لماذا فشل الإخوان في أن يصنعوا من "مرسي" زعيمًا وطنيًا؟

لماذا فشل الإخوان في أن يصنعوا من "مرسي" زعيمًا وطنيًا؟

لماذا فشل الإخوان في أن يصنعوا من "مرسي" زعيمًا وطنيًا؟


19/07/2026

منذ أن سقطت جماعة الإخوان من السلطة في العام 2013م وهي تعمل على ترسيخ صورة ذهنية عن "محمد مرسي" بأنّه لم يكن رئيسًا للدولة فحسب، لكنّه كان زعيمًا وطنيًا، واستخدمت في سبيل تحقيق ذلك أدوات وأساليب مختلفة، كان آخرها العمل الدرامي الذي تمّ تصميمه من خلال برامج الذكاء الاصطناعي، ويُذاع في هذا التوقيت على قناة "وطن" الإخوانية على عدة حلقات متتابعة تحت اسم "مرسي... حكاية وطن"، الذي يتتبع حياة محمد مرسي منذ ولادته حتى وفاته، وأنشأت الجماعة حسابًا على موقع "فيسبوك" يُسمّى "حكاية زعيم"، تنشر فيه بشكل يومي حول محمد مرسي وفترة حكمه. 

ويسعى المسلسل والصفحة لإرسال العديد من الرسائل التي تسعى الجماعة إلى إيصالها، والتأكيد على الأفكار التي تعمل على ترسيخها لدى أفرادها بشكل أساسي ولدى الجمهور بشكل عام، وأهمها التأكيد على أنّ مرسي كان وطنيًا خارجًا من تراب هذا البلد، وأنّه كان يسعى إلى تحرير الشعب، وأنّه حقق إنجازات كبيرة في العام الذي حكم فيه، لتحاول أن تصنع منه زعيمًا في العقول حتى وإن لم يكن كذلك في الواقع. 

لكن، ورغم كل هذه المحاولات، تبدو مهمة الإخوان صعبة، حيث يفتقد "مرسي" إلى السمات الأساسية للزعامة الوطنية، وهو ما ينتهي به الأمر إلى أن يكون زعيمًا داخل التنظيم فقط.

وهنا يظهر العديد من الأسئلة: ما سمات الزعيم الوطني، ولماذا يسعى الإخوان إلى صناعة "زعيم"، وما هي فرص تحقق هذا الهدف في الواقع؟

سمات الزعيم

هناك العديد من الشخصيات التي تمتعت بسمات الكاريزما ووُصفت بالزعامة على مر التاريخ، وجاء اكتسابها لهذه الصفة بعد رحلة من العمل والإنجاز، ومن خلال اعتراف شريحة كبيرة من المجتمع ومنح هذه الصفة له، وليس من خلال سعي الشخص نفسه أو محاولات من فئة أو جماعة ينتمي إليها.

ومن أهم السمات التي ينبغي توافرها فيمن يمكن وصفه بـ "الزعيم الوطني" هي قدرته، أو سعيه الجاد، على تمثيل الأمة بكل مكوناتها لا تمثيل مجموعة أو طائفة منها فحسب، وقدرته على تقديم خطاب جامع يتجاوز الخلافات بين أفراد المجتمع، وتقديمه للمصلحة الوطنية العامة على مصلحة فئة معينة وتقديم الانتماء الوطني على الولاءات الفرعية، ومن السمات أن تكون لديه رؤية شاملة للدولة لا مجرد برنامج انتخابي لبعض المشكلات والأزمات، وأن يتمتع بالاستقلال في التفكير واتخاذ القرار دون الخضوع لتأثير جهة أو طرف آخر، ومن السمات أيضًا أن يمتلك القدرة على إدارة التنوع والاختلاف وبناء التوافقات والخروج عن دائرة الاستقطاب، كذلك من السمات أن يمتلك أهم صفات الكاريزما وهي قدرته على الإلهام وأن يمنح الشعب الأمل في تحقيق هدف كبير ورسم مسار للخروج من وضع متأخر إلى وضع أفضل.

لماذا يسعى الإخوان إلى صناعة "زعيم"؟

ربما يثار هنا السؤال حول الهدف من سعي الإخوان وإصرارهم على تحويل مرسي إلى زعيم وطني، على الرغم من وفاته منذ سبع سنوات وضياع الأمل في عودته إلى الحكم كما ظلّوا يأملون منذ 2013م حتى 2019م؟

في الحقيقة أنّ جماعة الإخوان بطبيعتها ومنذ نشأتها تهتم بفكرة صناعة الرموز، سواء كانت في السياسة أو العمل الدعوي أو الخيري أو الرياضي... إلخ، وكانت حتى في اختياراتها للأفراد الذين تسعى إلى ضمهم إلى التنظيم تضع الأولوية للأفراد المتميزين في المجالات المختلفة، سواء كان ذلك في التعليم أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها مثلًا، حيث تنظر إلى هذه الرموز باعتبارها نقاط قوة للجماعة تقوي وتدعم مكانتها في المجتمع وتكسبها شرعية وتمثل عوامل جذب لأفراد آخرين، على اعتبار أنّ اختيار هؤلاء الرموز والمتميزين للجماعة وانضمامهم إليها سوف يكون في نظر الكثيرين دليلًا على صحة طريقها وأفكارها.

وفي حالة "مرسي" فإنّ الجماعة أوّلًا تريد أن تكتسب شرعية لنفسها لا لمرسي ذاته من خلال محاولاتها لصناعة زعامة وهمية له، حيث تبدأ أولى خطوات هذه الصناعة من خلال الإصرار على وصفه بـ "الشهيد"، على الرغم من وفاته الطبيعية أمام الناس خلال إحدى جلسات محاكمته، وهو الوصف الذي يرسخ حالة المظلومية التي تعمل الجماعة على تأكيدها وتوظيفها لصالحها منذ سقوطها من الحكم، وتسعى من خلالها على نفي أيّ خطأ من جانبها أو عيب فيها أسهم في فشل تجربتها وسقوطها من الحكم، وتريد من عملية الصناعة هذه ترسيخ فكرة أنّ المجتمع خسر "زعيمًا" كان قادرًا على حل مشكلاته وإخراجه من أزماته المختلفة وتحسين أوضاعه إلى الأفضل، وهذا لا يفيد "مرسي" بقدر ما يفيد الجماعة نفسها التي تسعى إلى العودة مرة أخرى، وهو ما يبدو من خلال طرحها، خاصة حركة "ميدان"، لرؤية نحو التغيير وإدارة الدولة وتقديم نفسها بديلًا يظهر في ثوب المنقذ للمجتمع.

هل "مرسي" زعيم حقًا؟

هناك سمات أساسية كان "محمد مرسي" مفتقدًا إليها تسببت في فشل محاولات الإخوان في أن يصنعوا منه زعيمًا وطنيًا؛ أوّلها أنّه كان شخصًا محدود القدرات والإمكانات فيما يتعلق بالعمل السياسي وإدارة الدولة داخليًا وخارجيًا، مهما كانت مؤهلاته العلمية التي يؤكد الإخوان عليها ويعتبرونها كافية للحكم بجدارته وكفاءته السياسية، فمحمد مرسي لم يكن من البداية اختيار الإخوان الأول لخوض الانتخابات الرئاسية، كما أنّه، ووفقًا لشهادة أحد المنشقين عن الجماعة، كانت السمة التي تميزه والتي على أساسها تم ترشيحه من جانب الجماعة هي أنّه "رجل تنظيمي مثالي" يدرك مشروع جماعة الإخوان جيدًا ويعي أفكارها ويتشربها بدرجة كبيرة، وهذا ينقلنا إلى السمة الثانية المفتقدة لديه، وهي أنّه لم يكن مستقلًا في تفكيره ولا قراراته، حيث كان للجماعة تأثير كبير عليه ودور في إدارة الملفات واتخاذ القرارات المختلفة، فطبيعة الانتماء التنظيمي لجماعة الإخوان ونمط الشخصية الذي تصنعه ينتج أفرادًا منفذين يلتزمون بالسمع والطاعة لقيادات الجماعة ويعتبرون ذلك من الواجبات التنظيمية والشرعية، ومرسي بصفته رجلًا تنظيميًا مثاليًا لم يكن ليخرج عن هذا الإطار، ومن السمات المفتقدة فيه كذلك أنّه لم يكن ممثلًا للمجتمع بكل مكوناته، لكنّه كان ممثلًا لجماعة طبيعتها أنّها منغلقة على نفسها ولديها اعتقاد بأنّها تمثل الحق المطلق، وترى أنّ الولاء للجماعة هو ولاء للدين ومقدم على الولاء للوطن، وهي تمتلك مشروعًا إيديولوجيًا وسياسيًا متجاوزًا لحدوده، كذلك من السمات المفتقدة في"مرسي" أنّه لم يكن قادرًا على إدارة التنوع والاختلاف الموجود في المجتمع، ولم يستطع بناء توافقات بين التيارات المختلفة، لكنّه وجماعته والتيار الإسلامي بشكل عام، من خلال خطابهم وممارساتهم، كانوا سببًا رئيسيًا في إحداث الانقسام وزيادة حدة الاستقطاب السياسي والديني.

إنّ جماعة الإخوان بها من العيوب البنيوية التي تحول دون قدرتها على الإنجاز، وتسهم في وقوعها في الأخطاء والأزمات بشكل مستمر، وتحول دون قدرتها على صناعة رموز وطنية، فكيف تُعبّر عن وطن هي لا تعبأ به من الأساس، وترى أنّه مجرد مرحلة من مراحل أخرى عديدة، وحلقة في سلسلة أكبر تنتهي بالمجتمع الكبير الذي تسعى إليه؟      

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية