قراءة في التصعيد الحوثي تجاه المملكة العربية السعودية

قراءة في التصعيد الحوثي تجاه المملكة العربية السعودية

قراءة في التصعيد الحوثي تجاه المملكة العربية السعودية


16/07/2026

يعكس التصعيد الحوثي تجاه المملكة العربية السعودية تحولاً في طبيعة العلاقة بين الطرفين وفي البيئة الإقليمية المحيطة بالأزمة اليمنية، فبعد فترة من التهدئة النسبية التي أعقبت استئناف العلاقات السعودية الإيرانية،عادت جماعة الحوثي إلى تصعيد خطابها السياسي والإعلامي،واصدرت تهديدات باستهداف منشآت حيوية داخل المملكة،في محاولة إعادة توظيف أدوات القوة العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات،وقد جاء هذا التصعيد بمرجعية الرد الحوثي على تعثر المباحثات المتعلقة بالملفات الاقتصادية والإنسانية، بما فيها صرف رواتب الموظفين، وتشغيل المطارات والموانئ،  ويبدو ان الحوثيين توصلوا لقناعات بأن مسار التفاوض وصل إلى طريق مسدود، الأمر الذي دفعهم إلى استخدام سياسة الضغط التصاعدي لإجبار الرياض على تقديم تنازلات أكبر، انطلاقاً من قناعة مفادها أن السعودية باتت أكثر حرصاً على تثبيت حالة الهدوء وإنهاء الحرب في اليمن، بما ينسجم مع أولوياتها الاقتصادية ومشروعاتها التنموية الكبرى.

التصعيد الجديد مرتبط ظاهريا بوصول طائرة إيرانية مباشرة إلى مطار صنعاء، وقد مثّلت الخطوة رسالة حوثية باحتفاظ الجماعة بقدرة على إدارة المنافذ الجوية وكسر الحصار المفروض عليهم، بينما نظرت إليها الرياض باعتبارها تطوراً يهدد التفاهمات القائمة، ويفتح المجال أمام تعزيز النفوذ الإيراني داخل اليمن عبر قنوات أكثر مباشرة، وتحولت قضية المطار إلى عنوان لصراع الإرادات بين الرياض وطهران أكثر من كونها قضية فنية تتعلق بحركة الطيران المدني.

وبالتزامن مع ذلك، فإن قضية إفشال هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء شكلت غطاء للحوثيين في معالجة أزمات داخلية متفاقمة، فالجماعة تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة وتراجعاً في قدرتها على توفير الخدمات العامة ودفع الرواتب، الأمر الذي يفرض عليها البحث عن أدوات لإعادة تعبئة قواعدها الاجتماعية، وهو ما يفسر إعلان النفير العام، وتكثيف الخطاب المرتبط بـ"طرد الاحتلال" و"الدفاع عن السيادة"،  واطلاق صواريخ استهدفت مطار أبها السعودي القريب من الحدود مع اليمن، بهدف إعادة إنتاج حالة التعبئة الشعبية وتحويل الأنظار عن التحديات الاقتصادية والمعيشية، مع تقديم الصراع باعتباره معركة وطنية تتجاوز الاعتبارات اليومية للمواطن اليمني.

وفي السياق نفسه، فالمؤكد ان هذا التصعيد ليس معزولا عن الدور الإيراني، إذ تنظر طهران إلى اليمن باعتباره إحدى أهم ساحات النفوذ الإقليمي التي تمنحها قدرة على ممارسة الضغط الاستراتيجي على السعودية، وعلى التأثير في أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية، وان فتح خطوط اتصال ونقل مباشرة مع صنعاء لا يحمل بعداً إنسانياً فحسب، بل يمثل رسالة سياسية تؤكد استمرار الحضور الإيراني رغم التفاهمات الدبلوماسية مع الرياض، لا سيما، وان اداءات الحوثي للاندماج بالحرب الى جانب ايران لم تكن بالمستوى المتوقع ل، لا على صعيد اطلاق الصواريخ والمسيرات على اسرائيل ولا بإغلاق مضيق باب المندب على غرار هرمز، كما ان الحرس الثوري "توقف" عن استهداف السعودية مباشرة، مقارنة بدول الخليج الاخرى، وهو ما يمكن معه ترجيح ان ما يقوم به الحوثي هو عودة لحروب الوكالة التي تمارسها ايران في الاقليم.

ومع ذلك، يبدو ان دعم الحوثيين من قبل ايران، يعد احدى محطات التباين في مواقف القيادة الايرانية، ، ففي الوقت الذي يحاول فيه تيار بالقيادة الإيرانية الحفاظ على مستوى من التوازن بين استمرار دعمها لحلفائها الإقليميين وبين تجنب انهيار مسار التهدئة مع المملكة، تبنت وسائل إعلام وشخصيات محسوبة على التيار المحافظ خطاباً أكثر احتفاءً بما وصفته بأنه نجاح لمحور المقاومة في كسر القيود المفروضة على صنعاء، ويشار هنا الى ان العلاقة بين الحوثيين وإيران لم تعد تقتصر على الدعم السياسي أو الإعلامي، وإنما تطورت خلال السنوات الماضية إلى شراكة أمنية وعسكرية تشمل نقل الخبرات التقنية، وتطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتبادل الخبرات في مجالات القيادة والسيطرة، وهو ما أرسل رسالة بدمج الحوثيين في محور المقاومة، وتحولت ردوده وتحركاته العسكرية مرتبطة بمحور ايران، اكثر من ارتباطه بملفات داخلية.

ولا شك ان تصعيد التهديد الحوثي، يفرض على السعودية تحديات أمنية واستراتيجية متعددة،فإلى جانب احتمال استئناف الهجمات على منشآت النفط والطاقة والبنية التحتية، تواجه الرياض معضلة الحفاظ على سياسة الانفتاح الإقليمي التي تبنتها خلال السنوات الأخيرة، دون السماح في الوقت ذاته بترسيخ وقائع جديدة تمنح الحوثيين شرعية سياسية أو عسكرية إضافية،كما أن أي تصعيد واسع قد ينعكس سلباً على البيئة الاستثمارية التي تعمل المملكة على تعزيزها في إطار رؤيتها الاقتصادية، وهو ما يمنح الحوثيين هامشاً إضافياً للمناورة عبر توظيف عامل التهديد الأمني، وفي الداخل اليمني، فإن التصعيد يفاقم حالة الانسداد السياسي، ويؤخر فرص التوصل إلى تسوية شاملة، ويزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية، وتراجع فرص معالجة الملفات الاقتصادية والخدمية، حيث أصبحت القضايا الإنسانية جزءاً من أدوات الضغط المتبادلة بين الأطراف، بدلاً من أن تكون مدخلاً لبناء الثقة.

وفي الخلاصة، رغم تعدد سيناريوهات هذا التصعيد، الا ان المرجح ان الحوثي يراهن على إعادة صياغة موازين التفاوض مع السعودية، أكثر مما يعكس رغبة حقيقية في العودة إلى الحرب الشاملة، فالجماعة تستخدم التهديد العسكري ، رغم الشكوك حول تراجع قوة الحوثيين،لتعزيز موقعها السياسي، بينما تسعى إيران للحفاظ على ورقة ضغط فعالة في اليمن دون التضحية بمكاسبها الدبلوماسية مع السعودية، وبالمقابل، تحاول الرياض تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين حماية أمنها القومي، ومنع تعاظم النفوذ الإيراني، والحفاظ على مسار التهدئة الذي يخدم أولوياتها الاستراتيجية، لذا فإن مستقبل التصعيد سيظل رهناً بمدى قدرة الأطراف على إدارة هذا التوازن الدقيق بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي، في ظل بيئة إقليمية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، مع الاخذ بعين الاعتبار احتمالات ان يقدم الحوثيون على خطيئة كبرى، بتوجيه من التيار الاصولي المتشدد بالحرس الثوري الايراني، الذي يخوض حروبه بتكتيكات انتحارية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية