
نحن أبناء العصر الحالي، لكننا أيضًا أبناء العصر الماضي، وكثير من إشكالياتنا الفكرية والسياسية اليوم نتاج للموروث الفكري الذي تشكل في مطلع القرن العشرين، ففي اللحظة التي بدأت فيها مصر تتخلص من المنظور الماضوي القديم، الذي أسهم في تخلفها عن ركب العصر، وحاولت، عبر قادتها الطبيعيين وطليعتها المثقفة، أن تبني دولة حديثة تستفيد من منجزات العصر مع الحفاظ على هويتها الدينية والعربية، ظهر تيار ماضوي رأى في كل جديد تهديدًا للدين، وشنّ معركة فكرية ضد مفاهيم الوطنية والقومية والدولة الحديثة، وكان رشيد رضا أحد أبرز مُنظّري هذا الاتجاه.
ففي تلك المرحلة، التي بدأت فيها مصر تتخلص من الذهنية القروسطية وتتجه نحو بناء الدولة الحديثة؛ من أنظمة حكم تقليدية إلى أنظمة حديثة، ومن نظم اجتماعية عرفية إلى نظم قانونية، ومن تعليم ديني محدود إلى تعليم حديث يساعد على التقدم، ومن عقلية المؤامرة الكونية علينا باعتبارنا ورثة الحضارة الإسلامية إلى عقلية أكثر انفتاحًا على العصر، في هذه اللحظة الوليدة التي كانت تحتاج رعاية أكبر، قاد مجموعة من الكتاب الماضويين الهجوم على أبناء مصر الحديثة تحت مزاعم أنّهم تهديد للدين والهوية.
شنوا تلك الحملة بدافع من السلطة ممثلة في الملك فؤاد الأول الذي تطلع إلى الحصول على لقب الخليفة، بعد أن ألغى مصطفى كمال أتاتورك منصب الخلافة، ظنًا منه أنّ ذلك سيعزز مكانته في مواجهة أزماته مع الدول المجاورة ومع الاحتلال الإنجليزي. ومن ثم أوعز إلى رجاله بإنشاء الجمعيات والمجلات الدينية التي تدعو إلى إعادة الخلافة، وتناهض كل صور تحديث نظم الحكم، وتهاجم تركيا الحديثة.
اتهامات رشيد رضا للجميع
وكانت أولى خطوات الصفوة المصرية هي كتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، الذي ينهي به الارتباط بدولة تركيا والبحث داخل الوطنية المصرية، فأيده البعض وعارضه البعض، ومن الذين أيدوه حزب الأحرار الدستوريين، فهاجمه رشيد رضا، وهاجم الحزب وأعضاءه، واتهمهم باللادينية، ففي مجلة "الفتح"، التي أسسها محب الدين الخطيب، تلميذ رشيد رضا، والرجل المعروف بتقلباته الفكرية، إذ بدأ قوميًا عربيًا ثم انتهى إلى الاتجاه السلفي، ظهرت المجلة كأنّها دعوة ماضوية في ثوب التمسك بالدين، ففي العدد الثاني من مجلة "الفتح" الصادر في 17 حزيران/يونيو 1926 كتب رشيد رضا مقالًا بعنوان "دعاية الإلحاد في مصر"، اتهم فيه الجامعة المصرية بأنّها ترعى الإلحاد، وأنّ حزب الأحرار الدستوريين، ومجلته "السياسة الأسبوعية"، ورئيس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل، من دعاة الإلحاد، وأنّهم يؤيدون الشيخ علي عبد الرازق، صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، الذي وصفه رشيد ؤضا بأنّه مجاهر بلادينيته، واعتبر أنّ القومية نقيض للإسلام، بل إنّه بالغ في اتهاماته حتى قال إنّ بذور الإلحاد لم تنشرها الجامعة المصرية، وإنّما نشرتها المدارس العصرية الحديثة التي تتبناها الدولة المصرية.
واتهم رشيد رضا الثقافة القومية بأنّها تزعم أنّها بديل للتكوين الديني للشعوب، ويقول في فقرة أخرى من المقال: "إنّ الملاحدة المصريين يدعون الوطنية بالمعنى الاجتماعي المصري، وهو تمايز الأقوام والشعوب وتكونها بأوطان محددة تضمها دون ما هو أوسع، حتى إنّهم يعدون المسلم - وهي مسلمة (يقصد مصر) - ويعدون العربي - وهي عربية - من الأجانب .ثم يتساءل: فكيف يمكن لمصر أن تساوي بين المصريين المسلمين وغير المسلمين، وتعتبر المسلم التركي أو الإندونيسي غريبًا عن مصر وأجنبيًا، مثله مثل الوثني الصيني والمسيحي الغربي الإنجليزي؟"
نصيحة الإسرائيلي لرشيد رضا
ويزيد رشيد رضا الأمر تعقيدًا بقوله إنّ شابًا إسرائيليًا نبهه في مجلسه إلى خطورة كتاب علي عبد الرازق، فينقل عنه قوله: "ليست المسألة كتابًا ألَّفه شيخ مسلم في محاربة الإسلام، فلو كان هذا كل ما تشكون منه لهان الخطب، ولكنّما المسألة كل المسألة هي التنازع بين الجامعة المصرية وجامعة الأزهر، فإذا غلبت الثانية بقيت هذه البلاد إسلامية، وإذا انتصرت الأولى لحقت مصر بالبلاد التركية وانقضى الإسلام فيها. تلك نصيحة الإسرائيلي لرشيد رضا فهل نصحه بأكثر من ذلك أم كان يوجهه لأفكار أخرى ممّا صنعت فيما بعد ما عرفناه بعد سنوات قليلة بالإسلام السياسي؟
ربما من قراءة التاريخ يمكننا القول إنّ رشيد رضا، ومعه محب الدين الخطيب، ثم تلميذهما حسن البنا أسهموا في إجهاض كثير من محاولات تحديث الدولة المصرية، بزعم أنّها تمثل كفرًا وإلحادًا، وأنّ الإسلام لا يقر بالوطنية ولا بالقومية. ومن هنا دخلنا متاهة فكرية لم نخرج منها حتى اليوم.
فكلما جاء من يحاول تحديث الدولة، استُدعيت مقولات التيار الماضوي لرفض المحاولة، إمّا بزعم أنّها ضد الدين وإمّا باتهام صاحبها بأنّه ملحد يحارب الدين، وكلما حاول أحد تطوير الفكر الإسلامي وتجديد الخطاب الديني بما يجعله أكثر توافقًا مع مقتضيات الدولة الحديثة، وقف أبناء هذا التيار في وجهه، وحشدوا البسطاء ضده، وشوّشوا على الفكرة، حتى أصبحت مفاهيم مثل الديمقراطية، والعلمانية، والدولة المدنية، كلمات سيئة السمعة في أذهان كثيرين.
الخروج من المتاهة
وإذا أردنا أن نخرج من هذه الدوامة الفكرية، المستنزفة للوقت والجهد والطاقة، فعلينا أن نخطو خطوات حقيقية نحو التخصص، وأن نحدد بوضوح دور الدين في صياغة الفرد والقيم الأخلاقية، مع تمكين بقية مؤسسات التنشئة الاجتماعية، والسياسية، والقانونية، والتعليمية، من أداء أدوارها في بناء إنسان معاصر، قادر على التفاعل مع عصره دون أن يفقد هويته.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_2.jpg.webp?itok=UNvmc9-l)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=mjn2zJIe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%8A_0_4_0_1_1.jpg.webp?itok=hNzBMnLn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nt4OwjHDVsJvLPKaWBBURRDnGxZNNury4KfliU3N107cxZo6t8bG4mizFMcKW58_qqK7Sljb7c1W1GDASThC3YpR0KLSXDjwbobaypF8uDWNC6Kjwrobhqjqn9midyicArK4h5l5jdVq-v4NOyoAGetFIICGRAfjgDSIg5ru_ThENOhzG8b_NzyPp7OsuZiY.jpg.webp?itok=NIZxZmNA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SjT-lcPGXZG_e03MrwnLbXDhOQ8zrt44zKWYgr2KiogYhOV1DyIsD1feuO-RWMpOe80I9tJ6a3KwN1nw6wKA2SaWNF6fK9zHfCBpZZhd5KuskYbXHkvCe20g4xHsHzqG02eN2loUs_yuGUNNGAtL42xLzrD9rwCQzP7wuSTXkaZKMQABjwS8x2t6i7fGwvvT.jpg.webp?itok=2DA6kOnV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_0_0_1.jpg.webp?itok=6Ipo-WZS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-11%20123723222_0.png.webp?itok=caNGFYgx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B3%D9%8A%D9%84_0_0_0.jpg.webp?itok=dRiWSEU7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/rshyd_0_0.jpg.webp?itok=E0RbvLtK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0.png.webp?itok=Gcn1NLf-)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8nfpv3KQt91voIwv1ngZwQe3hI95qNYgkfSoijCke_Bnq2WD_M5TdHst87ATz4uF_ev4tx36qkpro6hLK3-IQ9z9oCOK6q-sHLUUeG9DAa6CJsPvebfuWwWrReLSCoJqXlZ4bnItx4GmAqWydwvrB9yJ5tC6TOZvMiSjNkXVFY2wu2sVOSgdzyi57hex2bL1%20%281%29.jpg.webp?itok=foAFYDUq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B5%D8%B1_0_0_0.jpg.webp?itok=MYEIr7Js)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_0_0_0.jpg.webp?itok=llqb-mbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1DSf20GdSOuqTcb5oTVxHNrKFIBmIU31yHMRZdN9Hox6vtEIeX4Lb61Rw87zVA6_UMPtu8vNtKDK_R5jVmtCbIDJC0lX-m0GJDCrICSxKG-2CJeNxUYtlVgw3GO24AnqN5v33z7-3agYfLRVjTtRY_0DHLjSsfvJKplpLbaxIXJSXvUUfe9HDlSUNJbDQL2W%20%281%29.jpg.webp?itok=kjRp-3UQ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/998f23e6-96f8-411e-9bf2-790b602921ca.png.webp?itok=8qzm2hkp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/_Is5Qs9Tj7-DO6QqN9tlNHJ0ciGQdhk1Xy4HopQGlwSstLiBt85IOj50xbDwrcUfKcRbkFFtBvHorhC_ryEhMU5FJ8OoFR47cIHTtuXs6fPvuv3ExkMCZUCV_NPSzGqz4QKiAJAJ2lLBd4Ln6T24JY6XU2rbaZBg5GVg1fI8ZmUtt8hufAdOTaNjVXHKOxH4%20%281%29.jpg.webp?itok=THeqc_6L)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_139_0.jpg.webp?itok=DNYnR6lN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B3%D9%8A%D9%84_0_1.jpg.webp?itok=Avz3S74g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yrUPkob4ak7vpMn1SRcEv5tLTUYc68C9ITcEMUQsnW4CSvmC3CTwwPnvorMsFp5-THys6D79GxT423FXIRcsE7x1g0q_AwTNmmAHKLQH0Pt47mRP0RA9ty8-tcXFd2mXVGXMCxKD9vD6FgJFrqmIQBIae0768OkQg3VDuw6WJuWusdenrvILUum1CXHtHQGo%20%281%29.jpg.webp?itok=DbY2je40)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5H2mK5LTDe2wX4369ozLuSHhgt7Uhz1SJarKfStYKg91fjJPStY_kRRncOem9zEL8YcqKuG9d95SMGnn1wTFXmbQcYjPVTmQlhQjk9gyNyBj-yHr9rfZPYyW6k9hlqJZ-FzgwoN9VHyhxYs8NrIsoxCfRgN9441gbOxhHVqEOC_JHLzveJHhpu15-n4PQt4O%20%281%29.jpg.webp?itok=GbkwgDN0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

