بين الحظر والمناورة: كيف تتعامل روسيا والصين مع جماعة الإخوان؟

بين الحظر والمناورة: كيف تتعامل روسيا والصين مع جماعة الإخوان؟

بين الحظر والمناورة: كيف تتعامل روسيا والصين مع جماعة الإخوان؟


16/07/2026

في ظل التموضع الدولي الجديد وتصاعد الاستقطاب بين معسكر الغرب وحلفائه من جهة، والقوى الأوراسية الصاعدة متمثلة في روسيا والصين من جهة أخرى، يكتسب ملف التعاطي مع حركات الإسلام السياسي أبعاداً استراتيجية بالغة الحساسية، وخلافاً للمقاربات التاريخية الغربية التي تراوحت بين التوظيف العملي والاحتواء ومحاولة إدماج ما يُسمّى "الإسلام السياسي المعتدل" في صياغة الأنظمة التابعة، تتبنّى كل من موسكو وبكين فلسفة أمنية وسياسية مغايرة تماماً.

 فروسيا والصين لا تريان في جماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها شريكاً محتملاً في أيّ عملية تحول ديمقراطي، بل تعتبرانها قوة إيديولوجية عابرة للحدود، مهددة لسيادة الدول الوطنية القائمة على احترام الحدود الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. 

تنبني هذه الرؤية المشتركة على مبدأين أساسيين: الحظر الداخلي الصارم والوجودي لأيّ فكر حركي ديني يهدد الأمن والاستقرار الوطني، مقابل البراغماتية السياسية الخارجية التي تتيح لهما المناورة والتواصل التكتيكي مع بعض الفاعلين عند الضرورة الجيوسياسية.

المقاربة الروسية: من حروب القوقاز إلى الجدار القانوني

تمتلك روسيا تاريخاً طويلاً ودموياً في مواجهة حركات الإسلام الحركي، وهو ما صاغ موقفها القانوني والأمني الصارم تجاه جماعة الإخوان المسلمين، ففي الرابع عشر من شباط (فبراير) عام 2003 أصدرت المحكمة العليا للاتحاد الروسي قراراً تاريخياً يقضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية"، وحظر كافة أنشطتها على الأراضي الروسية. وجاء هذا القرار مدفوعاً بصلات الجماعة الوثيقة بالميليشيات الانفصالية والشبكات المتطرفة في منطقة شمال القوقاز وتحديداً في الشيشان وداغستان في تسعينيات القرن الماضي، حيث سعت تلك المجموعات إلى تقويض سلامة الأراضي الروسية وتأسيس إمارة دينية متطرفة.

في الداخل الروسي، ما تزال الدولة تطبق سياسة "صفر تسامح" تجاه أيّ محاولة لإحياء الفكر الإخواني، ويتجلى ذلك في موجات الاعتقالات المستمرة التي تشنها الأجهزة الأمنية الروسية، التي طالت في السنوات الأخيرة عدداً من رجال الدين والشخصيات العامة بتهمة الارتباط بجمعيات إخوانية سرية ومحاولة تأسيس خلايا تابعة للتنظيم الدولي، وتعمل موسكو بالتوازي على تعزيز ما تسمّيه "الإسلام الروسي التقليدي" الخاضع لرقابة الدولة والمدعوم من الإدارات الدينية الرسمية، بهدف تحصين مسلمي روسيا من الإيديولوجيات الحركية الوافدة.

أمّا على الصعيد الخارجي، فتتجلى البراغماتية الروسية في أوضح صورها، فرغم الحظر الصارم داخل حدودها، تحافظ موسكو على قنوات اتصال مفتوحة واستقبال رسمي لوفود حركة حماس الفلسطينية (التي تمثل تاريخياً الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان). وتبرر الدبلوماسية الروسية هذا التناقض الظاهري بأنّ اتصالاتها الخارجية تخدم جهود الوساطة الدولية والتوازن الإقليمي، وهي مقاربة تؤكد أنّ موسكو تتعامل مع حركات الإسلام السياسي في الخارج ببراغماتية نفعية ترتبط بمصالحها الاستراتيجية وصراعها مع النفوذ الأمريكي، بينما ترفض بقوة وجود أيّ مساحة حركة لها في الداخل.

براغماتية روسيا

ترفض روسيا بشكل قاطع إضفاء الطابع الأخلاقي على علاقاتها الدولية، وتفضل النظر إلى تيارات الإسلام السياسي في الخارج من زاوية "الفرص التكتيكية"، وتجلى هذا السلوك البراغماتي في الملف الليبي؛ حيث تواصلت موسكو مع قيادات تابعة للإخوان وحكومة الوفاق السابقة في طرابلس، رغم دعمها العسكري الموازي للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، ويوضح هذا المسلك كيف توظف موسكو علاقاتها مع فروع الإخوان كأوراق ضغط وتفاوض لتعزيز حضورها العسكري والسياسي في حوض البحر الأبيض المتوسط، وضمان موطئ قدم دائم لها في ملفات الطاقة وإعادة الإعمار.

وتكرر هذا النمط البراغماتي في الساحة اليمنية؛ حيث حافظت الدبلوماسية الروسية على خيوط تواصل دقيقة مع حزب التجمع اليمني للإصلاح (الذراع اليمنية للإخوان المسلمين)، وذلك لتأمين مصالحها التاريخية في جنوب اليمن وضمان عدم انفراد القوى الإقليمية برسم خارطة النفوذ في مضيق باب المندب. 

وبالمثل، في الملف السوري، نجحت موسكو في إرساء مسار "أستانا" التفاوضي بالتنسيق الوثيق مع تركيا (التي كانت تمثل الحاضن الإقليمي الأكبر لتيارات الإخوان في سوريا)، ممّا يثبت أنّ روسيا تبرع في فصل حظرها الداخلي الصارم للجماعة عن مناوراتها الجيوسياسية الخارجية التي تتطلب التحدث مع "الخصوم الإيديولوجيين" لتأمين مصالح الدولة العليا.

المقاربة الصينية: هواجس الأمن الداخلي

في بكين، تُقرأ ظاهرة الإسلام السياسي عبر عدسة أمنية داخلية شديدة الحساسية ترتبط بملف إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية) والأقلية الويغورية المسلمة، وتنطلق الصين في تعاملها مع الجماعات الإسلامية من مبدأ مكافحة ما تسميه "الشرور الثلاثة"، وهي: الإرهاب، والتطرف، والانفصالية، وترى القيادة الصينية في إيديولوجيا الإخوان المسلمين مصدراً لتغذية هذه الشرور وتهديداً مباشراً لوحدتها الوطنية والتماسك الاجتماعي للبلاد.

وقد تضاعفت الهواجس الصينية عقب صعود جماعة الإخوان إلى السلطة في بعض دول الشرق الأوسط عقب عام 2011؛ إذ رصدت مراكز الأبحاث التابعة للحزب الشيوعي الصيني ببالغ القلق الاهتمام التنظيمي التاريخي للإخوان بمسلمي الصين. 

ويشير الباحثون الصينيون بانتظام إلى المادة الرابعة والسبعين من اللائحة العامة للجماعة التي تنص على تأسيس "لجنة الشرق الأقصى" لرعاية وتوجيه العمل الحركي في مناطق تشمل تركستان الشرقية والصين. 

هذا التداخل الإيديولوجي دفع بكين إلى إعلان حالة الاستنفار الأمني وتشديد القيود على الممارسات الدينية غير الرسمية، مع إطلاق برامج واسعة النطاق لما تسميه "إضفاء الطابع الصيني على الإسلام" (تصيين الإسلام) لضمان خلو المساجد والتعليم الديني من أيّ مؤثرات سياسية أو تنظيمية وافدة.

حماية الحزام والطريق والانحياز للاستقرار

على الساحة الدولية، تبني الصين سياستها تجاه جماعة الإخوان بناءً على مصالح مشروعها الاقتصادي والجيوسياسي الضخم "الحزام والطريق"، وتفضل بكين، بطبيعتها البراغماتية، التعامل مع حكومات مركزية قوية ومستقرة في الشرق الأوسط (مثل الإمارات ومصر والمملكة العربية السعودية)، وترى في هذه الأنظمة الضامن الوحيد لحماية استثماراتها الضخمة وممراتها التجارية البحرية والبرية.

بناءً على ذلك، تنحاز بكين بشكل كامل للمقاربة الأمنية لهذه الدول في ملاحقة وحظر جماعة الإخوان المسلمين، فالصين ترى في صعود الإسلام السياسي الحركي مرادفاً حتمياً لعدم الاستقرار، وتراجع التنمية، وتهديد البنية التحتية للمشاريع المشتركة. 

وتثبت المواقف الصينية في مجلس الأمن الدولي مساندتها المبدئية لسيادة الدول العربية في مواجهة التنظيمات الإيديولوجية؛ وفي المقابل، تتلقى بكين دعماً دبلوماسياً متبادلاً من هذه العواصم العربية بشأن سياساتها الأمنية الصارمة في إقليم شينجيانغ، ممّا يخلق تحالفاً أوراسياً-عربياً صلباً قائماً على حماية نموذج الدولة الوطنية ومواجهة التدخلات الخارجية المغلفة بشعارات حقوق الإنسان أو رعاية الأقليات.

تتلاقى الرؤيتان الروسية والصينية في نقاط جوهرية تمثل أساس جبهة شرقية مشتركة ضد الإسلام السياسي؛ حيث يرفض البلدان تماماً النموذج الغربي القائم على استخدام الإخوان كشركاء محتملين في التحول الديمقراطي، وتنظر موسكو وبكين إلى تشجيع الغرب لتيارات الإسلام السياسي في فترات ما يُسمّى "الربيع العربي" كأداة لإشعال "الثورات الملونة" الرامية إلى إسقاط الدول الوطنية وإغراق الأقاليم الحيوية في فوضى عارمة تضعف خصوم واشنطن الجيوسياسيين.

وينعكس هذا التوافق الفكري في التنسيق المستمر بين البلدين ضمن الأطر متعددة الأطراف، وتحديداً في "منظمة شنغهاي للتعاون" (SCO) التي وضعت مكافحة التطرف الديني والانفصالية في صدارة ميثاقها الأمني المشترك، وتعمل المنظمة كمنصة لتنسيق الجهود الاستخباراتية وتبادل المعلومات حول تحركات ومصادر تمويل الجماعات المرتبطة بالإخوان والتنظيمات المنبثقة عنها، وتتفق موسكو وبكين على أنّ "الإسلام السياسي غير العنيف" يمثل البوابة الفكرية الحتمية التي تعبر منها الأجيال الشابة نحو راديكالية مسلحة، وهو الفهم ذاته الذي بدأت عواصم أوروبية عديدة تتبناه مؤخراً بعد سنوات من التردد.

زوال مساحات المناورة وواقع القطبية الجديدة

تكشف قراءة المواقف الروسية والصينية تجاه جماعة الإخوان المسلمين عن غياب تام لأيّ شرعية فكرية أو سياسية تمنحها عواصم الشرق لهذا التنظيم، فالإخوان بالنسبة إلى التنين الصيني والدب الروسي يمثلون خطراً أمنياً وجودياً في الداخل لا يمكن المهادنة معه، وعاملاً مهدداً للاستقرار الاقتصادي والسياسي في الخارج يجب احتواؤه ودعم حظر تمدده.

ومع تشكل نظام دولي متعدد الأقطاب وتراجع الهيمنة الغربية المطلقة، يتقلص هامش المناورة التاريخي الذي كانت تستخدمه جماعة الإخوان للعب على التناقضات بين الشرق والغرب، فالجماعة التي باتت محاصرة قانونياً وأمنياً في الشرق الأوسط وأوروبا، تجد أمامها جداراً أمنياً شرقياً صلباً في أوراسيا يرفض سردياتها بالكامل، ويعزز من جهود الدولة الوطنية في تحييد هذا الفكر وحماية استقرار المجتمعات من أوهام التمكين الإيديولوجي الشمولي، ممّا يؤكد أنّ الرهان الإخواني على النفوذ الخارجي آيل للأفول تحت وطأة واقعية القوى الكبرى الجديدة. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية