لماذا أخفقت محاولات "أخونة" الإسلام في أوروبا؟

الإخوان المسلمون

لماذا أخفقت محاولات "أخونة" الإسلام في أوروبا؟

مشاهدة

12/05/2020

شبكة معقّدة وواسعة من المنظمات والجمعيات وشبكات الإعلام والتربية، تديرها جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، عملت طوال عقود، وسط شبهات مختلفة، أقلّها محاولة أخونة الإسلام، وربما أعظمها تهمة تشجيع التطرف والتشدّد، الذي قاد إلى العنف مراتٍ عديدة.

اقرأ أيضاً: هل كشف العدوان التركي وطنية الإخوان الزائفة؟
الجماعة، التي توسّعت وكثر أعضاؤها لأعوام، عانت في المقابل من نبذٍ عربيّ رسمي وشعبي، وفق مستوياتٍ مختلفة، خصوصاً بعد ما سمّي "الربيع العربي"، كما بدأت أصابع الاتهام تدور حولها؛ بسبب أنانيتها وتمحورها حول ذاتها، وتمّت محاصرتها أحياناً، في مختلف الدول الأوروبية والعربية؛ بتهمة (دعم الإرهاب)، بينما حافظت دول أخرى كتركيا، على استخدامها الجماعة كأداة، وبصورةٍ عامة، الجماعة آخذة بالتراجع، سياسياً وثقافياً وشعبياً، وتتفكّك أيديولوجياً وعملياً، فما معالم هذا التفكّك؟ وما تأثيره على مستقبل الجماعة في أوروبا؟

حطام الماضي

في المرحلة السابقة لاندلاع ثورات ما سمّي "الربيع العربي"؛ أشارت رؤى ودراسات ومراجعات عديدة إلى أنّ جماعة الإخوان المسلمين آخذة بالتفكك والانحدار، وذلك على مستويات مختلفة، تمّ وصفها بأنّها غير واعية؛ أي إنّها "تتسم بعدم التخطيط المسبق من أجل التغيير، وترتهن للتغيرات الاجتماعية الطبيعية فقط، وتعتمد التنظير على حساب الجانب العملي، مما خلق انفصالاً بين الممارسة والخطاب"، وفق ما يقوله الباحث المصري المختص في الجماعات الإسلامية، حسام تمام.

قيادات الإخوان الهاربون يرعبهم أيّ قرارٍ بالنيل من قدرتهم على العمل السياسي مما يجعلهم أداة في أيدي الدول المستضيفة

ويشير تمام، في كتابه "تحولات الإخوان المسلمين: تفكّك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم"، إلى أنّ "براغماتية التنظيم لن تحميه من التحولات الصارخة التي جعلت التنظيم الأممي (الإخواني) مجرد حلمٍ انقضى، خصوصاً بعد تأثّرهِ بـ الثقافة الجماهيرية العالمية، وإعجابه بنظريات التنمية الذاتية الأمريكية مثلاً، وانخراطه الإجباري في عصر السوق، وظهور دعاة (الإسلام اللايت)، مثل عمرو خالد وغيره".
ويجادل الباحث، بحسب رأيه، بأنّ جماعة الإخوان ليست جماعةً يمكن لها السيطرة على المجتمعات؛ بل إنّ "المجتمعات هي من تحدّد مصيرها، وفق الواقع البراغماتي والتغيرات الاجتماعية".
ومن هذا المنطلق، يأتي الحديث عن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان في أوروبا، خصوصاً أنّ ما تنبّأ به تمام تمحور وظهر بوضوح بعد ثورات "الربيع"، وتولي الإخوان الحكم مدة عامٍ في مصر، ومن ثم سقوطهم بسبب ما وصِف بالانفراد بالسلطة آنذاك، ومن ثم تراجعهم في مصر، وفي معظم الدول العربية، وانعكاس ذلك على وجودهم في الغرب؛ إذ "غادرت قياداتهم الأساسية إلى تركيا وبريطانيا ودولة قطر، وأصبحت هناك، منخرطة في جمعيات ومكاتب إعلامية واجتماعية، يرعبها أيّ قرارٍ بالنيل من قدرتها على العمل السياسي والاجتماعي في أيّة لحظة، كما أنّها في الوقت ذاته، تعاني من الدرجة الكبيرة التي يمكن لهذا الرعب أن يجعل منها أداةً لدى مؤسسات الدول التي تستقر فيها"، بحسب القيادي السابق في الجماعة، ثروت الخرباوي، خلال تصريحاتٍ له على موقع "إمارات 24"، في نيسان (أبريل) الماضي.

محاولة أخونة الإسلام في أوروبا اضطرت المسلمين لدفع تهم الإرهاب عنهم

وفي الأساس؛ امتلك التنظيم الدولي للجماعة مكاتب وجمعياتٍ ومؤسسات تربوية ودينية عديدة، في بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ودولٍ غربية مختلفة أخرى، منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، إلا أنّ فاعلية هذه المؤسسات آخذة بالتراجع، فقد انتهت مسألة استغلال المهاجرين المسلمين منذ زمنٍ طويل، مقابل تشديد دولٍ أوروبية على مراقبة التنظيم الدولي للإخوان، الذي تمثّل أخيراً بـ "المؤتمر الأوروبي الأول لمكافحة التطرف والإرهاب"، الذي استضافه البرلمان الفيدرالي البلجيكي، في آذار (مارس) الماضي؛ حيث عقد بمشاركة 22 دولة وشدّد على "ضرورة إنشاء آليات ومراكز خاصة لمراقبة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ومراقبة تأثيره على المسلمين في أوروبا، وخصوصاً نشاطات التنظيم ومصادر دعمه، وسياساته التي تؤدي إلى عزل المسلمين عن مجتمعاتهم هناك، وتقود إلى التطرف والعنف"، بحسب صحيفة "لوسوار" البلجيكية، في آذار (مارس) الماضي.

محاولة الإخوان تمثيل مسلمي أوروبا أضرّت بصورة العرب والمسلمين في الغرب، وساعدت في رؤيتهم كأيديولوجيين متشددين أحياناً

ويبدو أنّ التنظيم، الذي كان يحصل على الدعم المالي من مصادر مختلفة، شعبية من خلال جمع التبرعات، وأخرى رسمية مثل الدعم التركي، وانكشاف المدى الكبير لتبعية التنظيم، خلال الأعوام الأخيرة، لمصالح داعميه، وتراجعه بعد خسارته السلطة في مصر ونوعاً ما في تونس، إضافةً إلى ارتفاع وتيرة الأعمال الإرهابية في أوروبا أحياناً، والـ (فوبيا) من الإسلام التي يستغلها اليمين الأوروبي في تمرير العديد من القوانين، أسهم كلّ هذا في تفكّك التنظيم، الذي ظلّ قوياً لفترةٍ طويلة، لكنّه أخذ يتحطم من الداخل، كما ذكر تمام آنفاً، فيما تقوم العوامل الخارجية بتفكيكه من الخارج.
وبالطبع؛ أسهمت مسألة (أخونةِ) الدين، بالإبقاء على تعنت التنظيم وإصراره على أنّه صاحب حقّ، وأنّه ما يزال قوياً وموجوداً.
المستقبل دون أوهام
ماذا تمتلك الجماعة في أوروبا؟ يوجد في بريطانيا "منتدى الشباب المسلم في أوروبا وهو شبكة تتألف من 42 منظمة تجمع الشباب من أكثر من 26 بلداً، كما له صلات وعلاقات مع البرلمان الأوروبي، أيضاً، يوجد مكتب (الخدمات الإعلامية المحدودة)، ومنظمات وجمعيات أخرى، أما ألمانيا؛ فتضمّ مؤسسة ألمانيا الإسلامية، وجمعية سكسونيا، وفي بلجيكا تتواجد رابطة مسلمي بلجيكا، وكذلك رابطة المجتمع المسلم في هولندا، واتحاد الهيئات الإسلامية في إيطاليا، واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، وفق تقرير نشره موقع "التونسيون"، نهاية 2018.
وتضاف إلى هذا كلّه؛ مكاتب ومدارس ومكتسبات أخرى عديدة، ربما تشكلت برفقة أسماء عربية اشتهرت في أوروبا على أنّها قيادات للتنظيم الدولي، مثل: عصام الحداد، وإبراهيم منير، وإبراهيم الزيات، ومحمود حسين، وطارق رمضان، بحسب التقرير ذاته.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" في الدول الإسكندنافية
غير أنّ اللافت للنظر؛ فرضية التنظيم الدولي، من خلال مسؤوليته المدعاة، حول الشرعية المكتسبة للجماعة في قيادة هذه المؤسسات، بوصفها تمثّل مسلمي أوروبا أياً كانت أصولهم، ولعلّ الإسلام، على سعة صدره ورحابة الإيمان به، لم يعيّن جماعةً لتقود البشر باسمه، ذلك أنّ استغلال خصوصية المسلم في أوروبا كونه مسلماً، تمّ استثمارها إخوانياً بطريقة ساذجة وخطيرة في آن؛ تعتمد على أنّ الاختلاف في الدين يقود حتماً إلى اختلاف في الشكل والانخراط في المجتمع، والتعامل مع الآخرين على أنّهم أصحاب مصيرٍ مشؤوم في الدنيا والآخرة.
ورغم ما تملكه الجماعة من مؤسساتٍ معروفة، كما ذكر، ومن تمويلٍ واضحٍ أحياناً، ومستتر أحياناً أخرى، إضافةً إلى وضوح هذه الفرضية في تعامل الجماعة داخل أوروبا، وهو ما تدركه دولٌ أوروبية عديدة، مما يوحي بملكية الجماعة لقوة وأصولٍ عديدة؛ فهل هذا ما تملكه الجماعة حقاً؟

تنظيم الإخوان في أوروبا يحاول عزل المسلمين عن محيطهم

الكاتب والمفكّر اللبناني رضوان السيد، يجيب عن هذا السؤال بقوله: إنّ "مشروع الإخوان الدولي، أو الأممي، انتهى، المتحكم هو القوى الدولية الكبرى، مثل أمريكا، وحتى تركيا لا تستطيع الدفاع عن الإسلام السياسي إن تطلّب الأمر، فمدى مشاركة الإخوان في المستوى السياسي الواضح يعود إلى هذه الدول والقوى، وليس إليها، إنّ لمشروع الإسلام السياسي انفتاح ظاهري على الفئات الاجتماعية، المسلمة وغير المسلمة، لكنّه منكمش في داخله؛ لأنّه يريد فقط تطبيق الشريعة"، وفق حوارٍ مع السيد، نشر في موقع "ضفة ثالثة"، عام 2015.

اقرأ أيضاً: قراءة في مراجعات "الإخوان"
وفيما يقصد السيد؛ أنّ مشروع الإسلام السياسي متناقض داخلياً؛ لأنّه يتأثر بالتغيرات الاجتماعية العالمية، وتعصف به رياح مصالح الدول وسياساتها هنا وهناك، إلا أنّ انكماشه يمنعه من مواجهة الواقع، رغم (واقعيته اللاواعية في التغير الإجباري أحياناً)، وهو ما يقود الإسلام السياسي كمشروع إلى التفكك والانحدار، مع محافظته على أصوله وممتلكاته وجمعياته، وجزء من جمهوره، إلا أنّ هذا لا يعني أنّه في تراجع مستمر، وفق رأي السيد، الذي يُسقط فرضية؛ أنّ امتلاك التنظيم الدولي للقوة والمال والجمهور يعني أنّ مستقبله بخير.
في الواقع؛ ما هي الإنجازات العملية للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان في أوروبا تجاه المسلمين؟
ولعلّ الإجابة يمكن تلخيصها في نتائج عملية، تظهر مدى الضرر الذي حلّ بالكثير من مسلمي أوروبا، بسبب سياسات التنظيم خصوصاً في العقدين الأخيرين؛ حيث إنّه أولاً: "أسهم ربط صورة المسلمين بصورة داعمي التنظيم، مثل رجب طيب أردوغان، بإنشاء صورةٍ سلبيةٍ عن المسلمين، بوصفهم سياسيين يدعمون دكتاتوراً، كما يراه الأوروبيون، وحالة النفور من الإسلام السياسي ككلّ؛ حيث يتضمن هذا المصطلح في ثناياه لدى المواطن الأوروبي العادي كلّ أشكال الأيديولوجية المناهضة للحضارة الغربية (حتى على مستوى الشكل)، ابتداء من أشدها تطرفاً (داعش)، وليس انتهاء بالإخوان المسلمين"، بحسب تقريرٍ لـ "إضاءات"، في نهاية العام الماضي.
ناهيك عن صعود اليمين الأوروبي المتطرف في دولٍ أوروبية عديدة مؤخراً، وقد شجعه ما تمّ وصفه بـ "التطرف الإسلامي"، على توجيه تطرفه تجاه المسلمين عموماً، رغم ما في ذلك من ظلم، ساعد التنظيم الدولي على إلحاقه بمسلمي أوروبا بسبب ولاءاته السياسية والتنظيمية تحت غطاء نشر الدين.

اقرأ أيضاً: من هو حسن البنا "الساعاتي" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟
من ناحيةٍ أخرى؛ فإنّ بقاء الجماعة، حتى اللحظة، بمؤسساتها ونشاطها في أوروبا، ليس مرهوناً بشعبيتها أو إنجازاتها الإيجابية، بل وعلى العكس، إذ يقول الخبير والباحث في الإسلام السياسي، الدكتور حسام الحداد: إنّ "بعض الحكومات الغربية توظّف جماعة الإخوان المسلمين ومؤتمراتها في خدمة مصالحها في خلق مزيد من الانقسامات في المجتمعات العربية، وربما شقّ الطريق أمامها لترسيخ الحضور في العالم الإسلامي، وترى في الجماعة أداة للضغط على الأنظمة والشعوب العربية في آن واحد، وقد رأينا ذلك جلياً في السياسة الأمريكية المتبعة، خلال عهد الرئيس باراك أوباما".
وتنكشف أوهام كثيرة، سواء تلك التي تعيشها جماعة الإخوان في داخلها، أو تلك التي تتمثل بتنظيمها الدولي، الذي تعرض للتهشيم سياسياً، وأخلاقياً أحياناً، حتى على مستوى شخصي، كقصة أحد قيادييها المزعومين (طارق رمضان)، أو على يد مصالح الدول الأخرى، أو بسبب تغيراتها التابعة لتغيرات الشعوب والعالم والسوق والتكنولوجيا وغيرها كثير، أما إنجازات التنظيم الدولي فتكاد تكون وبالاً على مسلمي أوروبا، كما ظهر، فأيّ مستقبلٍ للجماعة سوى التفكّك، وأما المنادون بحرياتهم الدينية والعرقية في أوروبا، فالرأي متروك لهم؛ فهل من الضروري أن يبقى هذا التنظيم ممثلاً للمسلمين في أوروبا، بعد كلّ ما أضافه من حملٍ سلبي على كاهل العرب والمسلمين هناك؟


الصفحة الرئيسية