صناعة الوهم: كيف شكلت الإيديولوجيا عوالمها الرمزية في أدبيات الإخوان؟

صناعة الوهم: كيف شكلت الإيديولوجيا عوالمها الرمزية في أدبيات الإخوان؟

صناعة الوهم: كيف شكلت الإيديولوجيا عوالمها الرمزية في أدبيات الإخوان؟


19/07/2026

 تميل الحركات الأصولية، شأنها شأن النظم العقائدية المغلقة، إلى بناء عوالم رمزية تستمد مشروعيتها من استدعاء النصوص المقدسة وسير الشخصيات المؤسسة، التي تتحول تدريجياً إلى نماذج معيارية تُمنح قداسة تتجاوز البُعد التاريخي. ولا يقتصر الأمر على استحضار هذه الشخصيات بوصفها مرجعيات أخلاقية، بل تُعاد قراءة سيرتها باستمرار بما يخدم الأهداف السياسية والتنظيمية الراهنة، فتتولى النخب الإيديولوجية إعادة تعريف دلالات الماضي وتحديد الكيفية التي ينبغي للأتباع أن يفهموه بها، وفق مقتضيات الصراع وإدارة السلطة وبناء الشرعية.

هنا تتداخل الإيديولوجيا مع البنية الأسطورية، إذ لا يعود الهدف تفسير الواقع بقدر ما يصبح إنتاج منظومة رمزية قادرة على تعبئة الأتباع وإضفاء معنى متجاوز على الأحداث اليومية.

توظيف الأسطورة

يمكن القول إنّ الأسطورة تمثل سردية تفسر علاقة الإنسان بالكون أو بالنظام الاجتماعي من خلال أفعال شخصيات ذات طبيعة فوق بشرية أو شبه مقدسة، بما يضفي على الواقع معنى يتجاوز حدوده المباشرة، ويرى أنّ هذا الحضور الكثيف للأسطورة في تشكيل المعرفة لا يكاد يختلف عن الحضور الشامل للإيديولوجيا، فكلاهما ينتج منظومة مغلقة من المعاني، ويمنحها طابعاً يقاوم النقد والمراجعة.

ومن هذه الزاوية تبدو الإيديولوجيات الدينية أكثر قابلية لدمج البُعدين الأسطوري والعقدي في إطار واحد؛ فهي لا تكتفي بتوظيف المقدس، وإنّما تعيد إنتاجه في صورة سرديات تمنح الجماعة إحساساً بالاصطفاء التاريخي والرسالة الخالدة، وتضفي على قرارات القيادة وأهداف التنظيم بُعداً يتجاوز السياسة إلى العقيدة. وبذلك تتحول المظلومية، والابتلاء، والتمكين، وسائر المفاهيم المؤسسة لخطاب الإسلام السياسي، إلى عناصر ضمن بناء رمزي متكامل، لا يفسر الواقع فحسب، وإنّما يعيد تشكيل إدراك الأتباع له، ويحدد موقعهم داخله، ويرسم حدود علاقتهم بالمجتمع والدولة والآخر.

وتنطوي الإيديولوجيا في الإسلام السياسي على عدة اعتبارات تحاول إقحام كل شيء في الدين لرسم إطار مرجعي نهائي يسيّر كل التوجهات وفق نظرة ماضوية تسعى إلى رسم حياة البشر وفق معطيات محددة من بداية الخلق حتى قيام الساعة، وترفض تماما قبول أيّ رأي مخالف، وهو الأمر الذي تجلى في الصراعات الدموية بين الفرقاء (الأمويين والعباسيين والشيعة والخوارج)، وبرز في قضايا فلسفية وصراعات فكرية دارت رحاها عبر عقود طويلة - كقضايا الحرية والجبرية وخلق القرآن- وهو ما قد يمثل في كثير من الأحيان نظرة شمولية تفرض الكثير من القيود، قد تحجب الانطلاق الفكري وتحدده بسنن الأولين التي يكتنفها الكثير من الغموض والالتباس والتناقض في أحيان كثيرة.

استكمالاً لمنطق المظلومية وتاريخ المحنة، تصف زينب الغزالي في كتابها الرئيس المصري جمال عبد الناصر بأنّه "فرعون"، وهو توصيف له دلالته القرآنية والدينية ويجعل عبد الناصر مثل فرعون الذي ورد ذكره في سورة القصص بالقرآن، وكان طاغية مستبداً، وهي السورة التي تحكي في النهاية أنّ "وعد الله" يتحقق للمؤمنين ضد الطغاة والمتسبدين. لذا، تصف عبد الناصر بأنّه "مصدر كافة الشرور التي تنبعث منه في سلسلة لا تنقطع".

آليات إنتاج المظلومية

تبدد زينب القيادية النسوية بجماعة الإخوان من خلال سرديتها وسائط التحقيق وتلغي مشروعيته، بينما تحاول من خلال آليات إنتاج المظلومية ومقاومة ما تصفه بالظلم والقهر أو القمع والتهميش لـ "الدعوة"، تحوير الصفة السياسية للصراع وربما جوانبها الأمنية، إلى جانب يقع داخل ثنائية "كفر" و"إيمان"، أو الطاعة للإرادة الإلهية في مقابل الإذعان لـ "الطاغوت". وحين يوجه لها المحقق سؤالاً بشأن التآمر على نظام الحكم أو اغتيال عبد الناصر تجيب: "يا أستاذ! القضية أكبر من قتل عبد الناصر والاستيلاء على الحكم. قتل عبد الناصر أمر تافه لا يشغل المسلمين. القضية قضية الإسلام. الإسلام غير قائم (...) ونعمل على تربية نشء للإسلام". فيجيبها المحقق وفق ما تذكر في كتابها: "أنت مجنونة! هذا الكلام خطير؛ ألا تعلمين أنك لو قتلت هنا الآن ودفنت ما علم بك أحد (...)؟" فتقول: "يفعل الله ما يشاء ويختار". ويأمر بأن تجلد "500 جلدة". وهنا تحاول أن تؤكد على الاحتماء بالإيمان بقدراتها على الممانعة المتخيلة في مواجهة التحقيق والاستجواب والاعتراف. 

في الفصل الافتتاحي لـ "معالم في الطريق" يؤكد سيد قطب أنّ "البشرية" إنّما "تقف اليوم على حافة الهاوية، لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها، "فهذا عرض للمرض وليس هو المرض، لكن بسبب إفلاسها في عالم "القيم" التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نمواً سليماً وتترقی ترقياً صحيحاً". وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من "القيم"، وفق سيد قطب، بل الذي لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود، بعد ما انتهت "الديمقراطية" فيه إلى ما يشبه الإفلاس، حيث بدأت تستعير ببطء وتقتبس من أنظمة المعسكر الشرقي "أي الاتحاد السوفييتي سابقاً"، وخاصة في الأنظمة الاقتصادية! تحت اسم الاشتراكية، كذلك الحال في المعسكر الشرقي نفسه، فالنظريات الجماعية، وفي مقدمتها الماركسية التي اجتذبت في أول عهدها عدداً كبيراً في الشرق وفي الغرب نفسه، باعتبارها مذهباً يحمل طابع العقيدة ، قد تراجعت هي الأخرى تراجعاً واضحاً من ناحية "الفكرة" حتى تكاد تنحصر الآن في "الدولة" وأنظمتها، التي تبعد بُعداً كبيراً عن أصول المذهب".

ونقطة الانطلاق في هذا الكتاب هي الحكم بإفلاس كل القوى القائمة، سواء الغرب الرأسمالي أو الشرق الاشتراكي. بالتالي فالمسلم ليس أمامه سوى دعوة الإخوان المسلمين واستعادة الإسلام للتاريخ. فوصف سيد قطب المجتمع بأنّه قائم في "الجاهلية" التي كانت أداة تكفير للحاكم والمحكوم بدون تمييز. وكان يقصد بتعبير الجاهلية أنّ المجتمع يعيش في اللحظة نفسها التي كانت عليها شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام. فمن الواجب أن تكون نظرة المسلم إلى هذا المجتمع مماثلة لنظرة الرسول والصحابة إلى مجتمعهم. وطليعة اليوم، أي الفئة المؤمنة أو "العصبة المؤمنة" كما سمّاها، يجب عليها أن تسترشد بهذه القدوة، أي النبي، في تحديد أسلوب عملها. وقد استخدم الرسول تكتيك المراوحة بين الانسحاب من المجتمع الذي يعيش فيه والاتصال به، وهو الذي اختار، على سبيل المثال، أن يهاجر من مكة إلى المدينة عندما وجد نفسه في موقف ضعيف، ليعود في النهاية فاتحاً لمكة التي هجرها قبل ذلك وقد أضحى قوياً يملك جيشاً. فيما ظلت "الجاهلية" نقطة الارتكاز التي اعتمد عليها سيد قطب لتحقيق أهدافه النظرية والعملية، فأكد على ضرورة تنشئة "الجيل القرآني" الذي يكون عنده حالة من "العزلة الشعورية" تجاه المجتمع أي لا ينتمي إلى المجتمع أو الوطن بل ينتمي إلى الدين والجماعة، وعدم التماس أيّ هوية أخرى. 

بين التمايز والتكفير

وفي الكتاب ذاته الذي تحول لمانيفستو إسلاموي يتم تعميمه على الكافة بتبايناتهم ودرجاتهم في مرجعيات التشدد والتكفير، طرح سيد قطب مفاهميه عن المجتمع الجاهلي الذي يقوم بتعطيل "الحكم بما أنزل الله"، وذلك من خلال "حكم الطاغوت"، هذا الحكم الذي يتشكل من خلال المؤسسات المدنية وأجهزة الدولة التي تقوم بتطبيق القوانين والتشريعات الوضعية المخالفة لقواعد الله وقوانينه.

وقال: "إنّ المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم! وإذا أردنا التحديد الموضوعي، قلنا: إنّه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده". إذ إنّ هذه المجتمعات "اختزلت الحاجات الإنسانية إلى مثيلتها لدى الحيوان. تليها مختلف المجتمعات الوثنية وفيها تمارس الحاكمية العليا باسم (الشعب)، أو باسم (الحزب) أو باسم كائن من كان. وتأتي بعدها المجتمعات المسيحية واليهودية. ويدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنّها مسلمة!. وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار لأنّها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنّها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضاً، ولكنّها تدخل في هذا الإطار لأنّها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها. فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله - تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين حاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها وتقاليدها, وكل مقومات حياتها تقريباً". 

وبمجرد ترسيخ قطب مفهومي المجتمع الإسلامي والجاهلي، انتقل إلى تحديد العملية التي يمكن من خلالها تدمير الجاهلية وبناء الدولة الإسلامية على أنقاضها. وقد كتب صاحب "في ظلال القرآن" أنّه يتطلب بعث الإسلام "وفق مفهومه الخاص السياسي والإيديولوجي تنظيمياً وحركياً" عبر "ثورة حقيقية" بقيادة "طليعة الأمة" التي يجب أن يكون قدوتها ذلك "الجيل القرآني الفريد"، أي صحابة الرسول. ونظراً لأنّ هؤلاء الصحابة قد أخذوا زادهم الفكري من القرآن وحده، فقد كانوا قادرين بالتالي على بناء المجتمع الإسلامي المثالي في "عصره الذهبي، عصر الخلفاء الراشدين". لكن "في اللحظة التي حول المسلمون فيها اهتمامهم إلى ثقافات الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية الساسانية"، أصيب فکرهم بالفساد"، كما يقول سيد قطب.

ومن خلال هذه المقولات تكرّس شعور المظلومية لدى الإخوان والتيار الإسلامي العام الذي انبثق كثير منه من قلب هذه الجماعة التي تأسست في نهاية عشرينات القرن الماضي، وقد اعتبر نفسه في حالة مستمرة من "الجهاد" لتبليغ الدعوة والسعي لبناء القوة ومواجهة الحكومات الكافرة ومقاومة طغيانها فضلاً عن رفض المجتمع "الجاهلي" وتكفير أفراده طالما هم خارج تنظيم الإخوان الذي يمثل "الجماعة الربانية" و"العصبة المؤمنة". وهنا أصبح هذا التيار في عداء مع الدولة والمجتمع. فيؤكد سيد قطب: "القرآن لم يعد الآن كافياً وحده كدليل: لقد حان وقت السيف. إنّه نظام الجاهلية الذي يجب محاربته بنفس أسلوب محاربة الكفار".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية