"حروب صامتة" تجتاح العواصم الغربية... أوروبا تضيّق الخناق على "إمبراطورية الإخوان"

"حروب صامتة" تجتاح العواصم الغربية... أوروبا تضيّق الخناق على "إمبراطورية الإخوان"

"حروب صامتة" تجتاح العواصم الغربية... أوروبا تضيّق الخناق على "إمبراطورية الإخوان"


09/07/2026

تخوض العواصم الأوروبية تحولاً استراتيجياً غير مسبوق في طريقة تعاطيها مع حركة الإخوان المسلمين، حيث تخلت الدوائر الأمنية والسياسية في القارة الأوروبية عن مقاربة "الاحتواء" و"الاندماج التقليدي"، متجهة نحو استراتيجية مواجهة شاملة تسعى لتفكيك الشبكات الموازية، وتجفيف منابع التمويل الخارجي، وإعادة هيكلة التأثير الديني، ولم تعد المعركة الأوروبية اليوم  ضد التنظيم مقتصرة على التهديدات الأمنية المباشرة أو خلايا العنف المسلح، بل امتدت لتستهدف ما تصفه الأجهزة الاستخباراتية بـ "الإسلاموية القانونية" و"الانتهازية الناعمة". وهو المفهوم الذي يٌعبّر عن التغلغل الممنهج للجماعة داخل مؤسسات المجتمع المدني، والتعليم، والعمل الخيري، مستغلة هامش الحريات وقوانين دولة الرعاية الديمقراطية لبناء مجتمعات موازية وتقويض قيم المواطنة من الداخل.

إيطاليا... مواجهة برلمانية وحصار أمني للتمويل الخارجي

تتجه إيطاليا بخطوات حثيثة نحو المسار الأوروبي المناهض للتنظيم، حيث انتقل الملف من السجالات الدينية والاجتماعية إلى أروقة البرلمان وهيئات الرقابة المالية. ويقود الائتلاف الحاكم بالتعاون مع حزب "إخوة إيطاليا" وحزب "الرابطة" مبادرات تشريعية حازمة لمكافحة ما يُسمّى بـ "الانفصالية الثقافية"، عبر وضع أسس صارمة لمراقبة أموال الجمعيات والمراكز الدينية غير المعترف بها رسمياً.

وتكشف التحركات البرلمانية في روما عن خريطة تدقيق أولية تطال مؤسسات وواجهات بارزة، في مقدمتها "اتحاد الجاليات والمنظمات الإسلامية في إيطاليا (UCOII) "، و"شباب مسلمي إيطاليا"  (GMI)، و"التحالف الإسلامي الإيطالي"؛ وتتركز جهود التحقيق حول مصادر التمويل العابرة للحدود، والتثبت من استخدام العقارات والمراكز الثقافية كمساجد ومراكز عبادة خارج نطاق الرقابة البلدية والأمنية.

ولم تعد العاصمة روما تعمل بمعزل عن جيرانها، بل دعت أوساطها السياسية إلى إجراء مقارنة استخباراتية شاملة بين نشاط هذه الجمعيات وكيانات إسلاموية تنشط في فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، بهدف تعقب حركة القيادات والخطاب المستخدم، وإيصال الملف إلى مستوى المعالجة الحظرية الشاملة.

النمسا... المطالبة بالإدراج في قوائم الإرهاب

في فيينا، تتصاعد الضغوط الأمنية والسياسية لدفع الاتحاد الأوروبي بأسره نحو إدراج الجماعة رسمياً في لوائح الإرهاب. وتُحذر هيئة حماية الدستور والاستخبارات الداخلية النمساوية (DSN) في أحدث تقاريرها من أنّ الجماعة تواصل تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد لتقويض حقوق الإنسان والهياكل الديمقراطية عبر أدوات "القوة الناعمة".

وقد شهدت النمسا تحركات ميدانية حاسمة شملت تنفيذ مداهمات أمنية واسعة، واعتقالات، وتفتيش منازل، وفرض حظر على العشرات من العناصر المحسوبة على شبكات التطرف، في حين أكد الحزب الشعبي النمساوي الحاكم أنّ "الإسلام السياسي يمثل التهديد الأكبر للديمقراطية"، واضعاً خطة عمل شاملة تستهدف تجفيف الأصول المالية، وملاحقة خطابات التحريض، وقطع قنوات النفوذ التي تحاول الجماعة اختراق المؤسسات العامة عبرها.

أجهزة ألمانيا تكتشف "الأسلمة من الأسفل" 

تتعامل السلطات الأمنية في برلين بقلق بالغ مع استراتيجية تطلق عليها الدوائر الاستخباراتية اسم "الأسلمة من الأسفل".

وأكدت تقارير ألمانية أنّ التنظيم عبر كيانات مثل "الجماعة المسلمة الألمانية" (DMG) ومنظمة "الشبيبة المسلمة في ألمانيا (MJD)" ، يعمل على إيجاد أطر تنشئة موازية تستهدف الشباب والأسر، مستغلاً في الوقت ذاته منصات التواصل الاجتماعي للترويج لأفكاره متخفياً خلف لافتات حقوقية واجتماعية.

ورداً على ذلك، حظرت ألمانيا كيانات رئيسية كـ "المركز الإسلامي في هامبورغ"، وشكّلت هيئة استشارية دائمة تحت اسم "الوقاية من الإسلاموية ومكافحتها"، لوضع خطة وطنية تجفف منابع التمويل وتكشف عمليات الاختراق الحزبي. 

فرنسا... حرب رسمية ضد الإخوان

شهدت الساحة الفرنسية فصلاً جديداً من فصول المواجهة الشاملة ضد بنية وأذرع جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث أصدرت محافظة لوار أتلانتيك قراراً رسمياً بحظر "اللقاء السنوي لمسلمي الغرب" الذي كان مقرراً عقده بمسجد السلام في مدينة نانت، بناءً على طلب مباشر من وزير الداخلية لوران نونيز، وهو القرار الذي أيده القضاء الإداري بشكل حاسم.

وأفادت صحيفة "لو فيغارو" بأنّ هذا الحظر يمثل مرحلة جديدة ومتقدمة في الحرب الرسمية ضد جماعة الإخوان في البلاد، استناداً إلى تقارير استخباراتية تفضح ترويج المنظمين لخطاب انعزالي هوياتي ومعادٍ للقيم المدنية للجمهورية.

ولم يأتِ قرار الحظر لاعتبارات دينية، بل بسبب الصلات التنظيمية؛ حيث كشفت التحقيقات أنّ مسجد السلام تُديره الهيئة الإدارية لمسلمي الغرب المرتبطة مباشرة بمنظمة "مسلمو فرنسا"، التي تصنفها باريس رسمياً باعتبارها الامتداد الوطني للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين. 

هولندا وبلجيكا... سحب الاعتراف وتفكيك شبكات النفوذ

بدأت حكومتا هولندا وبلجيكا مجابهة صريحة ضد استغلال المناخ الديمقراطي والمقرات الإقليمية. ففي بروكسل -عاصمة القرار الأوروبي- تحركت الحكومة الفيدرالية لسحب الاعتراف الرسمي بـ "السلطة التنفيذية لمسلمي بلجيكا" المقربة من التنظيم، وقطعت الإعانات المالية عنها، تزامناً مع طرد أئمة ودعاة مرتبطين بفرع الجماعة، وتحذير الاستخبارات البلجيكية (VSSE) من المخططات طويلة المدى التي تهدف لفرض أسلمة تدريجية للمجتمع.

أمّا في هولندا، فقد قررت السلطات وقف كافة أشكال التمويل والمساعدات الموجهة لجمعيات إغاثية وثقافية أثبتت التقارير ارتباطها بالتنظيم الدولي، ونفذت وحدات الاستخبارات المالية والبلديات إجراءات رقابية سرية ومشددة لمتابعة نشاط المساجد، وحظر المتحدثين المتطرفين، وفرض العقوبات على الشبكات التي تحول أموالاً لكيانات مصنفة إرهابية خارج البلاد.

بريطانيا... الإخوان والخيارات الصعبة

كشفت مصادر برلمانية بريطانية مطلعة لـ "حفريات" عن كواليس اللقاءات الجارية خلف الأبواب المغلقة في مجلس العموم، التي تجمع نواباً وشخصيات قيادية من حزب العمال البريطاني بالتزامن مع تشكيل الحكومة الجديدة. 

وأكدت المصادر أنّ حزب العمال يجد نفسه اليوم في "مأزق حقيقي" وأمام خيارات شديدة التعقيد والحساسية؛ إذ يواجه ضغوطاً خارجية أمريكية مكثفة، وأخرى داخلية برلمانية، لإلزام الحكومة المقبلة بإنهاء الحقبة التي منحت فيها البيئة القانونية البريطانية هامش مناورة واسعاً لواجهات التنظيم الإخواني.

وتفيد معلومات خاصة حصلت عليها "حفريات" من داخل أروقة حزب العمال بوجود خلافات حادة وانقسامات عميقة بين تيارين رئيسيين حول آليات التعامل مع ملف الإخوان وتصنيفهم "جماعة إرهابية".

ويرى التيار الأوّل ضرورة التماشي الكامل مع التحذيرات الاستخباراتية وتقارير وزارة الخزانة الأمريكية التي تثبت تورط جمعيات بريطانية، مثل جمعية (Human Appeal) ، في تمرير أموال إلى منظمات إخوانية. ويطالب هذا التيار بفتح "الصندوق الأسود" للتنظيم وتفعيل أدوات الامتثال المصرفي وقوانين مكافحة الإرهاب لتطويق الشبكة المالية دون إبطاء.

في المقابل، ما زال التيار الثاني التقليدي يتبنّى الرؤية العتيقة للسياسة الخارجية البريطانية، التي ترى في تيارات الإسلام السياسي "الوسيلة المثلى" وأداة وظيفية لإدارة التوازنات في الشرق الأوسط.

ورغم هذا الانقسام، تؤكد المصادر لـ "حفريات" أنّ جدول الأعمال والملفات الجاهزة للتصعيد ضد الإخوان قد خرجت بالفعل من الأدراج المغلقة التي بقيت فيها لسنوات، وتحديداً مع مغادرة رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، ليصبح ملف التدقيق في حوكمة الجمعيات الإغاثية والإنفاق الخارجي على رأس أولويات الأجهزة التنفيذية في المرحلة المقبلة.

تحول استراتيجي... نحو تأسيس بدائل دينية وطنية

تتكامل هذه الملاحقات الأمنية والتشريعية مع توجه أوروبي رسمي يهدف إلى دعم ومساندة المؤسسات الإسلامية الوطنية المستقلة عن الشبكات العابرة للحدود. وتسعى الدول الأوروبية من خلال هذا النهج المزدوَج - الحصار التشريعي والدعم المؤسسي البديل - إلى بناء خطاب ديني معتدل يتوافق مع قيم المواطنة ودولة القانون، ويسحب البساط بالكامل من تحت أقدام تنظيم الإخوان، مؤكدة أنّ المعركة الحالية ليست ضد المسلمين، بل لحمايتهم من إيديولوجيات التطرف والانعزالية السياسية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية