هل انتهى خطر الإخوان أم غيّر أدواته؟ قراءة في مستقبل التنظيم بعد سنوات من التراجع

هل انتهى خطر الإخوان أم غيّر أدواته؟ قراءة في مستقبل التنظيم بعد سنوات من التراجع

هل انتهى خطر الإخوان أم غيّر أدواته؟ قراءة في مستقبل التنظيم بعد سنوات من التراجع


09/07/2026

بعد سنوات من الصعود السياسي الذي بلغ ذروته عقب أحداث عام 2011، تجد جماعة الإخوان نفسها أمام واقع مختلف جذرياً عن المرحلة التي اعتقدت فيها أنها باتت على أعتاب تثبيت مشروعها السياسي في المنطقة. فقد فقدت الجماعة مواقع السلطة التي وصلت إليها في بعض الدول، وتراجعت قدرتها على الحشد العلني، كما دخلت في أزمات داخلية عميقة كشفت حجم الخلافات حول القيادة والرؤية وطريقة التعامل مع التحولات الجديدة. لكن هذا التراجع لم يُنهِ الجدل حول مستقبلها، بل أعاد طرح سؤال أكثر تعقيداً: هل انتهى خطر الإخوان فعلاً، أم أن الجماعة انتقلت إلى مرحلة جديدة تعتمد على أدوات مختلفة؟
فمنذ تأسيسها عام 1928، بنت الجماعة نموذجاً تنظيمياً يقوم على التدرج وطول النفس، مستفيدة من العمل الاجتماعي والدعوي في بناء قاعدة واسعة من المؤيدين. ومع مرور العقود، لم يبقى حضورها مرتبطاً فقط بالمشاركة السياسية المباشرة، بل امتد إلى شبكات اجتماعية وثقافية وإعلامية مكّنتها من الحفاظ على تأثيرها حتى في الفترات التي كانت فيها بعيدة عن السلطة. 
ولذلك فإن تقييم مستقبلها لا يرتبط فقط بعدد المقاعد البرلمانية أو حجم الحضور الانتخابي، بل بقدرتها على إعادة إنتاج خطابها والتكيف مع البيئات الجديدة.

سنوات الانحسار.. لماذا بدا أن الإخوان دخلوا مرحلة الأفول؟

كان وصول جماعة الإخوان إلى السلطة في عدد من دول الربيع العربي لحظة اختبار تاريخية كشفت الفارق بين القدرة على بناء تنظيم سياسي وبين القدرة على إدارة دولة، فالجماعة التي امتلكت لعقود شبكة تنظيمية واسعة وقاعدة منضبطة وجدت نفسها أمام واقع مختلف، حيث لا تكفي أدوات التعبئة والانضباط الداخلي لإدارة مؤسسات دولة معقدة تتطلب خبرات اقتصادية وإدارية وسياسية واسعة.
وقد كشفت تجربة الحكم القصيرة للجماعة عن إشكالية أعمق مرتبطة بطريقة التفكير التنظيمي، إذ اصطدم نموذج الجماعة القائم على الولاء الداخلي والتدرج التنظيمي بمتطلبات الدولة الحديثة التي تقوم على التعددية وتوازن المؤسسات وتنوع مراكز القرار. وهو ما جعل الانتقال من موقع التنظيم إلى موقع السلطة اختباراً صعباً لم تستطع الجماعة تجاوزه.
ولم يكن تراجع الإخوان مرتبطاً فقط بخروجهم من الحكم، بل امتد إلى بنيتهم الداخلية، فقد شهد التنظيم انقسامات حادة حول القيادة والاستراتيجية، وظهرت تيارات متباينة بين من دعا إلى مراجعة الأساليب القديمة ومن تمسك بالهياكل التقليدية.
 هذه الخلافات أضعفت قدرة الجماعة على التحرك ككتلة واحدة، وأثرت على صورتها أمام قواعدها والبيئات التي كانت تستهدفها.
كما فقدت الجماعة جزءاً من قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها البديل السياسي القادر على إدارة الدولة، خصوصا أن الشعارات التي ساعدتها على بناء حضور طويل الأمد أصبحت موضع مراجعة بعد تجربة السلطة.

من التنظيم الصلب إلى الشبكات المرنة.. كيف غيّر الإخوان أدواتهم؟

رغم الضربات التي تعرضت لها الجماعة، فإن مرحلة التراجع لم تعنِ اختفاء النشاط، بل دفعتها إلى تغيير أساليب العمل، لأن التنظيمات التي تعتمد على فكرة أيديولوجية لا تتعامل عادة مع الأزمات من خلال الانسحاب الكامل، وإنما عبر البحث عن قنوات جديدة للحضور.
ويرى الباحث ماهر فرغلي، في قراءات تناولت تحولات الجماعة، أن الإخوان انتقلوا من مرحلة التنظيم التقليدي الذي يعتمد على الهياكل المغلقة إلى محاولة الاستفادة من مساحات أكثر مرونة، خاصة بعد فقدان القدرة على العمل العلني بالشكل السابق. وأصبح التركيز أكبر على الفضاء الإعلامي والمنصات الرقمية والشبكات غير المباشرة.
هذا التحول لا يعني أن التنظيم التقليدي اختفى بالكامل، لكنه يعكس إدراكاً بأن أدوات الماضي لم تعد قادرة على العمل بالفاعلية نفسها.
وباتت الجماعة، التي كانت تعتمد على اللقاءات المباشرة والخلايا التنظيمية، تواجه اليوم بيئة مختلفة، حيث أصبحت وسائل الاتصال الحديثة تسمح بالوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى البنية القديمة نفسها.
في هذا السياق، أصبحت شبكات التواصل والمنصات الرقمية جزءاً مهماً في معركة التأثير. فالمحتوى السياسي والفكري لم يعد يحتاج إلى مؤسسات إعلامية كبيرة للوصول إلى المتابعين، بل يمكن إنتاجه وتوزيعه عبر فضاءات مفتوحة تستهدف شرائح محددة، خصوصاً الشباب الذين يشكلون الفئة الأكثر حضوراً في العالم الرقمي.

الفضاء الرقمي والمجتمع المدني.. ساحات جديدة للنفوذ

هذا وتكشف التحولات الأخيرة أن النقاشات حول الإخوان لم تعد تدور فقط حول التنظيم السياسي المباشر، بل حول القدرة على التأثير في المجال العام. فالجماعة سعت تاريخياً إلى بناء حضور اجتماعي من خلال الجمعيات والمؤسسات التي توفر لها قدرة على التواصل مع شرائح مختلفة من المجتمع.
وفي أوروبا تحديداً، أثار هذا النمط من الحضور نقاشاً واسعاً حول حدود الفصل بين النشاط الديني والعمل السياسي. 
وقد ركزت بعض الدول على مراجعة مصادر التمويل، وطبيعة العلاقات بين الجمعيات، ومدى استقلال المؤسسات التي تعمل في المجال الديني والاجتماعي عن الأهداف السياسية.
وتشير تجربة عدد من الدول الأوروبية إلى أن التحدي لم يعد مرتبطاً بوجود تنظيم معلن فقط، بل بوجود شبكات قادرة على العمل داخل البيئة القانونية المتاحة، لا سيما أن المجتمعات الديمقراطية، تمنح قوانين الجمعيات وحرية التنظيم مساحة واسعة للنشاط المدني، لكن هذا الأمر فتح أيضاً نقاشاً حول إمكانية استغلال هذه المساحات لتحقيق أهداف سياسية غير معلنة.
في المقابل، لم يكن التعامل الأوروبي مع الملف موحداً، إذ تختلف المقاربات بين دولة وأخرى، حيث ركزت بعض الحكومات على الإجراءات الأمنية والرقابية، بينما ركزت أخرى على تعزيز الاندماج ومواجهة الأفكار المتطرفة عبر أدوات ثقافية وتعليمية.

أوروبا تختبر المشروع.. لماذا تغير الموقف تجاه شبكات الإسلام السياسي؟

شكّل الانتقال إلى أوروبا مرحلة جديدة في النقاش حول الإخوان، إذ وجدت الجماعة بيئة مختلفة تقوم على قوانين ديمقراطية تسمح بحرية التنظيم والتعبير، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات تتعلق بالتكيف مع نموذج الدولة المدنية.
في فرنسا، اتخذ النقاش حول الإسلام السياسي بعداً واسعاً، خاصة مع تأكيد السلطات على مفهوم العلمانية ورفض أي محاولة لبناء كيانات موازية داخل المجتمع. وارتبطت الإجراءات الفرنسية خلال السنوات الأخيرة بتشديد الرقابة على بعض الجمعيات ومراجعة مصادر التمويل وتعزيز الالتزام بمبادئ الجمهورية.
أما في النمسا وإيطاليا وألمانيا، فقد تصاعد الاهتمام بمتابعة شبكات الإسلام السياسي، خصوصاً مع تنامي المخاوف من استخدام المؤسسات الدينية والاجتماعية كوسائل للتأثير السياسي، وقد انتقل النقاش من سؤال الاندماج إلى سؤال النفوذ وحدود النشاط التنظيمي.
وتكشف هذه التجارب أن أوروبا لا تتعامل مع الظاهرة باعتبارها مجرد نشاط ديني، بل باعتبارها قضية مرتبطة بشكل العلاقة بين الدين والسياسة، وطبيعة الولاء للدولة، وحدود استخدام المؤسسات المدنية لتحقيق أهداف أيديولوجية.

بين نهاية التنظيم وبقاء الفكرة.. أين يقف مستقبل الإخوان؟

 الجماعة لم تعد تمتلك الظروف التي سمحت لها بالصعود قبل أكثر من عقد، لكنها في الوقت نفسه لم تختفِ من المشهد تماماً.
كما أن تراجع التنظيم السياسي لا يعني بالضرورة نهاية التأثير الفكري، ولا يعني فقدان القدرة على الوصول إلى السلطة اختفاء القدرة على إعادة إنتاج الخطاب. ولذلك تركز المقاربات الحديثة على ضرورة التمييز بين ضعف التنظيم وبين استمرار الأفكار التي تقوم عليها بعض التيارات الإسلامية السياسية.
وبحسب أغلب الدراسات الحديث بينها مركز تريندز للبحوث والاستشارات والمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، فإن مستقبل الجماعة يواجه تحديات كبيرة؛ فالأجيال الجديدة أقل ارتباطاً بالهياكل التنظيمية التقليدية، والبيئة السياسية أصبحت أكثر صعوبة، كما أن تجربة الحكم تركت آثاراً عميقة على صورة الجماعة لدى قطاعات واسعة من المجتمعات العربية.
كما يبدو أن الخطر الذي يُناقش اليوم ليس بالضرورة خطر عودة الإخوان إلى نموذج الصعود السابق، وإنما قدرة التنظيم على التكيف وإعادة بناء النفوذ بأشكال جديدة، خاصة أن الجماعات الأيديولوجية لا تقاس فقط بحجمها في لحظة معينة، بل بقدرتها على تغيير أدواتها عندما تتغير الظروف.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية