من المحنة إلى التمكين: الحركات الإسلاموية إذ تصنع سردياتها التاريخية

من المحنة إلى التمكين: الحركات الإسلاموية إذ تصنع سردياتها التاريخية

من المحنة إلى التمكين: الحركات الإسلاموية إذ تصنع سردياتها التاريخية


15/07/2026

منذ بروز قوى الإسلام السياسي وصعود التيارات الأصولية إلى المجال العام، تشكلت داخل بنيتها الفكرية والتنظيمية ثنائية تكاد تكون ملازمة لها، في مراحلها التاريخية المختلفة، تقوم على استدعاء دائم لفكرة "المحنة" التاريخية، بهدف توليد أنماط متفاوتة من العنف، سواء في مستواه الرمزي أو المادي. ولم يقتصر حضور هذه الثنائية على الخطاب التعبوي، بل تحولت إلى أحد المرتكزات المؤسسة للوعي الحركي والإيديولوجي داخل تلك التنظيمات الإسلاموية، بما يشمل حتى الشبكات اللامركزية والجماعات السائلة التي تتبنّى المرجعيات نفسها وإن اختلفت في بنيتها التنظيمية.

هذا الخطاب يقوم على إعادة بناء الواقع عبر سردية تمزج بين المقدس والتاريخي، وتعتمد قراءة انتقائية للأحداث، بإعادة بناء الوقائع بعيدًا عن سياقاتها وملابساتها، ومن ثم، تُعاد صياغتها بما يخدم الرؤية الإيديولوجية، وعليه يصبح الخطاب السياسي والإيديولوجي داخل الجماعة أداة لإنتاج شخصية مؤدلجة تنظر إلى نفسها باعتبارها حاملة للحقيقة المطلقة، وتتعامل مع المجتمع بوصفه فضاءً مغايرًا.  وتُرسخ هذه العملية شعورًا بالتفوق الأخلاقي والعقدي، الأمر الذي يترتب عليه انحياز تام ونهائي للتنظيم باعتباره الإطار الجامع والهوية البديلة التي تبدد الأسرة والروابط الاجتماعية والوطنية، وذلك ضمن منظومة مغلقة تحكمها قواعد خاصة ورموز معلنة وأخرى سرية.

المظلومية وآليات اشتغالها

وعلى امتداد تاريخ الحركات الإسلاموية، حضرت سردية الاضطهاد والمظلومية بوصفها أحد أهم مكونات الأدبيات المؤسسة لها. فهذه السردية لا تؤدي وظيفة دعائية فحسب، وإنّما تمثل آلية داخلية لإعادة تفسير الإخفاقات والأزمات السياسية والتنظيمية. إذ يجري إعداد العضو منذ المراحل الأولى للانخراط داخل التنظيم على توقع "المحنة" باعتبارها مرحلة حتمية في مسار الجماعة، وهو ما يمنحه إطارًا تفسيريًا جاهزًا لأيّ صدام مع الدولة أو المجتمع.

وتستند هذه الرؤية إلى ثنائيات حادة تقسم العالم إلى معسكرين متقابلين؛ جماعة مؤمنة تمتلك الحقيقة، في مقابل جماعة أخرى تمثل الجاهلية أو الطاغوت. وهي المفاهيم التي رسخها سيد قطب في كتابه: "معالم في الطريق" من خلال تصوره لـ "العصبة المؤمنة" التي يفترض أن تعيش حالة من "الاستعلاء الإيماني"، بما يجعل الصدام مع المجتمع والسلطة نتيجة طبيعية ومحتومة، بل ضرورة تاريخية. ومن هنا يُعاد إسقاط تجربة الدعوة الإسلامية الأولى على الواقع المعاصر، بحيث تُقرأ المواجهات السياسية والأمنية باعتبارها امتدادًا للصراع بين المسلمين الأوائل ومشركي مكة، بينما يُصور المجتمع الحديث باعتباره تجسيدًا لما يمكن وصفه بـ "الجاهلية المعاصرة" في مقابل أو مواجهة "الجيل القرآني" المكلف بإقامة "حكومة الإسلام" وفق العقل الإيديولوجي للإسلام السياسي.

البحث عن هوية جماعية

ولا يقتصر توظيف هذه المقارنات التاريخية على تبرير المواقف الآنية، بل يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ هوية الجماعة باعتبارها امتدادًا للجماعة المؤمنة الأولى، ومن ثم إضفاء بُعد ديني تبشيري وكفاحي له صفة جهادية على كل مواجهة تخوضها القوى الإسلاموية ضد محيطها. وبهذا تتحول الأزمات السياسية والمواجهات والصدامات الأمنية إلى وسيلة لتحقيق الشرعية بدلًا من التأكيد على الإخفاقات التاريخية أو السياسية والبنيوية، إذ يُعاد تأويلها بوصفها اختبارًا إلهيًا أو مرحلة ضرورية على طريق النصر.

ولم تكن هذه الفكرة بعيدة عن التصورات الأولى التي صاغها حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حين قدّم لأتباعه مسارًا يقوم على الانتقال من مرحلة الاستضعاف والابتلاء إلى مرحلة "التمكين". ومنذ ذلك الحين أصبحت المحنة جزءًا رئيسًا وعضويًا من المخيال التنظيمي للحركات الإسلاموية، ليس باعتبارها ظرفًا استثنائيًا، وإنّما مرحلة متوقعة ومطلوبة ضمن سردية تاريخية ترى أنّ الصدام مع المجتمع والدولة يمثل خطوة لازمة للوصول إلى السلطة وتحقيق المشروع الإيديولوجي.

يقول البنا في كتابه: "رسائل البنا" الذي يضم نحو 25 رسالة، منها رسالته: "بين الأمس واليوم": "أحب أن أصارحكم أن دعوتكم ما زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية". ثم يمرر في رسالة أخرى بعنوان: "التعاليم"، أنّ المحنة حتمية وكذا العنف سيكون حتميًا وأمرًا واقعًا شريطة استكمال وحدة الجماعة واصطفاف المؤمنين ووصولهم إلى "التمكين"، ويقول: "الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية، حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنّهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أوّلًا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح".

يبدو مبدأ العنف عند حسن البنا أمرًا حتميًا، وبالتالي سعى في صياغة خطابه إلى أن تكون المظلومية بمثابة الإطار الذي يولد هذا العنف، ويجعل القواعد التنظيمية لديها القابلية للدخول في صدامات دموية وصراعات همجية وعبور الإخفاقات باعتبارها منحة لتحقيق "الوعد الإلهي"، بعد تدمير "الجاهلية" و"الشرك". يقول المرشد المؤسس في رسائله: "وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتُعتقلون، وتُنقلون وتُشردون، وتُصادر مصالحكم وتُعطل أعمالكم وتُفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}. ولكنّ الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين...، فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟".

وذكر البنا في إحدى رسائله: "وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة، فقولوا نحن دعاة حق وسلام، نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا، فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا، وكنتم الثائرين الظالمين".

من ثم، لم يراوغ البنا في الاستعانة أو الارتكاز الوظيفي على التراث والسيرة النبوية والتماثل العضوي بين الأخيرة ودعوته السياسية، بحيث تصبح الرسالة والدعوة المحمدية المؤيدة بالوحي تتطابق مع مساره الدعوي ويحظى بالقداسة ذاتها المتوهمة. من هنا يحظى ليس فقط بالشرعية المتخيلة التي تجعله فوق مستوى النقد أو المساءلة، إنّما تضع خصومه في خانة الـ "الكفر" و"الجاهلية" و"الشرك". لهذا  كان طبيعيًا أن يطور سيد قطب هذا المستوى إلى الإلحاح على فكرة "الاستعلاء الإيماني"، يقول: "الاستعلاء هو الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء، والاستعلاء مع ضعف القوة وقلة العدد وفقر المال كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء". وتابع: "الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان، وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية