في ذكرى سقوط الإخوان: كيف كشفت الإطاحة بالجماعة عبثية مشروع الدولة الإسلامية؟

في ذكرى سقوط الإخوان: كيف كشفت الإطاحة بالجماعة عبثية مشروع الدولة الإسلامية؟

في ذكرى سقوط الإخوان: كيف كشفت الإطاحة بالجماعة عبثية مشروع الدولة الإسلامية؟


30/06/2026

شكّل وصول حركات الإسلام السياسي إلى السلطة بعد موجة الربيع العربي أوّل اختبار عملي واسع لمشروع ظل لعقود طويلة يطرح نفسه بديلاً للأنظمة القائمة، ويرفع شعار أنّ المرجعية الإسلامية قادرة على تقديم نموذج أكثر عدلاً وكفاءة في إدارة الدولة. إلا أنّ التجربة التي بدأت وسط توقعات كبيرة انتهت في معظم الدول إلى نتائج مغايرة، بعدما واجهت تلك الحركات أزمات سياسية ومؤسسية ومجتمعية متلاحقة، في الوقت الذي تمددت فيه التنظيمات الجهادية المسلحة مستغلة حالة الفوضى الأمنية، لتفرض حضورها عبر القوة والعنف. وقد أعاد هذا المشهد إلى الواجهة سؤالًا ظل مطروحًا منذ عقود: هل يمتلك الإسلام السياسي أدوات إدارة الدولة الحديثة، أم أنّه ينجح في المعارضة أكثر ممّا ينجح في الحكم؟

أحدثت انتفاضات الربيع العربي تحولًا غير مسبوق في المشهد السياسي العربي، بعدما فتحت المجال أمام الحركات الإسلامية للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات للمرة الأولى في عدد من الدول. ففي مصر وصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى رئاسة الجمهورية بعد سيطرتها على البرلمان، وتصدرت الأحزاب الإسلامية المشهد السياسي في تونس والمغرب واليمن، وحققت حضورًا مؤثرًا في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي، وبرز الإسلاميون لاعبًا رئيسيًا في عدد من الساحات العربية الأخرى.

وفي تلك المرحلة حاولت هذه الحركات تقديم نفسها باعتبارها قوى سياسية وطنية قادرة على إدارة الدولة، وليس مجرد تنظيمات دعوية أو إيديولوجية. فبدأ خطابها يتغير تدريجيًا مقارنة بما كان عليه خلال العقود السابقة، وأصبحت تتحدث عن الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وعن التعددية السياسية، وقدّمت الإسلام باعتباره مرجعية عامة يمكن أن تتعايش مع الدولة الحديثة، بدلًا من الحديث عن إقامة دولة دينية مغلقة.

بقي المشروع السياسي للإسلاميين يدور في معظمه حول القضايا المرتبطة بالهوية والتشريع أكثر من تركيزه على بناء مؤسسات الدولة وإدارة الاقتصاد. فقد انصبّ جانب كبير من برامجهم على تعزيز حضور الشريعة في التشريعات، وزيادة التأثير الديني في المجال العام، وتقوية دور الفقه الإسلامي في القوانين المدنية والجنائية، ومعارضة بعض الأدوات المالية الحديثة، والاعتراض على عدد من الإصلاحات الاجتماعية، ولا سيّما تلك المتعلقة بحقوق المرأة والأسرة والاختلاط بين الجنسين.

ورغم اختلاف الأدوات بين التيارات الإسلامية المشاركة في الانتخابات والتنظيمات الجهادية المسلحة، فإنّ المشروعين التقيا عند نقطة مركزية تتمثل في اعتبار الإسلام إطارًا شاملًا لإدارة الدولة والمجتمع، وإن اختلفت الوسائل المستخدمة لتحقيق هذا الهدف. كما أنّ جماعة الإخوان اعتبرت الجماعات الجهادية ظهيرًا لها حتى في ذروة الخلاف.

الفجوة بين الشعارات والقدرة على إدارة الدولة

مع انتقال الإسلاميين من المعارضة إلى السلطة، بدأت الاختبارات الحقيقية. فقد وجدت هذه الحركات نفسها أمام دول تعاني أزمات اقتصادية متراكمة، وأجهزة إدارية معقدة، ومؤسسات بيروقراطية مترهلة، وانقسامات سياسية واجتماعية حادة، وهي تحديات اختلفت جذريًا عن طبيعة العمل التنظيمي الذي اعتادت عليه خلال سنوات المعارضة.

وسرعان ما ظهرت الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على الإدارة. ففي مصر واجهت حكومة الإخوان انتقادات بسبب بطء اتخاذ القرارات، وضعف التعامل مع الملفات الاقتصادية، وعدم امتلاك حلول عملية للأزمات المعيشية، إلى جانب افتقارها إلى الخبرة في إدارة مؤسسات الدولة الحديثة. وتصاعدت الاتهامات لجماعة الإخوان المسلمين بالسعي إلى توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة، عبر الدفع بقيادات محسوبة عليها إلى مواقع تنفيذية وإدارية، بما عزز الانطباع لدى قطاعات واسعة من المجتمع بأنّ الجماعة تتعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها امتدادًا للتنظيم، وليس باعتبارها مؤسسات وطنية يفترض أن تبقى بعيدة عن الهيمنة الحزبية.

وواجهت الجماعة انتقادات بسبب طريقة إدارتها للخلافات السياسية، إذ اعتبرت قوى معارضة أنّ الإخوان أخفقوا في بناء توافق وطني واسع، وأنّهم فضلوا الاعتماد على الأغلبية الانتخابية بدلًا من إشراك القوى السياسية المختلفة في إدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما أدى إلى اتساع دائرة الاستقطاب بصورة غير مسبوقة.

وفي تونس، واجهت حركة النهضة تحديات مشابهة، رغم اختلاف الظروف السياسية. فقد حاولت الحركة تقديم نموذج يجمع بين المرجعية الإسلامية والدولة المدنية، إلا أنّ تصاعد الخلافات السياسية، واتساع نفوذ التيارات السلفية، وارتفاع مستوى التوتر داخل المجتمع، أدى إلى تراجع الثقة في قدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية، قبل أن تضطر لاحقًا إلى التخلي عن السلطة لصالح حكومة تكنوقراط.

أمّا في المغرب، فرغم نجاح حزب العدالة والتنمية في قيادة الحكومة، فإنّ التجربة كشفت حدود السلطة التنفيذية داخل النظام السياسي المغربي، حيث بقيت المؤسسة الملكية صاحبة الكلمة العليا في الملفات الكبرى، وهو ما حد من قدرة الحزب على تنفيذ كثير من برامجه، قبل أن يتعرض لاحقًا لهزيمة انتخابية كبيرة أنهت سنوات وجوده في رئاسة الحكومة.

وفي ليبيا واليمن، لم تؤدِ التحولات السياسية إلى استقرار مؤسسات الدولة، بل دخل البلدان في صراعات داخلية وحروب أهلية شاركت فيها أطراف إسلامية متعددة، دون أن يتمكن أيّ منها من فرض مشروعه السياسي بصورة مستقرة. 

الاستقطاب المجتمعي وبداية التراجع السياسي

لم يقتصر تأثير وصول الإخوان إلى السلطة على تغيير موازين القوى السياسية، بل امتد إلى المجتمع نفسه، حيث تصاعدت حالة الانقسام بصورة غير مسبوقة. فقد رأت قطاعات واسعة من المواطنين أنّ الجماعة لا تسعى فقط إلى إدارة الدولة، وإنّما إلى إعادة تشكيل هويتها السياسية والثقافية وفق رؤية إيديولوجية محددة. وفي دول تمتلك إرثًا مدنيًا طويلًا مثل مصر وتونس والمغرب، أثار هذا التصور مخاوف من أن تتحول الدولة إلى إطار يعكس رؤية تيار واحد على حساب بقية مكونات المجتمع.

وتجاوزت هذه المخاوف حدود السياسة إلى مجالات الثقافة والتعليم والتشريع وأنماط الحياة اليومية، إذ ساد اعتقاد لدى قطاعات من الرأي العام بأنّ المرحلة الجديدة قد تشهد توسعًا في تطبيق التشريعات ذات المرجعية الدينية، وزيادة حضور الخطاب الديني في مؤسسات الدولة، وتراجع مساحة الحريات الشخصية، وهو ما أدى إلى اتساع دائرة الاستقطاب بين مؤيدي الإخوان ومعارضيهم، خاصة مع انتهاج الجماعة سياسات منفردة، ومحاولتها أخونة مؤسسات الدولة.

وازداد هذا المشهد تعقيدًا مع الصعود المتسارع للتيارات السلفية، التي انتقلت خلال سنوات قليلة من الهامش إلى قلب الحياة السياسية والاجتماعية، بعدما دخلت البرلمانات ووسعت حضورها في المجال العام. وأسهم هذا التطور في زيادة المخاوف من انتقال المجتمعات العربية إلى مرحلة أكثر محافظة وتشددًا، خاصة مع بروز شخصيات دينية متشددة في المشهد السياسي، وارتفاع حدة الخطاب الديني في النقاشات العامة.

وبالتبعية امتدت حالة القلق إلى الأقليات الدينية التي رأت في هذه التحولات مؤشرات على احتمال تراجع مكانتها داخل الدولة. فقد برزت مخاوف من تعزيز دور الشريعة في القوانين المدنية والجنائية، وإعادة صياغة الدساتير بما يمنح المرجعية الأصولية مساحة أوسع، فضلًا عن تصاعد حضور شخصيات إسلامية متشددة في الحياة العامة، وهو ما عزز شعورًا لدى بعض الأقليات بأنّ التنوع الديني والثقافي قد يصبح أقلّ قبولًا داخل المجال العام.

سقوط التجارب الإخوانية بالتتابع

مع اتساع الاحتجاجات وتصاعد الأزمات السياسية، بدأت تجارب الإسلام السياسي تتساقط تباعًا. ففي مصر، تحولت الأزمة من خلاف سياسي إلى صراع واسع حول طبيعة الدولة نفسها. بعد أن ظهر أنّ مشروع جماعة الإخوان يتجاوز إدارة الحكومة إلى إعادة صياغة مؤسسات الدولة وهويتها الوطنية وفق رؤية تنظيمية خاصة. ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في صيف عام 2013، تدخل الجيش وأطاح بحكم الرئيس محمد مرسي، لتنتهي بذلك أول تجربة للجماعة في إدارة الدولة بعد عام واحد فقط من وصولها إلى السلطة.

وفي تونس، دفعت حالة الاستقطاب، واتساع نفوذ التيارات السلفية، وتحالف القوى المدنية والقوى المرتبطة بإرث الرئيس الحبيب بورقيبة، حركة النهضة إلى التخلي عن السلطة لصالح حكومة تكنوقراط. وتمكن خصومها لاحقًا من تشكيل تحالف سياسي واسع نجح في الفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، لتدخل الحركة مرحلة جديدة ركزت خلالها على الدفاع عن وجودها السياسي والتمييز بين مشروعها والجماعات الجهادية التي تمددت داخل البلاد، قبل أن تتعرض لاحقًا لتراجع كبير وانتهاء وجودها في السلطة ومحاكمة قياداتها.

وفي المغرب، خسر حزب العدالة والتنمية الانتخابات بصورة قاسية بعد سنوات من قيادة الحكومة، بينما بقيت المؤسسة الملكية اللاعب الرئيسي في إدارة الدولة طوال فترة وجود الحزب في السلطة، الأمر الذي كشف حدود قدرة الأحزاب الإسلامية على تنفيذ برامجها داخل أنظمة سياسية تحتفظ فيها مؤسسات أخرى بمراكز القرار الأساسية.

وعليه، بعد أكثر من عقد على الربيع العربي، بدا أنّ موجة الإسلام السياسي التي تصدرت المشهد في بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فقدت معظم زخمها وقدرتها على البقاء. ففي غالبية الدول العربية تراجع حضور الأحزاب الإسلامية، أو أصبحت محاصرة سياسيًا وقانونيًا، بينما فقدت جزءًا كبيرًا من التأييد الشعبي الذي راكمته خلال سنوات المعارضة.

وأظهرت التجارب العملية أنّ نجاح الحركات الإسلامية في الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات لا يعني بالضرورة نجاحها في إدارة الدولة. فقد واجهت هذه الحركات تحديات معقدة تتعلق بإدارة الاقتصاد، وبناء مؤسسات الدولة، وتحقيق التوافق الوطني، والتعامل مع التنوع السياسي والاجتماعي، وهي ملفات أثبتت أنّ إدارة الدولة تختلف جذريًا عن إدارة التنظيمات السياسية أو الدعوية.

وكشفت التجربة أنّ الشعارات العامة، مثل "الإسلام هو الحل"، لم تعد كافية لإقناع المجتمعات التي تنتظر حلولًا عملية لمشكلات الاقتصاد والخدمات والبطالة والأمن. فمع مرور الوقت أصبح الرأي العام يقيّم أداء الحكومات الإسلامية وفق قدرتها على الإنجاز، لا وفق الخطاب الإيديولوجي الذي ترفعه.

لقد أعادت التجربة طرح العلاقة بين الإسلام السياسي والدولة الحديثة باعتبارها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في العالم العربي، ومع استمرار التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة، ما تزال أزمة الإسلام السياسي مفتوحة، بينما تواصل الدولة الوطنية استعادة موقعها باعتبارها الإطار الذي تدور داخله معارك الشرعية والسلطة وإدارة المجتمع، بعد أن كشفت التجارب العملية أنّ الانتقال من العمل الدعوي والتنظيمي إلى إدارة دولة حديثة يتطلب أدوات ومقاربات تتجاوز الشعارات الإيديولوجية إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار والتنمية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية