الحكم الإسلامي والحاكمية بمنظور تاريخي وعلم الاجتماع

الحكم الإسلامي والحاكمية بمنظور تاريخي وعلم الاجتماع

الحكم الإسلامي والحاكمية بمنظور تاريخي وعلم الاجتماع


11/07/2026

ليست مصادفة أنّ العمود الفقري لحركة الخوارج هو قبائل ربيعة وخاصة حنيفة وتميم، وأنّ قادتها هم الجيل الثاني والثالث من أبناء "المرتدين" الذين تعرضوا لحرب قاسية سميت "حروب الردة" وأخرجوا قسراً من الجزيرة العربية إلى العراق، وليست مصادفة أيضاً أنّ حركة الخوارج توقفت بسقوط الدولة الأموية. وهي (حروب الردة) لم تكن حربا دينية ولم يكن خلاف بين المتحاربين على الايمان والدين لكنها لمن الحكم بعد وفاة الرسول؟ ومن يملك ميراث الرسول الذي كان نبيا ولم يكن ملكا.

يعبر عن ذلك مقولة الشاعر جرول بن اوس العبسي

أطعنا رسولَ الله إذ كان بيننا

فيا عبادِ الله ما لأبي بكرِ

أيورثها بكرًا إذا مات بعده

فتلك، وبيتِ الله، قاصمةُ الظهرِ.

وإذا نظرنا إلى خريطة الصراع الداخلي التي بدأت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، سوف نجدها في واقع الحال صراعاً بين المركز والأطراف، أو بين الشام والعراق، الشام التي صارت مركز الحكم في واقع الحال بقيادة معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يحكم الشام منذ عام (640م) قبل توليه الخلافة بعشرين عاماً (660م)، ومعه الأمويون، ويقابله علي بن أبي طالب، (الهاشميون) ومعه العراق وقبائل ربيعة من حنيفة وتميم.

دامت الحرب بينهم وبين الأمويين حتى سقطت دولتهم عام 750م، وامتدت الحرب أيضاً إلى الأندلس التي حكمها الأمويون حوالي 300 عام. على سبيل المثال قتل في الاندلس حفيد الخاارجي عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن ابي طالب.

كان معظم قادة الخوارج من قبيلتي حنيفة وتميم، مثل نجدة بن عامر الحنفي (653م-691م) الذي تنسب إليه الفرقة الخوارجية النجادية، ونافع بن الأزرق الحنفي (قتل عام 685م) الذي تنسب إليه فرقة الأزارقة، ومرداس بن حدير التميمي (681م) وأخوه عروة بن حدير المعروف بأبو بلال (678م) وكان قائداً ملهماً للناس، وعبدالله بن إباض التميمي (708م) الذي تنسب إليه الإباضية، وعطية بن الأسود الحنفي اليمامي، الذي تنسب إليه فرقة العطوية، وقطري بن الفجاءة واسمه الحقيقي جعونة بن مازن الكناني التميمي (697م) وعبدالله بن بشير الماحوز التميمي (685م) وجميع هؤلاء قتلوا في معارك مع الأمويين.

بعد التهميش الذي وقع على المضريين بسبب حروب الردّة، فقد وقع عليهم أيضاً تمييز آخر في تقسيم عوائد الفتح العربي وغنائمه في العراق (أرض السواد)، كما حدث تمييز في المناصب القيادية في الولايات والقضاء والجيش والدواوين، لكنهم استطاعوا أن ينشئوا قوة اجتماعية اقتصادية مستقلة عن الحكم، مستفيدين من سعة أراضي العراق وخصبها والفراغ الكبير في ملكية أجزاء واسعة من هذه الأراضي كانت من قبل لآل كسرى ونبلاء الفرس ورجال الدين.

وقد مكّنتهم الوفرة الاقتصادية في تحقيق قوة سياسية اجتماعية معارضة للمركز في المدينة ثم دمشق، وتحديداً للأمويين، وبرغم انحيازهم لعلي بن أبي طالب في صراعه مع معاوية، ولعبد الله بن الزبير في صراعه مع يزيد، ثم مروان وابنه عبد الملك، فقد كانوا قوة اجتماعية مستقلة تتحرك في تأييدها ومعارضتها وحيادها على أساس جماعي تحدده الجماعة القبلية – الدينية.

ابتدأت التشكلات الاجتماعية والفكرية للخوارج حول حركة سميت "القراء" بقيادة عبدالله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، ففي الحركة العلمية التي كان يقودها هذان الصحابيان في الكوفة والبصرة، تشكلت جماعات ونقاشات واسعة في الحكم والسياسة والاجتماع مشحونة بالشعور بالإقصاء والتهميش، وأنّ مسألة السابقة في الإسلام و"الأيام" تحولت أحياناً إلى أرستقراطية قرشية تهيمن على المكاسب الاقتصادية والسياسية، وتحظى بشرف ديني واجتماعي، ومن الشباب القراء الذين جمعوا بين العلم والمعارضة السياسية ومنعوا سعيد بن العاص، والي الكوفة من دخولها، وحملوا عثمان بن عفان  على تولية أبي موسى الأشعري، مجموعة عرفت في التاريخ فيما بعد بمعارضتها المسلحة لعثمان بن عفان ثم معاوية بن أبي سفيان، مالك بن الحارث الأشتر النخعي والذي كان أهم قائد سياسي وعسكري الى جانب علي بن ابي طالب حتى انه قيل يوم مقتله اليوم قطعت اليد اليمنى لعلي بن ابي طالب. وزيد بن حصين الطائي، وشريح بن أوفى العبسي، وعبد الله بن شجرة السلمي، وحرقوص بن زهير السعدي، ويزيد بن قيس الأرحبي، وعبد الله بن الكواء اليشكري، وجميعهم صاروا فيما بعد من قادة الخوارج وفقهائهم. لقد تحولت المعارضة سريعاً من موقف فقهي وسياسي ضد الخليفة عثمان بن عفان إلى معارضة قبلية لقريش ومضر.

وفي مصر كانت حركة سياسية اجتماعية معارضة لعثمان بن عفان، تتشكل أيضاً بقيادة محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة، لكن الحركة المصرية لم تكن متجذرة مثل الكوفة والبصرة، فقد تفرق أهل مصر وانفضوا بعد واقعة مقتل عثمان رضي الله عنه.

كانت معركتا الجمل وصفين معركتين بين الشام والعراق، وكأنهما استعادة للصراع البيزنطي الفارسي، ويذكر هنا أن جماعة القراء وقفوا على الحياد مشاركين المرجئة من الصحابة والتابعين ومن يؤيدهم والذين اعتصموا في الحجاز معتبرين المسألة صراعاً سياسياً واجتماعياً وليس دينياً.

انفض الخوارج عن علي بن أبي طالب معتبرين موافقته على التحكيم خروجاً على القاعدة الأساسية "إن الحكم إلا لله" وهو ما دفع خصومهم لتسميتهم "الحاكمية". أسس الخوارج في واقع الحال فلسفة دينية سياسية في الحكم، وكانوا يسمون خصومهم "المحكّمة" بتشديد الكاف. كان خصومهم جماعتين، إحداهما سميت فيما بعد "الشيعة" التي رأت الإمامة جزءاً من الدين محصورة في علي بن أبي طالب وذريته من بعده، والأخرى سميت فيما بعد "السنّة" كانت ترى الحكم مزيجاً من الأنسنة والمبادئ الدينية والتي استلهمت أيضاً التراث البيزنطي في الحكم (الأمويون) ثم الفارسي (العباسيون).

ومن الملاحظ أن الحركة المناهضة للاحتكار القرشي لم تقدر على الاستغناء عن قيادة قرشية لكن ضمن عقد او اتفاق على المشاركة بقيادة قرشية كما حدث في التحالف العباسي المناهض للأمويين والذي كان قائما على قاعدة اجتماعية عراقية وفارسية ثم تحول الى حركة إقصاء واسعة وتهميش للعرب ما دفع العرب للتحالف مع الاسماعيليين الفاطميين في مواجهة العباسيين الذين أصبحوا يعتمدون على عصبيات فارسية وتركية. وفي المقابل كان الفاطميون جماعات وقبائل عربية بمن فيهم اشراف الحجاز. لم يكن الفاطميون في الحكم والسياسة شيعة لكنهم اعتمدوا تعددية مذهبية وتركوا للناس في امبراطوريتهم يدبرون بأنفسهم شؤونهم الدينية والقضائية بل انهم رعوا حركة علمية "سنية" ومن المعروف ان القوة الاجتماعية والعسكرية الرئيسية للفاطميين كانت تحالفا كبيرا وقويا من القبائل العربية المسمى رمزيا تحالف بني هلال. ومن الملفت ان قادة وفرسان هذا التحالف ما زالوا ابطالا اسطوريين ملهمين للوعي والخيال العربي مثل ابو زيد الهلالي والجليلة والسلطان حسن وذياب بن غانم. ثمة تشابه او حتى تطابق بين قصة ابو زيد وبين البطل الأسطوري الشرق متوسطي بوزيدون. ولم يغير شيئا في الاعجاب والاستلهام العربي ل أبو زيد ان يكون شيعيا اسماعيليا ان كان هو وقبائل بني هلال شيعة فربما كانوا حلفاء وشركاء سياسيين واجتماعيين للفاطميين وليس بالضرورة حلفاء مذهبيين. ومن المعلوم والمتداول على اي حال ان القبائل العربية كانت تضم بين أبنائها مزيجا من الاديان والمذاهب وما زالت قبائل عربية عدة تتكون من اديان ومذاهب متعددة ومتنوعة.

من المهم التذكير هنا أنّ تسمية "السنّة" لم تكن مقابلة للشيعة وإنما للمعتزلة، وهم العقلانيون الذين يردون فهم النصوص الدينية إلى العقل ومبدأ العدل، مقابل أهل "السنّة" الذين يردون المسائل إلى "مراد الله" ومن ثم فإن الحكم والفقه هما معرفة مراد الله.

الحال انها تسمية سلطوية او هي سلطة التسمية. فالمتغلبون أهل السلطة سموا أنفسهم "السنة" وسمّوا مخالفيهم معتزلة وخوارج.

والمرجح أنّ الموقف من التحكيم كان سياسياً واجتماعياً وليس دينياً، ثم جرت محاولات لتفسير المواقف وردها إلى الدين، ففي حين كانت أغلبية العراقيين والشاميين تميل إلى التسوية السياسية. وكما قال عمرو بن العاص هذا خلاف في بيت عبد مناف لا شأن لغيرهم فيه. كانت جماعات الخوارج متحمسة لقتال الأمويين ومعبأة ضدهم، وكانت ترى في استمرار القتال فرصة للانتصار الحاسم عليهم، لكنه على أي حال حدث سياسي عسكري أسس لحالات دينية وسياسية ما تزال قائمة حتى اليوم

الجماهير




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية