"الدم الجديد"... ذراع إخوانية تسعى نحو الهيمنة على السلطة في الصومال

"الدم الجديد"... ذراع إخوانية تسعى نحو الهيمنة على السلطة في الصومال

"الدم الجديد"... ذراع إخوانية تسعى نحو الهيمنة على السلطة في الصومال


16/07/2026

تُعدّ حركة الإصلاح هي الفرع الصومالي لجماعة الإخوان المسلمين، وقد تأسست عام 1978 على يد الشيخ محمد جارياري. وتطرح الحركة نفسها باعتبارها تيارًا إسلاميًا إصلاحيًا يعتمد على العمل الدعوي والاجتماعي والسياسي، وتؤكد أنّها ترفض استخدام العنف لإقامة دولة إسلامية، في تمييز واضح بينها وبين جماعات مثل حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة أو جماعة الاتحاد الإسلامي. إلا أنّ هذا الموقف لم يمنع ظهور جناح داخلي أكثر تشددًا، هو "الدم الجديد" الذي تبنّى العمل المسلح خلال فترة الوجود الإثيوبي للصومال، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي الصومالي، ويصبح القوة المهيمنة داخل البرلمان بعد انتخابات عام 2016.

من العمل السري إلى بناء شبكات النفوذ 

تأسست حركة الإصلاح في أواخر سبعينيات القرن العشرين، لكنّها واجهت تضييقًا شديدًا خلال حكم الرئيس محمد سياد بري، الذي بدأ منذ عام 1981 حملة واسعة ضد المعارضين السياسيين والجماعات الإسلامية، شملت الاعتقالات وتقييد الحريات العامة، الأمر الذي دفع الحركة إلى العمل السري لسنوات.

ومع انهيار نظام سياد بري عام 1991 واندلاع الحرب الأهلية، عادت الحركة إلى الساحة مستفيدة من الفراغ السياسي والمؤسسي الذي شهدته البلاد. وخلافًا للفصائل الإسلامية المسلحة التي برزت في تلك المرحلة، أعلنت حركة الإصلاح رفضها اللجوء إلى العنف، وركزت على بناء نفوذها عبر النشاط الاجتماعي والدعوي والتعليمي.

وقد سعت الحركة إلى ترسيخ حضورها داخل المجتمع من خلال تقديم المساعدات الإنسانية والخدمات الاجتماعية، وأطلقت مبادرة عُرفت باسم "قوافل السلام"، وهي فرق جابت مناطق مختلفة من الصومال بهدف تسوية النزاعات القبلية والمحلية استنادًا إلى المبادئ الإسلامية. وفي الوقت نفسه، أولت اهتمامًا كبيرًا بقطاع التعليم، فأنشأت شبكة التعليم الخاص النظامي في الصومال (FPENS)، التي وفرت التعليم لآلاف الطلاب وأسهمت في توسيع نفوذ الحركة داخل المجتمع الصومالي، خاصة في ظل ضعف مؤسسات الدولة.

ورغم هذا النهج، استمرت حالة الصراع بين الحكومة الصومالية والفصائل المسلحة والعشائر المختلفة خلال تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة، إلى أن أدى التدخل العسكري الإثيوبي عام 2006 إلى تغيير موازين القوى داخل الحركة نفسها. وفي تلك الآونة واصل الإخوان سعيهم نحو التمدد والانتشار في المجتمع الصومالي.

السعي نحو الهيمنة

شكّل التدخل الإثيوبي في الصومال عام 2006 نقطة تحول مهمة داخل حركة الإصلاح، حيث أسس عدد من أعضائها جناحًا حمل اسم "الدم الجديد"، وتبنّى هذا الجناح خيار المقاومة المسلحة، وشارك إلى جانب اتحاد المحاكم الإسلامية في مواجهة القوات الإثيوبية، معلنًا تأييده مشروع إقامة خلافة إسلامية في الصومال.

وبعد انسحاب القوات الإثيوبية عام 2008 تخلى هذا الجناح عن العمل العسكري واتجه إلى النشاط السياسي، ليصبح خلال سنوات قليلة أحد أكثر التيارات تنظيمًا وتأثيرًا داخل مؤسسات الدولة. وبرز نفوذه بشكل واضح مع انتخاب حسن شيخ محمود، مؤسس ورئيس حزب السلام والتنمية المرتبط بحركة الإصلاح، رئيسًا للصومال في العام 2012.

وخلال فترة رئاسته تولى عدد من الشخصيات المحسوبة على جناح "الدم الجديد" مناصب قيادية في مؤسسات الدولة، شملت وزارات الدولة والداخلية والعدل والشؤون الاجتماعية، الأمر الذي عزز نفوذ الجناح داخل أجهزة الحكم. وشهدت السياسة الخارجية الصومالية خلال تلك الفترة تحولًا ملحوظًا، إذ اتجهت الحكومة إلى توثيق علاقاتها مع عدد من دول الشرق الأوسط، وفي مقدمتها قطر وتركيا، مع تراجع نسبي في التركيز على الشراكات التقليدية داخل الاتحاد الأفريقي، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقات مع دول الجوار، وخاصة كينيا وإثيوبيا.

وفي انتخابات كانون الأول (ديسمبر) من العام 2016 تمكن جناح الدم الجديد من الفوز بأكبر كتلة داخل البرلمان الصومالي، ليصبح القوة السياسية الأكثر تأثيرًا فيه. إلا أنّ هذا النجاح البرلماني لم يترجم إلى استمرار السيطرة على السلطة التنفيذية، إذ خسر الرئيس حسن شيخ محمود الانتخابات الرئاسية التي جرت في شباط (فبراير) من العام 2017 أمام محمد عبد الله فرماجو، لتنتهي بذلك مرحلة مهمة من صعود الجناح داخل هرم السلطة، مع احتفاظه بحضور سياسي وتنظيمي مؤثر في المشهد الصومالي حتى اليوم. لكنّ نفوذ هذا التيار عاد من جديد بقوة مع عودة الرئيس حسن شيخ محمود إلى منصبه في عام 2022.

استغل جناح الدم الجديد، الأكثر راديكالية داخل بنية الإخوان في الصومال، أنّه لم يعد تنظيمًا يعمل في الظل كما كان في بداياته، بل تحول إلى تيار سياسي مؤثر، مع استمرار حضوره داخل دوائر صنع القرار في السلطة التنفيذية، حيث أصبح نفوذ هذا الجناح يتجاوز الإطار الحزبي ليؤثر في توجهات الحكومة، خاصة فيما يتعلق بإدارة الدولة والعلاقة بين السلطة المركزية والأقاليم الفيدرالية.

ورغم هذا النفوذ، يواجه جناح الدم الجديد تحديات متزايدة في ظل الانقسامات السياسية والصراع المستمر مع حركة الشباب، إضافة إلى الخلافات حول النظام الفيدرالي والتعديلات الدستورية والاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ورغم هذا يسعى إلى ترسيخ سلطة الحكومة المركزية في مقديشو، الأمر الذي أثار انتقادات من قوى سياسية وإدارات إقليمية تخشى تراجع صلاحياتها، ممّا يجعل نفوذه محل جدل داخل الساحة السياسية الصومالية.

وعلى الرغم من استمرار ارتباط اسم جناح الدم الجديد بحركة الإصلاح الإخوانية، فإنّ نشاطه الحالي يتركز بصورة رئيسية داخل مؤسسات الدولة والعمل الحزبي، وبات بقاؤه في مراكز السلطة مرهونًا بنجاح الحكومة في إدارة الصراع العسكري مع حركة الشباب، وكذلك الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية خلال المرحلة المقبلة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية