئة الرياضية بالكامل، وانعدام فرص التدريب، وتدمير المنشآت، إضافة إلى المخاطر اليومية التي تهدد حياة اللاعبين والمدربين، ومع استمرار الحرب، فضل عدد من الرياضيين استكمال مشوارهم في الخارج، حفاظاً على مسيرتهم الرياضية.

ولم تقتصر الخسائر على هجرة الكفاءات، بل شملت أيضاً مقتل وإصابة أعداد كبيرة من الرياضيين، وتشير بيانات صادرة عن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية إلى سقوط مئات الرياضيين، إلى جانب تدمير مئات المنشآت الرياضية، وهو ما أدى إلى شلل شبه كامل للحركة الرياضية في القطاع.  ويرى مدربون ورياضيون أنّ رحيل اللاعبين أصحاب الخبرة سيترك فراغاً كبيراً داخل الأندية، وسيؤثر على اكتشاف وصقل المواهب الجديدة، في ظل غياب المنافسات المحلية، وتراجع برامج الفئات العمرية، كما أنّ هجرة المدربين والإداريين تعني خسارة الخبرات المتراكمة التي كانت تسهم في تطوير الرياضة الفلسطينية.

ولم يعد الأطفال يجدون المساحات الآمنة التي كانوا يمارسون فيها ألعابهم المفضلة، بعدما تحولت الملاعب إلى مراكز نزوح أو تعرضت للتدمير، ويُحذر مختصون من أنّ غياب النشاط الرياضي ستكون له آثار اجتماعية ونفسية طويلة الأمد، خاصة على جيل كامل حرم من ممارسة الرياضة، باعتبارها متنفساً ومساحة لبناء الشخصية وتعزيز الصحة النفسية.

ويتحدث اللاعب إياد نائل الذي أصيب بشظايا صاروخ أدت إلى بتر الساقين، أنّ فرصة عودته إلى الرياضة أصبحت حلماً كبيراً بعد الإصابة الحرجة التي ألمت به، وجعلت ظروفه النفسية محطمة بفعل آلة الحرب الإسرائيلية".

ويؤكد اللاعب لـ "حفريات" حبه للعبة كرة السلة، وطموحه الكبير في تمثيل فلسطين بالمحافل الدولية، حيث كان يمارس التدريبات في نادي غزة الرياضي، ويحرص على الحضور لممارسة التمارين برفقة عدد من أصدقائه، منهم من فُقدوا، ومنهم من هاجروا.  

وأشار إلى أنّ "الرياضيين في غزة فقدوا الكثير من فرص الاحتراف وإلغاء المشاركات الخارجية، وصعوبة السفر، وضياع فرص الانضمام إلى أندية أو منتخبات، وهذا حرم الكثير من الشباب الرياضيين من فرصة التألق وتطوير مهاراتهم". 

يقول الخبير الرياضي سعيد أبو صابر: "تعرّضت الرياضة في غزة لأكبر تدمير منذ بدء تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث دمر الجيش الإسرائيلي ومسح مئات الملاعب، عدا عن قتل وإلحاق الإصابات البالغة بأعداد كبيرة من الرياضيين من مختلف الهوايات".

وأضاف في حديثه لـ "حفريات": "يحاول بعض الرياضيين الحفاظ على لياقتهم، من خلال تدريبات فردية أو إقامة بطولات محدودة في الملاعب التي ما زالت صالحة جزئياً، في رسالة تؤكد تمسكهم بالأمل، ورغبتهم في إعادة الحياة إلى الرياضة الفلسطينية متى توفرت الظروف المناسبة".

ويؤكد أنّ "إعادة بناء الرياضة في غزة لن تقتصر على إعادة إعمار الملاعب والمنشآت، بل ستتطلب أيضاً استعادة الكفاءات الرياضية، ودعم الأندية، وتأهيل جيل جديد من اللاعبين، إلى جانب توفير برامج نفسية واجتماعية للرياضيين الذين عاشوا سنوات الحرب".

ولفت إلى أنّ "النزوح المستمر وصعوبة الالتزام بالتدريبات، في ظل التنقل المتكرر والعيش في الخيام أو مراكز الإيواء، وفقدان المعدات الرياضية وعدم توفر الأحذية والملابس والأدوات اللازمة للتدريب، يعيق محاولات ترميم الروح الرياضية وعودتها إلى طبيعتها".

وبعد توقف الحرب يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الرياضة في غزة استعادة مكانتها بعد هذا النزيف البشري وهجرة المواهب؟ أم أنّ خسارة الرياضيين اليوم ستنعكس لسنوات طويلة على مستقبل الأندية والمنتخبات الفلسطينية؟ أم أنّ ذلك مرتبط بقدرة القطاع على إعادة بناء منظومته الرياضية، وإتاحة الفرصة أمام اللاعبين للعودة إلى الملاعب، وصناعة مستقبل جديد رغم كل ما خلفته الحرب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية