تجار الأزمات.. كيف حولت جماعة الإخوان فوضى المنطقة إلى وقود لمشروعها التنظيمي؟

تجار الأزمات.. كيف حولت جماعة الإخوان فوضى المنطقة إلى وقود لمشروعها التنظيمي؟

تجار الأزمات.. كيف حولت جماعة الإخوان فوضى المنطقة إلى وقود لمشروعها التنظيمي؟


16/07/2026

لم تكن الأزمات، التي عصفت بالمنطقة العربية خلال العقد الأخير، مجرد تحولات سياسية عابرة، بل مثلت اختبارًا كبيرًا لقدرة التنظيمات العابرة للحدود على إعادة ترتيب حضورها والاستفادة من لحظات الاضطراب. 

وبينما تعاملت دول ومجتمعات مع هذه الأزمات باعتبارها تهديدات تهدد الأمن والاستقرار، حاولت جماعة الإخوان المسلمين في أكثر من ساحة تحويل هذه التحولات إلى فرص لإعادة بناء النفوذ، مستفيدة من حالة الفراغ السياسي وضعف مؤسسات الدولة في بعض المناطق.

ومنذ تأسيسها عام 1928، اعتمدت جماعة الإخوان على بناء تنظيم يمتلك أدوات متعددة تجمع بين النشاط الدعوي والعمل الاجتماعي والحضور السياسي، وهو ما منحها قدرة على التكيف مع البيئات المختلفة.

 ويشير الباحث ريتشارد ميتشل في كتابه "الإخوان المسلمون" إلى أن التنظيم لم يكن مجرد حركة سياسية تقليدية، بل بنية تنظيمية ذات طبيعة خاصة، تعتمد على شبكات داخلية واسعة وقدرة على إعادة التموضع وفق الظروف السياسية المحيطة.

وقد وفرت الصراعات التي شهدتها عدة دول عربية بيئات ساعدت على تحرك التنظيمات التي تمتلك خبرة في العمل تحت ظروف عدم الاستقرار. غير أن قراءة مسار الإخوان خلال السنوات الماضية تكشف أن الأمر لم يرتبط فقط بالأزمات القائمة، بل أيضًا بطريقة تعامل الجماعة مع هذه الأزمات، ومحاولتها توظيفها سياسيًا وإعلاميًا وتنظيميًا للحفاظ على حضورها رغم تراجع نفوذها في عدد من الدول.

 

الإخوان والأزمات السياسية.. من قراءة الفرص إلى استثمار الفوضى

 

شكلت التحولات التي بدأت مع موجة الاحتجاجات العربية عام 2011 نقطة فاصلة في مسار جماعة الإخوان المسلمين، إذ وجدت الجماعة نفسها أمام بيئة سياسية جديدة فتحت أمامها المجال للوصول إلى مواقع السلطة أو توسيع نفوذها في عدد من الدول. وقد تعاملت مع هذه المرحلة باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تقديم نفسها باعتبارها قوة سياسية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية.

لكن تجربة السنوات اللاحقة أظهرت أن وصول الجماعة إلى السلطة أو اقترابها منها لم يكن كافيًا لضمان قبول اجتماعي وسياسي دائم. ففي مصر، انتهت تجربة حكم الجماعة بعد عام واحد، بينما واجهت فروع أخرى أزمات داخلية وخارجية في دول مختلفة. ومع تراجع النفوذ السياسي المباشر، بدأت الجماعة تعتمد بصورة أكبر على أدوات أخرى للحفاظ على حضورها، من بينها الخطاب الإعلامي، والشبكات الخارجية، واستثمار الأزمات السياسية.

ولا تتحرك الحركات الإسلامية في فراغ، بل تتأثر بطبيعة الدولة والبيئة السياسية المحيطة بها. فيما ترتبط قدرة هذه الحركات على الاستمرار بقدرتها على بناء شبكات اجتماعية وتنظيمية تتجاوز اللحظة السياسية المباشرة، وهو ما يفسر استمرار بعض التنظيمات حتى بعد خسارة مواقع سياسية مهمة.

وفي حالات متعددة، اعتمد خطاب الجماعة على تقديم نفسها باعتبارها طرفًا مستهدفًا، وهو خطاب ساعدها على الحفاظ على تماسك بعض قواعدها التنظيمية، خصوصًا في الخارج. 

ومع تراجع قدرتها على التأثير من داخل المؤسسات الرسمية، انتقلت مساحة مهمة من نشاطها إلى المنصات الإعلامية والشبكات الدولية، حيث أصبح الصراع على الرواية السياسية جزءًا أساسيًا من معركتها.

كما أن الأزمات الممتدة في المنطقة وفرت للجماعة فرصة لإعادة طرح نفسها في المشهد، سواء عبر الحديث عن قضايا سياسية أو حقوقية أو اجتماعية، مستفيدة من أن الفوضى عادة ما تخلق مساحات واسعة للتنافس بين القوى المختلفة على تفسير الأحداث وتوجيه الرأي العام.

 

من سوريا إلى ليبيا.. ساحات الصراع كمساحات لإعادة التموضع

 

كانت سوريا وليبيا من أبرز الساحات التي كشفت تعقيدات علاقة جماعة الإخوان بالأزمات الإقليمية، حيث أدى انهيار مؤسسات الدولة في بعض المناطق إلى ظهور قوى متعددة حاولت تثبيت حضورها السياسي والعسكري والاجتماعي. وفي هذه البيئات، حاولت الجماعة أو التيارات القريبة منها الحفاظ على موقع داخل المشهد الجديد.

في سوريا، ارتبط اسم جماعة الإخوان السورية بتاريخ طويل من الصراع مع النظام، خاصة منذ أحداث الثمانينيات، ثم عادت إلى الواجهة بعد عام 2011 مع تشكل قوى المعارضة. 

وقد حاولت الجماعة استعادة حضور سياسي من خلال المشاركة في مؤسسات المعارضة، مثل المجلس الوطني السوري، إلا أن المشهد السوري المعقد، وتعدد القوى المسلحة والسياسية، حدّ من قدرتها على فرض مشروعها.

وتشير دراسات صادرة عن مراكز بحثية متخصصة في الشأن السوري إلى أن المعارضة السورية لم تكن كتلة واحدة، بل ضمت أطرافًا ذات توجهات مختلفة، ما أدى إلى تنافس داخلي على النفوذ والتمثيل السياسي. وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة بين القوى الإسلامية والمعارضة السياسية جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل الدولة السورية.

أما في ليبيا، فقد أدى سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 إلى ظهور مساحة سياسية مفتوحة دخلت إليها قوى متعددة، من بينها تيارات مرتبطة بجماعة الإخوان. وقد شاركت هذه القوى في الحياة السياسية عبر أحزاب وواجهات مختلفة، لكنها واجهت لاحقًا أزمات مرتبطة بالانقسام السياسي والصراع على السلطة.

كما خلق ضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة بيئة معقدة سمحت للعديد من القوى بمحاولة تثبيت نفوذها، حيث لم يعد الصراع مجرد منافسة انتخابية، بل تحول إلى مواجهة حول السيطرة على المؤسسات والموارد ومسارات القرار.

 

بعد تراجع المشروع السياسي.. هل تحولت الجماعة إلى تنظيم يعيش على إدارة الأزمات؟

 

تكشف تجربة جماعة الإخوان خلال السنوات الماضية أن خسارة المواقع السياسية لا تعني بالضرورة اختفاء التنظيم، لكنها تفرض عليه تغيير أدواته وأساليب عمله. فالجماعة التي اعتادت لعقود تقديم نفسها باعتبارها مشروعًا سياسيًا يسعى إلى الوصول إلى الحكم، وجدت نفسها أمام واقع جديد يتمثل في تراجع قدرتها على المنافسة داخل عدد من الدول، ما دفعها إلى إعادة تعريف دورها.

ويرى عدد من الباحثين في الإسلام السياسي أن أحد أسباب استمرار بعض التنظيمات الأيديولوجية يعود إلى قدرتها على التكيف مع الظروف المتغيرة، فالانتقال من العمل السياسي الرسمي إلى العمل المجتمعي أو الإعلامي أو التنظيمي الخارجي يمثل نوعًا من إعادة التموضع وليس بالضرورة اختفاءً. وهذا ما يفسر استمرار الجدل حول مستقبل الإخوان رغم تراجع نفوذهم في عدد من الساحات.

لكن السنوات الأخيرة كشفت أيضًا عن أزمة عميقة داخل الجماعة، تتمثل في صعوبة الحفاظ على وحدة تنظيمية في ظل غياب مشروع سياسي واضح قادر على استقطاب قطاعات جديدة. 

إلى ذلك، أدى تراجع الحضور الانتخابي والسياسي إلى زيادة الاعتماد على خطاب يقوم بدرجة أكبر على نقد الخصوم وتفسير الأزمات باعتبارها نتيجة استهداف سياسي، بدل تقديم برامج عملية لإدارة الدولة والمجتمع.

في السياق، أصبحت الأزمات الإقليمية مادة رئيسية في الخطاب الإعلامي للجماعة وأنصارها. فكل أزمة جديدة في المنطقة تتحول إلى مساحة لإعادة طرح المواقف السياسية، سواء عبر بيانات أو حملات إعلامية أو نشاط إلكتروني. 

غير أن هذا النمط من الحضور يختلف عن مرحلة امتلاك مشروع سياسي قادر على المنافسة داخل المؤسسات، إذ يعتمد بدرجة أكبر على التأثير في المجال العام.

كما أن ارتباط اسم الجماعة في بعض النقاشات الإقليمية بملفات الصراع والاستقطاب السياسي أدى إلى زيادة الضغوط عليها، خصوصًا مع توجه بعض الدول إلى تصنيفها أو تقييد نشاطها. وقد انعكس ذلك على قدرتها على العمل العلني، ودفعها أكثر نحو أشكال تنظيمية وإعلامية أقل وضوحًا.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية