خطاب "المحنة" في أدبيات الإخوان أداة لتبرير الهزيمة والفشل

خطاب "المحنة" في أدبيات الإخوان أداة لتبرير الهزيمة والفشل

خطاب "المحنة" في أدبيات الإخوان أداة لتبرير الهزيمة والفشل


16/07/2026

ثمة نقطة لافتة رصدها المفكر المصري حسن حنفي، وهي أنّ تحليل شعارات الحركات الإسلامية المعاصرة كعلامات على إيديولوجياتها السياسية ومزاجها النفسي، ينتهي إلى أنّها شعارات سلبية أكثر منها إيجابية، تدل على قدر كبير من الغضب والرفض، والهروب إلى البديل، والبحث عن المنقذ، وهي أربعة شعارات: "الحاكمية لله"، "الإسلام هو البديل"، "الإسلام هو الحل"، "تطبيق الشريعة الإسلامية". 

فالأولى "الحاكمية لله" تعني رفض حاكمية البشر التي اضطهدت الحركة الإسلامية سواء في الفترة الليبرالية التي استشهد فيها حسن البنا أو الفترة القومية التي استشهد فيها عبد القادر عودة وسيد قطب وغيرهم من أعضاء جماعة الجهاد مثل محمد عبد السلام فرج، وخالد الإسلامبولي وغيرهم، فالله حاكم لا يظلم، وهو أدرى بمصالح العباد، حكمه تطبيق إرادته، أوامره ونواهيه التي تجلت في الشريعة، وهو موقف صريح بنص القرآن في آيات ثلاث: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وفي آية أخرى: هُمُ الْفَاسِقُونَ، وفي آية ثالثة: هُمُ الضَّالُّونَ. 

الحاكمية كمنهج رفضٍ وتعالٍ

الحاكمية لله ضد الحاكمية لأهواء البشر ومصالح الطبقات، الحاكمية لله لا تخطئ في حين أنّ حاكمية البشر تخطئ وتصيب، فالشعار يتضمن رفضًا لكل نظم الحكم البشرية على كافة أنواعها؛ ليبرالية، وقومية، واشتراكية، وماركسية، وديمقراطية، وجمهورية، وملكية، وسلطانية، ودولتية، وجماهيرية عظمى أو صغرى؛ فالشعار يعني الرفض والسلب، وإذا سئلت الجماعة ماذا تعني "الحاكمية لله" إيجابًا لَصعبت الإجابة؛ لأنّ الله لا يحكم بنفسه بل عن طريق شريعته، والشريعة يفهمها البشر ويستنبطونها من أصولها، ويطبقونها في الزمان والمكان طبقًا لمقتضيات التعزير، وفي حاجة إلى فروع تحول مبدأ الشورى إلى نظامٍ في الحكم، ومبدأ العدالة الاجتماعية إلى نظريةٍ في الاقتصاد، ومبدأ "حق الاختلاف" إلى نظريةٍ في التعددية السياسية، وعندما تصل الحركة الإسلامية إلى الحكم مثل السودان والطالبان وإيران فإنّها تتحوَّل إلى نظامٍ تسلُّطيٍّ لا يفترق عن النظم السياسية العلمانية؛ فالتسلط بنية اجتماعية وموروث ثقافي غالب تعتمد عليه النظم السياسية وحركات المعارضة على السواء بما فيها الحركة الإسلامية.

وبحسب ما يذكر في كتابه: "حصار الزمن: الحاضر (إشكالات)" في الجزء الأول، فإنّ تحليل شعارات بعض الإخوان التقليدية الأولى يجدها البعض أيضًا إنّما تعبِّر عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مثل "الله زعيمنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، والهتاف الرئيسي للجماعة "الله زعيمنا" يعني الضيق بزعامة البشر، فالكل متسلط قاهر، ظالم لا يبغي إلا سلطانه، ملكًا كان أم ضابطًا، من قريش أو من الجيش، مفوضًا من الله أو منتخبًا من الناس، فكلاهما تفويض زور، وانتخاب مزور؛ فزعامة الله أفضل من زعامة البشر، و"الرسول قدوتنا" تعني أنّ القدوة البشرية قد عزّت، وأنّ البشر جميعاً ناقصون، وأنّ الحكام ليسوا نماذج يُقتدى بهم؛ فالرسول هو القدوة في حياته وسنته، في أهله ومع أصحابه، في أقواله وأفعاله، و"القرآن دستورنا" تعني الضيق بدساتير البشر التي تُعبّر عن إرادة الحكام؛ إذ تتغير الدساتير، وفي بنودها ما يعطي الحكام سلطة مطلقة وما يقيد حريات الناس؛ لذلك تقوم الهبات الشعبية لإلغاء الدستور أو على الأقل تعديل بعض بنوده، والقرآن دستور لا يظلم ولا يحابي ولا يتحيز لأحد، هو دستور إلهي يتجاوز الزمان والمكان والعصر، و"الجهاد سبيلنا" ضد الخضوع ومصالحة الأعداء والرضا بالذل وعقد معاهدات تضر بمصالح البلاد؛ فالجهاد أفضل طريق لنيل الحقوق، و"الشهادة في سبيل الله أسمى أمانينا" تعني حب الموت الكريم على الحياة الذليلة، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وشهداء المقاومة في جنوب لبنان وفي فلسطين قادرون على الصمود أمام أعتى الجيوش وأحدث الأسلحة بالأجساد البشرية والعربات المفخخة في العدو.

خطاب المحنة وفعاليته

إذاً، لا يقتصر خطاب "المحنة" في أدبيات الحركات الإسلاموية على كونه أداة لتفسير الهزائم أو تبرير الإخفاقات، بل يؤدي وظيفة أعمق تتمثل في إحداث أثر نفسي وإيديولوجي دائم لدى القواعد والحواضن التنظيمية. فالسردية القائمة على المظلومية لا تستهدف توثيق الوقائع بقدر ما تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بحيث تصبح المعاناة دليلاً على صدقية المشروع، ويغدو الصدام مع الدولة أو المجتمع مؤشراً على الاصطفاء الإلهي لا على وجود أزمة في الرؤية أو الممارسة. من هنا، تتحول التجربة الشخصية لقيادات التنظيم إلى مادة رمزية يعاد إنتاجها بوصفها نموذجاً تربوياً، يرسخ لدى الأعضاء الإحساس بأنّهم امتداد لسلسلة تاريخية من "المؤمنين" و"المستضعفين" الذين يسبق ابتلاؤهم لحظة التمكين.

وتقدم كتابات زينب الغزالي، المؤسسة لقسم الأخوات في جماعة الإخوان المسلمين، نموذجا دالاً على هذا النمط من البناء السردي. ففي مذكراتها: "أيام من حياتي"، لا تُعرض تجربة الاعتقال خلال ستينيات القرن العشرين بوصفها شهادة تاريخية محكومة بسياقها السياسي، وإنّما تُصاغ باعتبارها إطاراً تلفيقياً لإحداث مواجهة بين مشروعين متقابلين: "الدعوة الإسلامية" من جهة، و"حكم الطاغوت" من جهة أخرى. ويلاحظ أنّ الحوار الذي ترويه مع المحققين لا يركز على الوقائع أو الاتهامات بقدر ما تسعى إلى بناء شخصية متخيلة عن ذاتها تخلط فيها ملامحها الدعوية والرسالية في نسق كفاحي و"جهادي"، لتتجاوز إطار التحقيق إلى مشهد أقرب إلى خطاب مفارق لمواجهة "الجاهلية". فعندما تتحدث عن علاقاتها خارج مصر، لا تقدمها بوصفها علاقات شخصية أو تنظيمية، وإنّما باعتبارها امتداداً لعالمية الدعوة الإسلامية و"أستاذية العالم"، مؤكدة أنّ حركتها "في الأرض هي لله"، وأنّ الروابط التي تجمعها بالآخرين تنبع من الانتماء إلى الرسالة لا إلى الجغرافيا أو الدولة الوطنية.

سردية الإخوان والتعالي بالدين

ويتضح البُعد الرمزي لهذه السردية بصورة أكبر حين تنتقل من موقع المتهمة إلى موقع الداعية التي تخاطب السلطة نفسها، فتوجّه خطاباً إلى المحققين تدعوهم فيه إلى "تجديد الإسلام" والتخلي عن "الجاهلية"، بل تمتد دعوتها إلى رئيس الجمهورية ذاته، مطالبة إيّاه بالتوبة والعودة إلى الإسلام والانعتاق من "الجاهلية". وبهذا المستوى، تُعاد صياغة واقعة سياسية وأمنية محددة داخل إطار ديني مسيّس ومؤدلج، يُستبدل فيه الصراع بين التنظيم والدولة بصراع بين الإيمان والكفر، وبين الهداية والضلال. ولا يهدف هذا التحويل إلى تسجيل وقائع تاريخية بقدر ما يسعى إلى ترسيخ صورة الجماعة باعتبارها الوريث الشرعي للدعوة الإسلامية الأولى، وإضفاء طابع رسالي على أعضائها وقياداتها.

وتكشف هذه النماذج عن إحدى السمات المركزية في البنية الإيديولوجية للحركات الدينية المؤدلجة، حيث يجري توظيف الذاكرة والتاريخ والرموز الدينية لإنتاج واقع رمزي موازٍ، يمنح التنظيم شرعية تتجاوز المجال السياسي إلى المجال العقدي. فالأحداث لا تُفهم في ضوء أسبابها الموضوعية أو تفاعلاتها الاجتماعية، وإنّما تُقرأ من خلال منظومة مغلقة من التأويلات التي تُعيد باستمرار إسقاط النموذج التأسيسي للإسلام على الواقع المعاصر، بما يجعل كل مواجهة مع الدولة أو المجتمع امتداداً لمعركة الإسلام الأولى مع خصومه.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية